رغم نموٍ بـ5%.. الـOCDE تضع الحكومة في قفص الاتهام: فساد في الصفقات العمومية و37% نسبة بطالة الشباب واقتصاد رهين لأزمات الشرق الأوسط
عزز الاقتصاد المغربي موقعه ضمن الاقتصادات الأكثر نموا في المنطقة، بعدما توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) أن يسجل الناتجه الداخلي الخام نموا بنسبة 5 في المائة خلال سنة 2026 وهو أعلى مستوى يتوقعه التقرير للمملكة منذ سنوات، مدفوعا بانتعاش النشاط الفلاحي إثر التساقطات المطرية المهمة التي عرفها الموسم الحاليواستمرار الاستثمارات العمومية الضخمة في مشاريع البنية التحتية الكبرى.
غير أن المنظمة الدولية، في تقريرها الجديد حول الآفاق الاقتصادية العالمية لشهر يونيو 2026 المعنون بـ”تحت الضغط”، حذرت في المقابل من أن هذه الدينامية الإيجابية تخفي اختلالات هيكلية عميقة لا تزال تثقل كاهل الاقتصاد الوطني على رأسها التبعية الطاقية للخارج بنسبة تصل إلى 90 في المائة، وارتفاع بطالة الشباب إلى 37,2 في المائة، واستمرار الاقتصاد غير المهيكل فضلا عن استمرار مستويات مرتفعة من الفساد المدرك في الصفقات العمومية.
وقدم التقرير صورة مزدوجة عن الاقتصاد المغربي فمن جهة يظهر المغرب كأحد الاقتصادات القليلة التي استطاعت تحقيق تسارع في النمو وسط بيئة دولية مضطربة تتسم بتباطؤ الاقتصاد العالمي وارتفاع التوترات الجيوسياسية، ومن جهة أخرى يكشف استمرار عدد من نقاط الضعف البنيوية التي تجعل هذا النمو معرضا للتقلبات الخارجية والصدمات المناخية والطاقية.
وبحسب معطيات المنظمة، فإن الاقتصاد المغربي أنهى سنة 2025 بمعدل نمو بلغ 4,6 في المائة، بعد سنوات متتالية اتسمت بتأثيرات الجفاف والضغوط التضخمية العالمية فيما تتوقع المنظمة أن يرتفع هذا المعدل إلى 5 في المائة خلال سنة 2026 قبل أن يتراجع إلى 3,9 في المائة سنة 2027 وهو ما يعكس في نظرها الطابع الظرفي لجزء من العوامل التي تدفع النمو حاليا.
وأرجعت المنظمة هذا الأداء أساسا إلى عاملين رئيسيين، الأول يتمثل في التحسن الكبير الذي عرفه الموسم الفلاحي بعد الأمطار المهمة التي شهدها المغرب خلال الشتاء الماضي والتي ساهمت في تحسين المخزون المائي للسدود وإنعاش النشاط الزراعي وتتوقع المنظمة أن يرتفع الإنتاج الفلاحي بحوالي 15 في المائة خلال سنة 2026، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على النمو الاقتصادي وعلى مداخيل العالم القروي وعلى استقرار أسعار المواد الغذائية.
أما العامل الثاني فيتعلق باستمرار الأوراش الاستثمارية الكبرى التي أطلقتها الدولة في مجالات النقل والطرق والموانئ والسكك الحديدية والطاقة والماء، حيث تواصل الاستثمارات العمومية لعب دور القاطرة الرئيسية للنمو، سواء من خلال تنشيط قطاع البناء والأشغال العمومية أو عبر دعم الصناعات التحويلية والخدمات المرتبطة بالمشاريع الكبرى التي تستعد المملكة لإنجازها في أفق الاستحقاقات الرياضية الدولية المقبلة، وعلى رأسها كأس العالم 2030.
وفي السياق ذاته، سجل التقرير أن الاستهلاك الداخلي ظل محافظا على متانته خلال سنة 2025 بفضل تراجع التضخم وتحسن ثقة المستهلكين واستمرار خلق فرص النشاط الاقتصادي المرتبطة بالأوراش الكبرى كما أشار إلى أن الصادرات المغربية ومداخيل القطاع السياحي سجلت ارتفاعا خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، بالتوازي مع تحسن ثقة الفاعلين الاقتصاديين، قبل أن تبدأ تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في التأثير على هذه الدينامية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التقرير يخصص حيزا واسعا لما يعتبره “نقطة الضعف الهيكلية الأكبر” للاقتصاد المغربي والمتمثلة في التبعية الطاقية للخارج فالمغرب بحسب المنظمة، لا يزال يستورد حوالي 90 في المائة من حاجياته من الطاقة، وهو ما يجعله من أكثر الاقتصادات عرضة لتقلبات أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية.
ووضعت المنظمة المغرب ضمن مجموعة من الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة إلى جانب تركيا وباكستان وعدد من اقتصادات جنوب شرق آسيا، معتبرة أن أي اضطراب في الأسواق العالمية أو في سلاسل الإمداد الطاقية ينعكس بشكل مباشر على التوازنات الاقتصادية والمالية للمملكة.
وتظهر آثار هذه التبعية بشكل واضح في توقعات التضخم التي أوردها التقرير فبعد أن تراجع معدل التضخم إلى 0,7 في المائة خلال سنة 2025 نتيجة انخفاض أسعار المواد الغذائية تتوقع المنظمة أن يعاود الارتفاع إلى 3,2 في المائة خلال سنة 2026 بفعل زيادة أسعار الطاقة والمواد الغذائية في الأسواق الدولية، قبل أن يتراجع مجددا إلى 1,4 في المائة سنة 2027 وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن التضخم بلغ بالفعل 1,7 في المائة خلال أبريل 2026 قبل أن يبدأ في الانخفاض التدريجي.
كما تتوقع المنظمة أن يؤدي ارتفاع فاتورة الواردات الطاقية إلى توسيع عجز الحساب الجاري، الذي انتقل من 2,2 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025 إلى مستوى متوقع يبلغ 3,1 في المائة سنة 2026 و3,3 في المائة سنة 2027.
ولمواجهة هذه المخاطر، دعت المنظمة إلى تسريع الانتقال الطاقي من خلال تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتسريع وتيرة تطوير مشاريع الطاقات المتجددة، وتعزيز النجاعة الطاقية في مختلف القطاعات الاقتصادية كما أوصت باعتماد معايير أكثر صرامة في مجال استهلاك الطاقة داخل المباني والمركبات والتجهيزات الصناعية، معتبرة أن هذه الإجراءات ستساهم في الوقت نفسه في تعزيز الأمن الطاقي للمملكة وتقوية قدرتها على مواجهة التغيرات المناخية.
وفي مقابل هذا التحدي الطاقي، أبرز التقرير الدور المحوري الذي يواصل قطاع الفوسفاط لعبه في دعم الاقتصاد الوطني فقد مثلت صادرات الفوسفاط ومشتقاته نحو 21 في المائة من إجمالي عائدات الصادرات المغربية خلال سنة 2025، ما يجعل القطاع أحد أهم مصادر العملة الصعبة للمملكة.
وأشارت المنظمة إلى أن الاضطرابات التي يعرفها الخليج العربي نتيجة التوترات الجيوسياسية أسهمت في تحويل جزء من الطلب العالمي على الأسمدة نحو المغرب، باعتباره أكبر منتج للفوسفاط في العالم وأحد أبرز المنتجين للأسمدة الفوسفاطية.
غير أن التقرير حذر من أن هذه الأفضلية ليست محصنة بالكامل ضد المخاطر فالصناعة المغربية للأسمدة تعتمد بشكل كبير على واردات الأمونياك والكبريت القادمة من دول الخليج، ما يعني أن استمرار التوترات أو توسعها قد يؤثر سلبا على سلاسل التوريد الضرورية للإنتاج الوطني وبعبارة أخرى، فإن الأزمة الجيوسياسية نفسها التي تمنح المغرب فرصة لتعزيز حصته في الأسواق الدولية قد تتحول إلى عامل تهديد لإنتاجه الصناعي إذا ما طالت أمدها.
وعلى مستوى سوق الشغل، يكشف التقرير عن مفارقة لافتة. فبينما تتحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية، لا تزال البطالة تمثل أحد أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية في المملكة فرغم تراجع معدل البطالة العام من 13,4 في المائة سنة 2024 إلى 13 في المائة سنة 2025، فإن بطالة الشباب بلغت 37,2 في المائة، في حين وصلت بطالة النساء إلى 20,5 في المائة.
وتعتبر المنظمة أن هذه المستويات المرتفعة تعكس اختلالات هيكلية عميقة في سوق العمل، وتدعو إلى إصلاحات واسعة لتسهيل اندماج الشباب والنساء في الدورة الاقتصادية، ومن بين التوصيات التي أوردها التقرير توسيع خدمات رعاية الأطفال لتسهيل ولوج النساء إلى سوق الشغل ومحاربة الصور النمطية المرتبطة بالأدوار الاجتماعية للمرأة وتعزيز التكوين المهني داخل المقاولات وربط التكوين باحتياجات سوق العمل.
كما دعت المنظمة إلى إدخال قدر أكبر من المرونة على عقود العمل وتحفيز الانتقال نحو الاقتصاد المهيكل، مشيرة إلى أن الاقتصاد غير الرسمي لا يزال يستوعب نسبة مهمة من اليد العاملة المغربية ويحد من فعالية السياسات العمومية المتعلقة بالتشغيل والحماية الاجتماعية.
وفي ما يخص المالية العمومية، ترى المنظمة أن المغرب يواصل مسار ضبط العجز الميزانياتي بشكل تدريجي، فقد انخفض عجز الميزانية من 3,9 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2024 إلى 3,5 في المائة سنة 2025، فيما تتوقع المنظمة أن يتراجع إلى حدود 3 في المائة خلال سنتي 2026 و2027.
ويعود هذا التحسن أساسا إلى ارتفاع المداخيل الجبائية الناتجة عن تحسن النشاط الاقتصادي ومواصلة الإصلاحات الضريبية التي تهدف إلى توسيع الوعاء الضريبي وتعزيز الامتثال الضريبي.
وسجل التقرير أن الحكومة اختارت مواجهة آثار ارتفاع أسعار الطاقة من خلال إعادة تفعيل آليات دعم قطاع النقل التي سبق اعتمادها خلال سنتي 2022 و2023، دون اللجوء إلى تقديم دعم مباشر للأسر غير أن المنظمة حذرت من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة بالتوازي مع توسيع برامج الحماية الاجتماعية، قد يؤدي إلى ارتفاع الإنفاق العمومي فوق المستويات المتوقعة حاليا.
وفي الجانب النقدي، توقعت المنظمة أن يحافظ بنك المغرب على سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى 2,25 في المائة خلال سنتي 2026 و2027، معتبرة أن الارتفاع المرتقب للتضخم خلال السنة الجارية لا يتيح هامشا واسعا لتخفيف السياسة النقدية.
لكن القسم الأكثر أهمية في التقرير يتعلق بالإصلاحات الهيكلية التي تعتبرها المنظمة ضرورية لضمان استدامة النمو الاقتصادي المغربي وتحويله إلى نمو أكثر شمولا وإنصافا فقد حددت خمسة أوراش كبرى ترى أنها ستحدد مستقبل الاقتصاد المغربي خلال السنوات المقبلة تتمثل في محاربة الاقتصاد غير المهيكل، وتعزيز الرأسمال البشري، ورفع الإنتاجية، ومحاربة الفساد، وتسريع الانتقال الطاقي.
وفي ملف الفساد وجهت المنظمة واحدة من أكثر الرسائل وضوحا في تقريرها، إذ اعتبرت أنه رغم تعزيز الإطار المؤسساتي والقانوني لمحاربة الفساد، فإن مستويات الفساد المدركة خاصة في مجال الصفقات العمومية لا تزال مرتفعة وتتطلب جهودا إضافية وتكتسي هذه الملاحظة أهمية خاصة بالنظر إلى أن مشاريع البنية التحتية العمومية تشكل اليوم أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي بالمملكة.
كما شددت المنظمة على ضرورة تعزيز السياسات المرتبطة بالماء والمناخ، داعية إلى اعتماد تسعير أكثر فعالية للموارد المائية وتقوية التدابير الرامية إلى مواجهة الإجهاد المائي وترى أن الاعتماد المفرط على المواسم المطرية الجيدة، كما هو الحال في سنة 2026، لا يمكن أن يشكل استراتيجية طويلة الأمد لضمان الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.
وفي ما يتعلق بالتجارة الخارجية، أبرز التقرير أن الاتحاد الأوروبي يظل الشريك الاقتصادي الرئيسي للمغرب، إذ يستوعب حوالي 60 في المائة من صادرات السلع المغربية وهو ما يجعل الاقتصاد الوطني مرتبطا بشكل وثيق بأداء الاقتصادات الأوروبية وتطور الطلب داخل السوق الأوروبية.
في المقابل، تبقى العلاقات التجارية المباشرة مع الولايات المتحدة محدودة نسبيا، حيث لا تمثل السوق الأمريكية سوى نحو 3 في المائة من إجمالي صادرات السلع المغربية وترى المنظمة أن هذا الواقع يخفف من التأثير المباشر للتوترات التجارية الأمريكية على الاقتصاد المغربي، لكنه لا يلغي الآثار غير المباشرة التي قد تنتقل عبر الاقتصاد الأوروبي.
وخلص تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المغرب يوجد اليوم عند مفترق طرق اقتصادي مهم فمن جهة، تستفيد المملكة من ظروف مواتية تتمثل في انتعاش النشاط الفلاحي واستمرار الاستثمار العمومي وارتفاع جاذبية قطاع الفوسفاط والسياحة، ومن جهة أخرى لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة تتعلق بالطاقة والتشغيل والإنتاجية والحكامة. وبين هذين المسارين، ترى المنظمة أن قدرة المغرب على تحويل النمو الظرفي الحالي إلى نمو مستدام وشامل ستظل رهينة بسرعة وفعالية الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية خلال السنوات المقبلة.
المصدر: الصحيفة





