من احتلال البرتغال لسبتة وقشتالة لمليلية إلى السيادة الإسبانية.. خمسة قرون من الحروب والحصار والمطالب المغربية باستعادة المدينتين

إيطاليا تلغراف متابعة

أعادت موجة الدخول الجماعي لآلاف المهاجرين إلى سبتة ومليلية قضية المدينتين إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي الدولي والإسباني تحديدا، بعدما وصفت بعض الصحف الإسبانية ومسؤولون سياسيون ما حدث بأنه “غزو”، وربطوه بفرضية استعمال الهجرة وسيلة للضغط على مدريد من طرف الرباط لإعادة “إحياء” مطالب المغرب باستعادة المدينتين، خصوصا بعد اتفاق إسبانيا مع بريطانيا حول “جبل طارق”، لهذا كانت الفرصة مواتية للمملكة المغربية إلى إعادة فتح ملف السيادة على المدينتين ودفعه إلى صدارة العلاقات بين البلدين. وفق العديد من المحلليين السياسيين في إسبانيا.

وفي المقابل، ركزت وسائل إعلام دولية غير إسبانية على الوضع التاريخي والجغرافي الاستثنائي لسبتة ومليلية، بوصفهما مدينتين خاضعتين للسيادة الإسبانية على الساحل الشمالي لإفريقيا، وأعاد هذا التناول إلى النقاش الدولي قضية لا يعرف جزء واسع من الرأي العام العالمي تفاصيلها، ولا يدرك أن إسبانيا ما تزال تدير مدينتين وعددا من الجزر والصخور داخل المجال الجغرافي لشمال إفريقيا.

كما تحولت الأزمة داخل القنوات والصحف الإسبانية إلى مناسبة للبحث في خلفيات ما سمي “الغزو”، وفي طبيعة العلاقة بين الهجرة والحدود والنزاع التاريخي حول السيادة، وبينما ركز جانب من النقاش على الأبعاد الأمنية والإنسانية، استعاد جانب آخر فرضية أن تكون موجات الضغط على الحدود مرتبطة بمطلب المغرب التاريخي باسترجاع سبتة ومليلية.

غير أن فهم هذا الجدل لا يكتمل من دون العودة إلى المسار التاريخي الذي أفضى إلى وجود البرتغال، ثم إسبانيا، على السواحل المغربية، فهذا الوجود لم يبدأ بمعزل عن التحولات الكبرى التي عرفتها شبه الجزيرة الإيبيرية، بل جاء في سياق تقدم الممالك المسيحية داخل الأندلس مع الفكر الصليبي الأوروبي وانحسار الممالك الإسلامية، ثم انتقال المواجهة العسكرية والتنافس التجاري إلى الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق.

ومنذ القرنين الثالث عشر والرابع عشر، بدأت الممالك الإيبيرية تنظر إلى السواحل الشمالية للمغرب باعتبارها امتداداً للمجال الذي دارت فيه حروبها ضد القوى الإسلامية. وبعد سقوط غرناطة سنة 1492، آخر الممالك الإسلامية في الأندلس، تزايد الاهتمام بإقامة حصون وقواعد على الساحل الإفريقي المقابل، لمراقبة المضيق وتأمين طرق الملاحة ومنع قيام قوة قادرة على دعم المسلمين في شبه الجزيرة أو تهديد الممالك المسيحية من الجنوب.

واحتفظت هذه الحملات بجانب من الخطاب الديني المرتبط بالحروب الصليبية، لكنها حملت أيضا أهدافا استراتيجية واقتصادية، من بينها السيطرة على الموانئ وطرق التجارة، والوصول إلى تجارة الذهب والحبوب، والتحكم في الممرات البحرية. وفي هذا السياق بدأت قصة التوسع البرتغالي، ثم الإسباني، داخل الأراضي المغربية، وهي القصة التي ستقود إلى احتلال سبتة سنة 1415 ومليلية سنة 1497، وإلى نزاع ظل مفتوحا طوال أكثر من خمسة قرون.

في 21 غشت 1415م، عبرت حملة بحرية برتغالية مضيق جبل طارق واستولت على مدينة سبتة، التي كانت حينها تابعة للدولة المرينية. ويُنظر إلى هذه العملية باعتبارها بداية التوسع البرتغالي خارج أوروبا، وواحدة من أولى مراحل التمدد البحري الذي قاد البرتغال لاحقا إلى سواحل إفريقيا وآسيا والأمريكيتين.

كانت سبتة ميناء تجاريا وعسكريا مهما عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، كما شكلت نقطة اتصال بين طرق التجارة القادمة من داخل إفريقيا والأسواق المتوسطية، غير أن احتلالها لم يمنح البرتغال تلقائيا السيطرة على تلك الطرق، إذ نقل التجار المغاربة جزءا كبيرا من نشاطهم إلى موانئ أخرى، بينما وجدت لشبونة نفسها أمام كلفة عسكرية ومالية دائمة لحماية المدينة.

تعرضت سبتة بعد احتلالها لمحاولات مغربية متكررة لاستعادتها، لكن البرتغال حافظت عليها واتخذتها قاعدة لحملات أخرى على الساحل المغربي. وفي سنة 1437م، حاول البرتغاليون احتلال طنجة، غير أن حملتهم انتهت بالفشل، واضطر الأمير فرناندو، شقيق الملك البرتغالي، إلى البقاء أسيرا ضمن اتفاق كان يفترض أن تعيد البرتغال بموجبه سبتة، وهو ما لم يتم تنفيذه.

واصلت البرتغال توسعها خلال القرن الخامس عشر، داخل التراب المغربي فاحتلت مدينة القصر الصغير سنة 1458م، ثم استولت على أصيلة وطنجة سنة 1471م، وأصبحت هذه المواقع جزءا من شبكة من الحصون الساحلية التي هدفت إلى مراقبة المضيق وفرض وجود عسكري وتجاري دائم على الساحل المغربي.

لم تكن السيطرة البرتغالية تمتد، في معظم الحالات، إلى المناطق الداخلية المحيطة بهذه المدن، بل اقتصرت على الأسوار والموانئ والمجالات القريبة منها، وظلت القوات البرتغالية تواجه مقاومة القبائل والقوى السياسية المغربية، إضافة إلى صعوبات التموين والدفاع عن مواقع متباعدة، وفي الوقت نفسه، كانت مملكة قشتالة، التي ستصبح لاحقا النواة الأساسية للدولة الإسبانية، تتابع توسعها باتجاه السواحل المقابلة للأندلس.

بتاريخ 2 يناير 1492م، استسلمت مملكة غرناطة للملكين الكاثوليكيين إيزابيلا الأولى وفرناندو الثاني، لينتهي بذلك آخر حكم إسلامي مستقل في شبه الجزيرة الإيبيرية.

أدى سقوط غرناطة إلى موجات من هجرة المسلمين واليهود نحو المغرب وشمال إفريقيا، كما حرر جزءا من القدرات العسكرية القشتالية التي كانت موجهة إلى الحرب في الأندلس، ومنذ ذلك الحين، تسارع انتقال الحملات الإسبانية إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث سعت إسبانيا إلى إقامة نقاط دفاعية أمامية ومراقبة الموانئ التي كان يمكن أن تنطلق منها هجمات بحرية أو عمليات لدعم المسلمين الذين بقوا في الأندلس.

في شهر شتنبر 1497م، استولت قوات تابعة لدوق مدينة شذونة، باسم التاج القشتالي، على مدينة مليلية شمال المغرب، وكانت المدينة تعاني آنذاك من تراجع عمراني وسكاني بفعل الصراعات السياسية في المنطقة، فدخلتها القوات الإسبانية وحولتها إلى حصن عسكري على الساحل المتوسطي المغربي.

ومنذ ذلك التاريخ، بقيت مليلية تحت إدارة قشتالية ثم إسبانية متواصلة، وبخلاف سبتة، لم تكن مليلية مستعمرة برتغالية في أي مرحلة، بل دخلت مباشرة تحت سيطرة قشتالة.

وتعاقبت بعد ذلك عمليات إسبانية للسيطرة على مواقع أخرى، من بينها صخرة باديس، التي احتلتها إسبانيا في بداية القرن السادس عشر قبل أن تفقدها ثم تستعيدها نهائيا سنة 1564، وصخرة الحسيمة التي دخلت تحت السيطرة الإسبانية سنة 1673م، وجزر الجعفرية التي احتلتها إسبانيا سنة 1848م.

بالتزامن مع التوسع الإسباني في المتوسط، اتجهت البرتغال إلى الموانئ الأطلسية المغربية، فأقامت قلعة “سانتا كروز دو كابو دي غي” قرب أكادير سنة 1505م، وأنشأت سنة 1506م حصنا في موغادور، الصويرة حاليا، عرف باسم “كاستيلو ريال”.

غير أن الوجود البرتغالي في موغادور لم يستمر إلا سنوات قليلة، ولم يتحول إلى احتلال دائم للمدينة، ولذلك يختلف وضع الصويرة عن سبتة أو مازاغان، الجديدة حاليا، حيث استقر البرتغاليون لفترات أطول.

وفي سنة 1508م، فرضت البرتغال سيطرتها المباشرة على آسفي، ثم احتلت أزمور سنة 1513م، وعززت تحصينات مازاغان. وبذلك أقامت شبكة من المراكز العسكرية والتجارية تمتد من مضيق جبل طارق إلى جنوب الساحل الأطلسي.

لكن هذا التوسع بدأ يتراجع مع صعود الدولة السعدية، وفي سنة 1541م، استعاد السعديون حصن أكادير، وأدى سقوطه إلى انسحاب البرتغاليين من آسفي وأزمور ومواقع أخرى، كما تخلت البرتغال عن القصر الصغير وأصيلة، لتتقلص ممتلكاتها المغربية تدريجيا.

بتاريخ 4 غشت 1578م، وقعت معركة “وادي المخازن” قرب القصر الكبير بين الجيش المغربي بقيادة السلطان عبد الملك السعدي، والجيش البرتغالي بقيادة الملك سبستيان، الذي تدخل لدعم السلطان المخلوع محمد المتوكل.

انتهت المعركة بهزيمة الجيش البرتغالي ومقتل سبستيان وعبد الملك والمتوكل، ولذلك عرفت أيضا باسم “معركة الملوك الثلاثة”، وأدخلت وفاة الملك البرتغالي من دون وريث مباشر البلاد في أزمة خلافة، انتهت سنة 1580م بضم التاج البرتغالي إلى الملك الإسباني فيليب الثاني، في إطار ما عرف بالاتحاد الإيبيري.

خلال هذه المرحلة، أصبحت الممتلكات البرتغالية، ومنها سبتة، مرتبطة بملك واحد يحكم إسبانيا والبرتغال، مع احتفاظ كل مملكة بقوانينها ومؤسساتها.

عندما استعادت البرتغال استقلالها عن إسبانيا سنة 1640م، اختارت سلطات سبتة عدم الانضمام إلى الثورة البرتغالية، وبقيت موالية للملك الإسباني فيليب الرابع. وفي معاهدة لشبونة الموقعة سنة 1668م، اعترفت البرتغال رسميا باستقلالها عن إسبانيا، وفي المقابل أقرت بانتقال سبتة إلى السيادة الإسبانية، وبذلك أصبحت المدينة إسبانية بموجب اتفاق بين دولتين أوروبيتين، من دون أن يكون المغرب طرفا في نقل السيادة.

أما مدينة طنجة، فقد انتقلت من البرتغال إلى بريطانيا سنة 1661م ضمن مهر الأميرة كاترين دي براغانزا عند زواجها من الملك تشارلز الثاني. وفي سنة 1684م، انسحبت بريطانيا من المدينة بعد تزايد كلفة الدفاع عنها، فاستعادها المغرب في عهد السلطان مولاي إسماعيل، في حين واستمر الوجود البرتغالي في مازاغان إلى سنة 1769م، عندما أخلى البرتغاليون المدينة بعد حصار فرضه السلطان محمد بن عبد الله، لتنتهي بذلك آخر سيطرة برتغالية دائمة على الساحل المغربي.

لم يتوقف السلاطين المغاربة عن محاولات استعادة المواقع التي بقيت في يد إسبانيا، ومن أبرز تلك المحاولات الحصار الطويل لسبتة بين 1694م و1727م في عهد السلطان مولاي إسماعيل، والذي استمر أكثر من ثلاثة عقود من دون أن يؤدي إلى سقوط المدينة.

كما حاصر السلطان محمد بن عبد الله مدينة مليلية بين 1774م و1775م، واستُخدمت المدفعية والقوات البرية في محاولة اقتحام تحصيناتها، غير أن الدعم البحري والعسكري الإسباني مكّن المدينة من الصمود، وانتهى الحصار من دون تغيير في وضعها، حيث ظلت حدود المناطق المحيطة بسبتة ومليلية موضع اشتباكات ونزاعات متكررة طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

في سنة 1859م، اندلع نزاع بين المغرب وإسبانيا على خلفية هجمات استهدفت منشآت أقامتها القوات الإسبانية قرب سبتة، ليتطور الوضع إلى حرب شاملة عرفت إسبانيا باسم “حرب إفريقيا”. دخل الجيش الإسباني الأراضي المغربية، واحتل تطوان في فبراير 1860م. وانتهت الحرب بتوقيع معاهدة “واد راس” في 26 أبريل من السنة نفسها.

كرست المعاهدة توسيع حدود سبتة، وثبتت المجال المحيط بمليلية وفق مدى قذائف المدفعية، وألزمت المغرب بأداء تعويضات مالية كبيرة، كما أكدت اتفاقا سابقا يمنح إسبانيا منطقة في الساحل الأطلسي عُرفت لاحقا بسيدي إفني، وقد وُقعت المعاهدة بعد هزيمة عسكرية واحتلال تطوان، التي بقيت في يد إسبانيا إلى أن أدى المغرب جزءا من التعويضات.

في سنة 1912م، فُرض نظام الحماية على المغرب، فتولت فرنسا إدارة معظم البلاد، بينما أقامت إسبانيا منطقة حماية في الشمال وأخرى في الجنوب. لم تعتبر مدريد سبتة ومليلية جزءا من منطقة الحماية، بل تعاملت معهما باعتبارهما أراضي إسبانية سابقة على تقسيم المغرب، ولذلك ظل وضعهما القانوني والإداري منفصلا عن وضع تطوان والعرائش وشفشاون وباقي مناطق الحماية الإسبانية.

وعندما حصل المغرب على استقلاله سنة 1956م، أعادت إسبانيا منطقة الحماية الشمالية، ثم استعاد المغرب طرفاية سنة 1958م وسيدي إفني سنة 1969م، لكن مدريد احتفظت بسبتة ومليلية والجزر والصخور الواقعة قبالة الساحل المتوسطي.

بعد الاستقلال، بدأ المغرب يطرح قضية الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية داخل أجهزة الأمم المتحدة، بالتوازي مع مطالبته باستكمال وحدته الترابية. ويظهر أول توثيق أممي واضح لهذا الموقف في محضر الجلسة العامة رقم 945 للجمعية العامة، المنعقدة يوم 13 دجنبر 1960، خلال مناقشة مشروع إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.

وخلال تلك الجلسة، تحدث المندوب المغربي امحمد بوستة عن تقسيم الأراضي المغربية، وذكر بالاسم إفني والساقية الحمراء ووادي الذهب وتندوف وتوات، إلى جانب سبتة ومليلية، معتبرا أن هذه الأراضي تخضع لأشكال مختلفة من الاحتلال أو الإدارة الاستعمارية. ويرد ذكر سبتة ومليلية صراحة في الفقرة 46 من كلمته.

وأثار هذا التصريح ردا مباشرا من المندوب الإسباني خوسيه فيليكس دي ليكيريكا، الذي احتج على إدراج سبتة ومليلية ضمن نقاش تصفية الاستعمار، وقال إنهما مدينتان إسبانيتان وليستا إقليمين مستعمرين، كما عرض الموقف الإسباني القائم على طول مدة الإدارة الإسبانية والمعاهدات الموقعة مع السلاطين المغاربة، وتوثق الفقرات من 145 إلى 156 من المحضر نفسه هذا السجال المباشر بين المغرب وإسبانيا.

وتكرر النقاش خلال اجتماعات اللجنة الرابعة للجمعية العامة. ففي محضر الجلسة رقم 1049، المنعقدة خلال الدورة الخامسة عشرة، أعلن المندوب المغربي أحمد السقلي أن المغرب يعتبر سبتة ومليلية وإفني والصحراء الغربية أجزاء لا تتجزأ من ترابه، ويعد هذا المحضر من أوضح الوثائق التي تثبت طرح المغرب للمدينتين داخل اللجنة المختصة بقضايا الاستعمار.

وفي الجلسة رقم 1006 للجنة الرابعة، رد المندوب الإسباني بأن وضع سبتة ومليلية، اللتين ذكرهما المغرب لأول مرة في ذلك السياق، حُدد في عدد من المعاهدات المبرمة بين إسبانيا والمغرب، مكررا موقف مدريد القائل إنهما خارج نطاق تصفية الاستعمار.

كما تكشف جلسات لاحقة استمرار السجال، ففي محضر الجلسة رقم 1171 للجنة الرابعة، أشار المندوب الإسباني إلى أن الوفد المغربي لم يكن، حسب الرواية الإسبانية، قد أثار المطالبة بسبتة ومليلية داخل اللجنة الرابعة قبل سنة 1960، وهو ما يعكس أن تلك السنة مثلت محطة بارزة في نقل الخلاف بصورة علنية إلى أروقة الأمم المتحدة.

وفي سنة 1963، ورد ذكر المدينتين مجددا خلال مناقشات الجمعية العامة، حيث أشارت بعض الوفود إلى أن سبتة ومليلية لا تزالان تحت الإدارة الإسبانية، في سياق أوسع تناول إنهاء الاستعمار في إفريقيا.

غير أن الأمم المتحدة لم تُدرج سبتة ومليلية ضمن القائمة الرسمية للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بخلاف الصحراء الإسبانية، التي أدرجت في القائمة سنة 1963، بعد شروع إسبانيا في نقل المعلومات عنها بموجب المادة 73 من ميثاق الأمم المتحدة، كما لم يصدر عن الجمعية العامة أو مجلس الأمن قرار مستقل يطالب إسبانيا بإنهاء إدارتها للمدينتين.

واستمر المغرب، رغم ذلك، في إدراج سبتة ومليلية ضمن قضايا استكمال الوحدة الترابية، حيث وفي رسالة مؤرخة في 27 يناير 1975، وجهها الممثل الدائم للمغرب إلى الأمم المتحدة، ورد ذكر سبتة ومليلية مجددا ضمن الأراضي التي يشملها الموقف المغربي من تصفية الاستعمار والوحدة الترابية.

وهكذا توثق سجلات الأمم المتحدة وجود مطالبة مغربية صريحة بالمدينتين منذ سنة 1960، وردود إسبانية رافضة لإدراجهما ضمن القضايا الاستعمارية، غير أن هذا السجال لم يتحول إلى مسار أممي مستقل، وظلت القضية خارج قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي وخارج جدول أعمال مجلس الأمن بوصفها ملفا منفصلا.

خلال عهد الملك الحسن الثاني، ظل الموقف المغربي الرسمي متمسكا بالمطالبة بسبتة ومليلية، لكن الأولوية خلال السبعينيات انتقلت إلى ملف الصحراء الإسبانية.

وتكشف برقية دبلوماسية أمريكية مؤرخة سنة 1975، ونشرت لاحقا ضمن وثائق “ويكيليكس”، أن الحسن الثاني أبلغ المسؤول الإسباني خوسيه سوليس بأن المغرب، إذا توصل إلى اتفاق مع إسبانيا بشأن الصحراء، فلن يطرح مستقبل سبتة ومليلية إلا عندما تتوصل إسبانيا وبريطانيا إلى تسوية بشأن جبل طارق.

وفي نهاية السبعينيات، ناقشت وثائق دبلوماسية أمريكية تصورات مختلفة لمستقبل المدينتين، من بينها احتمال تدويل سبتة أو منحها وضعا شبيها بوضع طنجة الدولي السابق، لكنها كانت أفكارا متداولة داخل النقاشات الدبلوماسية وليست اتفاقات رسمية بين المغرب وإسبانيا.

وفي الثمانينيات، اقترح الحسن الثاني إنشاء “خلية تفكير” أو لجنة مشتركة لبحث مستقبل سبتة ومليلية، على غرار المفاوضات البريطانية الإسبانية بشأن جبل طارق، ولم توافق مدريد على فتح مفاوضات حول السيادة، مؤكدة أن المدينتين جزء من التراب الإسباني.

في 13 مارس 1995، أقر البرلمان الإسباني قانونين أساسيين منحا سبتة ومليلية نظام “مدينتين متمتعتين بالحكم الذاتي”، ونص القانونان على إنشاء مجلس وحكومة محلية في كل مدينة، وتحديد اختصاصاتهما الإدارية والمالية، مع التأكيد على انتمائهما إلى الدولة الإسبانية.

ولا تتمتع المدينتان بالوضع الدستوري نفسه للأقاليم الإسبانية ذات الحكم الذاتي، مثل الأندلس وكتالونيا، لكنهما حصلتا على مؤسسات محلية وصلاحيات موسعة، ولم يعترف المغرب بأن هذا التنظيم الداخلي يغير طبيعة مطالبته بالمدينتين.

في 11 يوليوز 2002، دخلت مجموعة من عناصر القوات المغربية إلى جزيرة ليلى غير المأهولة، التي تسميها إسبانيا “بيريخيل”، والواقعة على مسافة قصيرة من الساحل المغربي غرب سبتة. قال المغرب إن وجود عناصره كان مرتبطا بمراقبة الهجرة والتهريب، بينما اعتبرت إسبانيا الخطوة تغييرا للوضع القائم. وفي 17 يوليوز، نفذت القوات الإسبانية عملية عسكرية استعادت بها الجزيرة وأخرجت العناصر المغربية من دون سقوط إصابات بين الطرفين.

وأدت الأزمة إلى استدعاء السفراء وتصعيد دبلوماسي بين الرباط ومدريد، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة، عبر وزير خارجيتها كولن باول، للتوصل إلى اتفاق أعاد الجزيرة إلى الوضع السابق، أي بقاءها خالية من أي وجود عسكري دائم، كما لم يحسم الاتفاق مسألة السيادة القانونية عليها.

ما بين 5 و6 نونبر 2007، زار الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا سبتة ومليلية، في أول زيارة رسمية يقوم بها ملك إسباني إلى المدينتين خلال عهده، حيث استقبلتهما السلطات والمؤسسات المحلية الإسبانية، بينما استدعى المغرب سفيره في مدريد للتشاور، وأصدر الملك محمد السادس موقفا رسميا رفض فيه الزيارة، مجددا مطالبة المغرب بالمدينتين، وفي المقابل، أكدت مدريد أن الزيارة جرت داخل أراض تعتبرها جزءا من الدولة الإسبانية.

ومنذ ذلك الحين، بقيت سبتة ومليلية حاضرتين في الخطاب السياسي المغربي، من دون أن تبدأ مفاوضات رسمية ومعلنة بين الرباط ومدريد بشأن السيادة.

ويعتبر المغرب المدينتين والجزر والصخور القريبة منهما جزءا من أراضيه، ويربط استرجاعها باستكمال الوحدة الترابية وإنهاء بقايا الوجود الاستعماري على ساحله الشمالي، أما إسبانيا فتعتبرهما مدينتين إسبانيتين منذ قرون، وتستند إلى استمرار إدارتها لهما وإلى تشريعاتها الداخلية والاتفاقات التاريخية التي كرست وجودها.

وهكذا تمتد القضية عبر أكثر من خمسة قرون، من احتلال البرتغال لسبتة سنة 1415، إلى سقوط غرناطة واحتلال قشتالة لمليلية سنة 1497، ثم انتقال سبتة رسميا إلى إسبانيا سنة 1668، مرورا بالحصارات والحروب والمعاهدات، وصولا إلى استقلال المغرب وطرح الملف في الأمم المتحدة والأزمات الدبلوماسية اللاحقة.

ورغم عمقها التاريخي، ظلت القضية خارج جدول أعمال مجلس الأمن وخارج المسار الأممي الرسمي لتصفية الاستعمار، كما بقيت خارج مفاوضات ثنائية مباشرة حول السيادة، في وقت واصلت فيه الرباط ومدريد إدارة خلافهما ضمن علاقة تجمعها ملفات أخرى، من الأمن والهجرة والتجارة إلى التعاون الاقتصادي والسياسي.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...