51 مليار درهم لأربعة ملايين أسرة.. دعم الطفولة يستحوذ على ثلثي ميزانية البرنامج الاجتماعي بالمغرب

إيطاليا تلغراف متابعة

عزز برنامج الدعم الاجتماعي المباشر حضوره كأحد أكبر الأوراش الاجتماعية التي أطلقتها المملكة خلال العقود الأخيرة، بعدما تجاوزت القيمة الإجمالية للمبالغ المصروفة لفائدة الأسر المستفيدة 51 مليار درهم إلى غاية متم سنة 2025، استفادت منها قرابة أربعة ملايين أسرة عبر مختلف جهات المملكة، في وقت كشفت معطيات رسمية جديدة أن نحو ثلثي هذه الاعتمادات المالية وُجهت إلى حماية الطفولة والاستثمار في الرأسمال البشري، بينما تجاوز معدل قبول الطلبات 91 في المائة.

وكشفت المعطيات التفصيلية الصادرة عن الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي أن البرنامج يواصل ترسيخ مكانته باعتباره الآلية الرئيسية لتنزيل ورش الدولة الاجتماعية، ليس فقط من خلال تحويل الدعم المالي المباشر إلى الأسر المستحقة، بل أيضا عبر إعادة توجيه الموارد العمومية نحو الفئات الأكثر هشاشة وتكريس مقاربة جديدة تقوم على الاستهداف الدقيق والإنصاف الاجتماعي وتقليص الفوارق المجالية.

ومنذ انطلاق البرنامج، بلغ عدد الأسر المستفيدة ما يقارب أربعة ملايين أسرة، ينحدر حوالي 60 في المائة منها من الوسط القروي، وهو ما يعكس التوجه الواضح نحو دعم المناطق التي تعرف معدلات أعلى من الهشاشة والفقر وضعف الدخل. 

ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنظر إلى أن العالم القروي ظل لعقود المجال الأكثر تأثرا بالفوارق الاجتماعية والمجالية، سواء من حيث الولوج إلى الخدمات الأساسية أو فرص الشغل والدخل ما جعل توجيه جزء مهم من الدعم إليه أحد الرهانات الأساسية للسياسات الاجتماعية الجديدة. 

وأبرزت الأرقام أن الرهان الأكبر داخل البرنامج يظل هو الاستثمار في الرأسمال البشري، إذ استحوذت الإعانات المرتبطة بالحماية من المخاطر المرتبطة بالطفولة على 64.2 في المائة من إجمالي المبالغ المصروفة، بما يعادل 32.7 مليار درهم.

واستفاد من هذه الإعانات حوالي 5.5 ملايين طفل ينتمون إلى نحو 2.45 مليون أسرة، ما يجعل الأطفال الفئة الأولى المستفيدة من البرنامج، ويعكس هذا التوجه قناعة الدولة بأن محاربة الفقر لا تمر فقط عبر تقديم مساعدات مالية آنية، وإنما عبر الاستثمار في الأجيال الصاعدة والحد من العوامل التي تؤدي إلى إعادة إنتاج الهشاشة عبر الأجيال، من قبيل الهدر المدرسي وسوء التغذية وضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية. 

وفي المقابل، بلغت المبالغ الموجهة للإعانة الجزافية حوالي 18.2 مليار درهم، استفادت منها 1.47 مليون أسرة وتشكل هذه الإعانة أحد المكونات الأساسية للبرنامج، حيث تستهدف الأسر التي لا تستفيد من المنح المرتبطة بالطفولة أو التي تحتاج إلى دعم مباشر لتحسين قدرتها على مواجهة تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية المتزايدة. 

كما تظهر المعطيات أن الأسر المستفيدة تضم نحو 1.7 مليون شخص مسن، سواء ضمن الأسر المستفيدة من الإعانة الجزافية أو تلك المستفيدة من إعانات الطفولة، وهو ما يكشف بعدا آخر للبرنامج يتمثل في المساهمة في الحماية من المخاطر المرتبطة بالشيخوخة، خصوصا بالنسبة لكبار السن الذين يعيشون داخل أسر محدودة الدخل وتعتمد بشكل كبير على التحويلات الاجتماعية لتحسين أوضاعها المعيشية. 

وأكدت الأرقام المرتبطة بمنظومة الاستهداف أن الدعم يذهب في معظمه إلى الفئات التي أنشئ البرنامج من أجلها فبحسب المعطيات الرسمية، ينتمي 84 في المائة من المستفيدين إلى الطبقات الاجتماعية التي تعاني الفقر أو تعيش بدخل محدود، فيما ترتفع هذه النسبة إلى 93 في المائة بالنسبة للأسر المستفيدة من إعانات الطفولة مقابل 69 في المائة لدى المستفيدين من الإعانة الجزافية.

 وتعتبر هذه المؤشرات من أبرز الاختبارات العملية لفعالية السجل الاجتماعي الموحد الذي راهنت عليه الدولة لضمان توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر استحقاقا بعد سنوات من الانتقادات التي طالت أنظمة الدعم السابقة بسبب ضعف الاستهداف وتسرب جزء من الموارد إلى فئات غير معنية. 

وعلى المستوى الترابي، تعكس خريطة توزيع المستفيدين تداخلا بين الوزن الديمغرافي للجهات ومستويات الفقر والهشاشة الاجتماعية داخلها فقد تصدرت جهة مراكش آسفي قائمة الجهات المستفيدة بحصة بلغت 16.1 في المائة من مجموع المستفيدين، تلتها جهة فاس مكناس بنسبة 15.7 في المائة، ثم جهة الدار البيضاء سطات بنسبة 13.7 في المائة. ورغم أن هذه الجهات تعد من بين الأكثر كثافة سكانية بالمملكة، فإن حصتها المرتفعة ترتبط أيضا بوجود فئات واسعة تعيش أوضاعا اجتماعية هشة، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية التابعة لها. 

وكشفت المعطيات أن التوزيع الجهوي يختلف بحسب طبيعة الإعانة المستفاد منه ففي ما يتعلق بالإعانة الجزافية، سجلت جهة سوس ماسة أعلى نسبة استفادة، إذ يمثل المستفيدون منها 42.5 في المائة من مجموع المستفيدين بالجهة، تليها جهة درعة تافيلالت بنسبة 41.3 في المائة، ثم جهة كلميم واد نون بنسبة 39.8 في المائة. ويعكس ذلك الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية لهذه الجهات التي تضم نسبا مهمة من الأسر ذات الدخل المحدود أو غير المستقر. 

أما الإعانات المرتبطة بحماية الطفولة، فتتمركز بشكل أكبر في الجهات الأكثر تمدنا وكثافة سكانية، حيث بلغت نسبة المستفيدين منها 68.9 في المائة بجهة الدار البيضاء سطات، و65.4 في المائة بجهة مراكش آسفي، و64.6 في المائة بجهة طنجة تطوان الحسيمة. ويعكس هذا المعطى الثقل الديمغرافي لهذه الجهات وارتفاع عدد الأسر الشابة والأطفال المقيمين بها مقارنة بجهات أخرى. 

وفي جانب الأداء الإداري، أظهرت المؤشرات تحسنا لافتا في قدرة المنظومة على معالجة الطلبات والاستجابة للمواطنين فقد ارتفع معدل قبول الطلبات من 45.5 في المائة فقط عند إطلاق البرنامج في دجنبر 2023 إلى 91.9 في المائة عند متم سنة 2025، أي بزيادة تفوق الضعف خلال أقل من عامين. ويعكس هذا التطور بحسب المعطيات الرسمية، استيعابا متزايدا لشروط الاستفادة ومعايير الأهلية من طرف المواطنين، كما يعكس التحسن التدريجي في أداء المنظومة الرقمية والإدارية المكلفة بتدبير البرنامج. 

وفي المقابل، كشفت البيانات أسباب عدم أهلية بعض الطلبات، حيث تشير إلى أن نحو 61 في المائة من حالات الاستبعاد ترتبط بتغير الوضعية الاجتماعية أو الاقتصادية للأسر، وأوضحت الأرقام أن 42 في المائة من حالات الرفض تعزى إلى انخراط أفراد الأسر المعنية في نظام التعويضات العائلية نتيجة الحصول على وضع مهني جديد، بينما ترتبط 19 في المائة من الحالات بتجاوز العتبة المحددة للمؤشر الاجتماعي والاقتصادي المعتمد في الاستهداف أما الأسباب المرتبطة بالتغيرات الديمغرافية داخل الأسرة، مثل تغير عدد أفرادها أو خصائصهم، فتظل الأقل تأثيرا ضمن مجموع حالات عدم الأهلية. 

وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة حجم التحول الذي يعرفه النموذج الاجتماعي المغربي، حيث أصبح برنامج الدعم الاجتماعي المباشر يشكل إحدى أهم أدوات إعادة توزيع الدخل والحماية الاجتماعية بالمملكة كما تكشف الأرقام أن الدولة تراهن بشكل متزايد على الاستثمار في الأطفال والأسر الهشة، باعتباره مدخلا لبناء رأسمال بشري أكثر قدرة على مواجهة الفقر والإقصاء الاجتماعي، في وقت تتواصل فيه الجهود لتوسيع نطاق الاستفادة وتحسين دقة الاستهداف وضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر حاجة في مختلف جهات المملكة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...