“أسطول الظل” يتحول إلى مُزود أساسي للمملكة.. المغرب سابع أكبر زبون للنفط الروسي المكرر في جورجيا بواردات تخطت 350 مليون دولار خلال 5 أشهر
عزز المغرب حضوره ضمن خريطة المبادلات الطاقية الجديدة الناشئة حول البحر الأسود، بعدما حل في المرتبة السابعة عالميا ضمن أكبر مستوردي المنتجات النفطية الجورجية خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، في تطور لافت يأتي بالتزامن مع تحول جورجيا من بلد يكاد يكون غائبا عن سوق تصدير المحروقات إلى مصدر صاعد للوقود المكرر بفضل تشغيل مصفاة كوليفي العملاقة على الساحل الجورجي للبحر الأسود.
ووفق ما كشفته معطيات رسمية صادرة عن المكتب الوطني للإحصاء في جورجيا (Geostat) فإن صادرات المنتجات النفطية المكررة سجلت ارتفاعا غير مسبوق بلغ 3712.9 في المائة ما بين يناير وماي 2026، لتصل إلى 352.2 مليون دولار، بعدما كانت لا تتجاوز بضعة ملايين من الدولارات قبل سنة واحدة فقط وهو ما جعلها تتصدر لأول مرة قائمة الصادرات الجورجية المحلية خارج عمليات إعادة التصدير.
وبحسب المعطيات ذاتها، بلغت القيمة الإجمالية لشحنات المنتجات النفطية، بما فيها عمليات إعادة التصدير، حوالي 366.6 مليون دولار بحجم ناهز 534 ألفا و300 طن خلال خمسة أشهر فقط، وهو رقم يعكس التحول السريع الذي شهده قطاع الطاقة الجورجي منذ نهاية سنة 2025.
وجاء المغرب في المرتبة السابعة ضمن قائمة كبار الزبناء الدوليين لهذه المنتجات بقيمة بلغت 16.8 مليون دولار، خلف كل من توغو التي تصدرت القائمة بـ96.9 مليون دولار، وتركيا بـ64.2 مليون دولار، والصين بـ61.9 مليون دولار، ثم ليبيا بـ35.3 مليون دولار، والجزائر بـ25.1 مليون دولار، ومالطا بـ19.7 مليون دولار كما تقدم المغرب على أسواق دولية مثل أرمينيا وسنغافورة والإمارات العربية المتحدة، ليصبح ثالث أكبر مستورد إفريقي للمنتجات النفطية الجورجية بعد ليبيا والجزائر.
ولا يتعلق الأمر بمنتج واحد فقط، إذ تشمل الصادرات الجورجية الموجهة للأسواق الخارجية البنزين والغازوال والكيروسين وزيوت التشحيم والبيتومين والبارافين والمواد الأولية المستخدمة في الصناعات البتروكيماوية، وهي منتجات تدخل بشكل مباشر في قطاعات النقل والصناعة والأشغال العمومية والطاقة.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الأرقام تتجاوز مجرد ترتيب المغرب ضمن قائمة المستوردين، لأن ما يجري في جورجيا يمثل أحد أبرز التحولات الاقتصادية في منطقة القوقاز خلال السنوات الأخيرة، فقبل تشغيل مصفاة كوليفي كانت صادرات المنتجات النفطية الجورجية لا تتجاوز ما بين 1.5 و2 مليون دولار شهريا وظلت البلاد تعتمد أساسا على إعادة تصدير بعض المنتجات المستوردة دون امتلاك صناعة تكرير مؤثرة لكن مع دخول المصفاة الجديدة الخدمة ارتفعت الصادرات إلى أكثر من 30 مليون دولار شهريا في نونبر ودجنبر 2025 قبل أن تحقق قفزتها الكبرى خلال سنة 2026.
ويقف وراء هذا التحول مشروع مصفاة كوليفي الذي يعد من أكبر المشاريع الصناعية والاستثمارية في تاريخ جورجيا الحديث وقد بدأ المشروع سنة 2023 باستثمارات قدرتها مصادر مختلفة بما يتراوح بين 600 و700 مليون دولار مع قدرة أولية لمعالجة أكثر من 1.1 مليون طن من النفط الخام سنويا على أن ترتفع الطاقة الإنتاجية مستقبلا إلى ما يقارب 4 ملايين طن سنويا.
وتوجد المصفاة بالقرب من ميناء كوليفي الاستراتيجي المطل على البحر الأسود، وهو ما يمنحها ميزة لوجستية كبيرة تسمح بتصدير المنتجات المكررة نحو أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط عبر خطوط الشحن البحري كما تمثل المصفاة أول منشأة جورجية قادرة على تكرير النفط الخام على نطاق صناعي واسع، بعدما ظلت البلاد لعقود تعتمد على استيراد الوقود المكرر من الخارج.
غير أن هذا النجاح الاقتصادي ترافق مع جدل جيوسياسي متزايد فبحسب تقارير جورجية ودولية تعتمد المصفاة بشكل أساسي على النفط الخام المستورد من روسيا وخلال الربع الأول من سنة 2026 وحده استوردت جورجيا ما قيمته 118.5 مليون دولار من النفط الروسي الخام، بما يعادل نحو 298 ألف طن، جرى توجيه جزء كبير منه إلى وحدات التكرير الجديدة قبل إعادة تصديره في شكل منتجات مكررة نحو الأسواق الدولية.
وأثار هذا الوضع نقاشا داخل الاتحاد الأوروبي بشأن احتمال إدراج ميناء كوليفي وبعض الأنشطة المرتبطة به ضمن حزم العقوبات المفروضة على روسيا، على اعتبار أن جزءا من النفط الروسي يجد طريقه إلى الأسواق العالمية بعد معالجته في جورجيا غير أن بروكسيل لم تعتمد في النهاية أي عقوبات مباشرة ضد الميناء أو المصفاة بعد حصولها على تعهدات من السلطات الجورجية والمشغلين باحترام القيود الأوروبية المتعلقة بالنفط الروسي.
وبالنسبة للمغرب، تأتي هذه المعطيات في سياق أوسع يتعلق باستراتيجية تنويع مصادر التزود بالمحروقات منذ توقف نشاط مصفاة سامير سنة 2015 فمنذ ذلك التاريخ أصبحت المملكة تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الوقود المكرر من الأسواق الخارجية مع تنويع الموردين بين أوروبا والخليج وآسيا وأمريكا الشمالية، قبل أن تنضم جورجيا خلال السنتين الأخيرتين إلى قائمة المزودين الجدد الذين يسعون إلى اقتناص حصة داخل السوق المغربية.
وتشير بيانات التجارة الثنائية إلى أن المغرب استورد من جورجيا خلال الربع الأول من سنة 2026 سلعا بقيمة تجاوزت 20.7 مليون دولار، بينما لم تتجاوز الصادرات الجورجية نحو المغرب خلال الفترة نفسها 277 ألف دولار، ما يعكس اختلالا واضحا في الميزان التجاري بين البلدين لصالح جورجيا مدفوعا أساسا بقطاع الطاقة والمنتجات النفطية.
وعلى المستوى الكلي، بلغت المبادلات التجارية الخارجية لجورجيا خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 نحو 10.4 مليارات دولار بزيادة سنوية بلغت 3.7 في المائة. كما ارتفعت الصادرات بنسبة 19.8 في المائة لتصل إلى 3.1 مليارات دولار، مقابل تراجع الواردات بنسبة 1.9 في المائة إلى 7.3 مليارات دولار. ورغم استمرار العجز التجاري عند مستوى 4.2 مليارات دولار، فإن المنتجات النفطية المكررة أصبحت المحرك الرئيسي للنمو التصديري الجورجي وأحد أبرز القطاعات التي تعيد رسم موقع البلاد داخل الأسواق الطاقية الدولية.
وبينما لا تزال الكميات الموجهة تحديدا إلى المغرب محدودة مقارنة بإجمالي وارداته السنوية من المحروقات، فإن دخول جورجيا إلى قائمة الموردين يعكس تحولا أوسع في خريطة الطاقة العالمية، حيث بدأت دول غير منتجة للنفط الخام في فرض نفسها كمراكز إقليمية لتكرير وتصدير المشتقات النفطية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها اللوجستية واستثماراتها الصناعية الجديدة وفي قلب هذا التحول، يظهر المغرب كأحد الزبناء الجدد الذين يواكبون إعادة تشكيل طرق تجارة الطاقة بين البحر الأسود والقارة الإفريقية.
المصدر: الصحيفة





