زلزال فنزويلا المزدوج.. حين تحرك صدع قديم في دقيقة واحدة

إيطاليا تلغراف متابعة

في يوم الرابع والعشرين من يونيو/حزيران، وبينما كانت فنزويلا تدخل ساعات المساء الأولى، اهتز شمال البلاد بزلزالين كبيرين متتاليين لم يفصل بينهما سوى أقل من دقيقة. الأول بلغت قوته 7.2 درجة، والثاني -وهو الأقوى- بلغت قوته 7.5 درجة، قرب منطقة يوماري، إلى الغرب من العاصمة كاراكاس، لتكون الضربة الأقوى ربما منذ بدايات القرن الماضي.

علميا، ما حدث أقرب إلى ما يسميه علماء الزلازل “الزلزال المزدوج”، وهو اصطلاح يعبر عن حادث يقع خلاله زلزالان كبيران ومتقاربان في المكان والزمان، بحيث لا يكون الثاني مجرد “هزة ارتدادية صغيرة”، بل زلزالا قويا مستقلا أو شبه مستقل على جزء آخر من الصدع أو على صدع مجاور.

والصدع هو كسر أو شق كبير في صخور القشرة الأرضية تتحرك على جانبيه كتل الصخور؛ وعندما تنزلق فجأة بعد تراكم الضغط على جانبيها، يحدث الزلزال.

ويعني ذلك أن الزلزال الأول غير توزيع الإجهاد (الطاقة) في القشرة الأرضية، فقرّب منطقة كانت أصلا على وشك الانكسار، فتحركت بعده بوقت قصير.

لذلك يكون الأمر أخطر من زلزال واحد، لأن المباني التي أضعفها الزلزال الأول تتلقى ضربة ثانية قوية، ومن أشهر الأمثلة الحديثة زلزالا تركيا وسوريا في 6 فبراير/شباط 2023، حيث كان هناك زلزال أول بقوة 7.8، ثم بعد نحو 9 ساعات وقع زلزال آخر بقوة 7.5 على منظومة فوالق قريبة.

ولذلك فإن الأرقام الأولى كانت ثقيلة في حالة فنزويلا، حيث انهارت العديد من المباني داخل كاراكاس وتوقفت الخدمات، وارتفعت حصيلة ضحايا الزلزالين إلى 32 قتيلا على الأقل وأكثر من 700 جريح.

ما معنى زلزال بقوة 7.5؟

عندما نقول إن زلزالا بلغت قوته 7.5، فنحن لا نتحدث عن “اهتزاز أقوى قليلا” من زلزال 6.5، فمقياس مقدار الزلزال لوغاريتمي، أي إن كل درجة كاملة تعني زيادة هائلة في الطاقة المنطلقة.

في هذا السياق، فإن زلزالا بقوة 7 درجات يطلق طاقة تزيد بنحو 32 مرة عن زلزال بقوة 6، ونحو ألف مرة عن زلزال بقوة 5، أما الفرق بين 7.2 و7.5، رغم أنه يبدو صغيرا في الرقم، فيعني أن الزلزال الثاني أطلق طاقة أكبر بنحو ثلاث مرات تقريبا من الأول.

لكن “القوة” ليست كل شيء، فهناك فرق مهم بين مقدار الزلزال وبين شدة الاهتزاز التي يشعر بها الناس. المقدار رقم واحد للحدث كله، أما الشدة فتتغير من مدينة إلى أخرى، بحسب القرب من المركز، وعمق البؤرة، ونوع التربة، وطبيعة المباني. لذلك قد يكون زلزال متوسط قريبا وضحلا أكثر تدميرا في مدينة معينة من زلزال أكبر لكنه عميق أو بعيد.

في حالة فنزويلا، كانت المشكلة الأساسية أن الزلزال الأكبر كان ضحلا، على عمق يقارب 10 كيلومترات فقط، الزلازل الضحلة أكثر خطورة عادة، لأن الطاقة لا تتبدد كثيرا قبل وصولها إلى السطح.

ولهذا أظهرت خرائط التقدير الأولية أن مدنا مثل بويرتو كابيلو وسان فيليبي تعرضت لشدة اهتزاز عالية، بينما وصلت الهزات إلى مناطق أوسع من شمال البلاد، بما في ذلك كاراكاس.

لماذا حدث الزلزال؟

تقع فنزويلا الشمالية على حدود تكتونية نشطة بين صفيحة الكاريبي وصفيحة أمريكا الجنوبية، الصفائح التكتونية هي ألواح هائلة من القشرة الأرضية تتحرك ببطء فوق طبقة لَدِنة في باطن الأرض، وعند حدودها تنشأ الجبال والزلازل والبراكين.

هاتان الصفيحتان لا تصطدمان ببساطة كما يحدث في مناطق الاندساس الشهيرة مثل اليابان أو تشيلي، بل تتحركان غالبا حركة جانبية معقدة، مع مقدار من الضغط والانضغاط.

لفهم الفكرة تخيل أننا نجر قطعتين ضخمتين متجاورتين من الخرسانة، في اتجاهين متعاكسين، فيحتكان ببعضهما البعض أثناء الحركة، وقد يعلق نتوء هنا بآخر هنا، ثم ينفك هذا التعلق فتتحرك القطعتان فجأة، هذا ما حدث في حالة زلزال فنزويلا، حيث تحركت صفيحتان تكتونيتان بجوار بعضهما بعضا، لكن الانزلاق ليس سلسا، فالحواف خشنة، تتعلق ببعضها لسنوات أو عقود، ثم تنفلت فجأة.

في فنزويلا توجد منظومة من الفوالق أو الصدوع النشطة، أبرزها بوكونو وسان سباستيان وإل بيلار، هذه الصدوع تمثل جزءا من الحد الفاصل بين صفيحة الكاريبي وأمريكا الجنوبية، وهي قادرة على إنتاج زلازل قوية، خصوصا حين تتحرك قطعة طويلة نسبيا من الصدع أو حين ينتقل الكسر من جزء إلى آخر في وقت قصير.

لماذا كان التأثير شديدا؟

الكارثة الزلزالية لا تصنعها الأرض وحدها، بل تصنعها الأرض حين تلتقي بالمدينة.

هناك ثلاثة عوامل أساسية تفسر الخطر، الأول هو ضحالة الزلزال كما أسلفنا، والثاني هو قرب مناطق كثيفة السكان من نطاق الاهتزاز القوي، والثالث هو هشاشة بعض المباني، فالمباني غير المسلحة جيدا، أو المبنية بالطوب غير المدعم، أو التي لم تصمم وفق أكواد زلزالية صارمة، تكون أكثر قابلية للتصدع والانهيار.

في مدن بعيدة نسبيا مثل كاراكاس، قد تلعب التربة دورا إضافيا، فالمدن القائمة فوق أحواض رسوبية أو طبقات رخوة قد تشهد تضخيما للموجات الزلزالية، أي إن التربة نفسها تجعل الاهتزاز أطول أو أقوى من المتوقع مقارنة بالصخور الصلبة. لذلك لا تكون المسافة وحدها ضمانا للأمان.

هل فنزويلا منطقة زلازل كبيرة؟

الانطباع الشائع أن فنزويلا ليست مثل اليابان أو تشيلي في الزلازل، وهذا صحيح جزئيا لأن البلاد لا تقع على أحد أشهر أحزمة الاندساس العملاقة التي تنتج زلازل 8 و9 درجات، ومناطق الاندساس هي أماكن تغوص فيها صفيحة تكتونية تحت صفيحة أخرى إلى باطن الأرض، وغالبا تنتج عنها زلازل قوية وبراكين وسلاسل جبلية.

لكن على الرغم من ذلك، فإن فنزويلا ليست بعيدة عن الخطر الزلزالي، فشمال فنزويلا منطقة نشطة فعلا، وتاريخ البلاد يتضمن زلازل مدمرة، منها زلزال كاراكاس عام 1812، وزلزال كاراكاس عام 1967، وزلازل أخرى في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.

الفرق أن الزلازل الكبيرة هناك أقل تكرارا من مناطق الاندساس الكبرى، وقد تمر عقود طويلة بين حدث كبير وآخر. هذه الفواصل الزمنية الطويلة تخدع الذاكرة العامة؛ فالمدينة تنسى، والسكان يتغيرون، والمباني القديمة تبقى، ثم يعود الصدع فجأة ليذكر الجميع بأن الهدوء ليس دليلا على غياب الخطر.

هناك أيضا سبب جيولوجي، فصدوع فنزويلا الشمالية في معظمها صدوع انزلاقية جانبية ومعقدة، وليست مناطق اندساس عملاقة تمتد مئات الكيلومترات تحت البحر كما في تشيلي أو سومطرة.

لذلك فإن زلازلها الكبرى غالبا في نطاق 6 إلى 7.5، لا في نطاق 9 درجات. لكنها، حين تكون ضحلة وقريبة من المدن، قد تكون مدمرة للغاية، وهو ما حدث في حالة الزلزال المزدوج الحالي.

هل هناك مخاطر تسونامي؟

الزلزال وقع قرب الساحل وكان كبيرا وضحلا، ومن ثم فمن الطبيعي أن تفحص مراكز الإنذار احتمال حدوث تسونامي.

لكن الزلازل الانزلاقية الجانبية، حيث تتحرك الكتل أفقيا غالبا، أقل كفاءة في دفع عمود الماء رأسيا مقارنة بزلازل الاندساس التي ترفع قاع البحر أو تخفضه فجأة، لذلك صدر إنذار أولي احترازي، ثم أُلغي عندما أظهرت القياسات أن الخطر محدود أو غير مؤكد.

هذا لا يعني أن الإنذار كان خطأ، بل يعني أن منظومة التحذير تعمل وفق مبدأ الحذر، ثم تُحدّث تقييمها مع وصول بيانات أفضل من أجهزة الرصد ومحطات قياس مستوى البحر.

ما الذي سيحدث بعد ذلك؟

يتوقع العلماء انطلاق سلسلة من الهزات الارتدادية، كلها غالبا ستكون أقل من الزلزالين الرئيسيين في الشدة والقوة، لكن على الرغم من ذلك تكون الساعات والأيام الأولى شديدة الخطورة، ليس فقط بسبب البحث عن ناجين، بل بسبب احتمال انهيار منشآت تشققت ولم تسقط بعد.

علميا، لا يمكن تحديد موعد الهزة الارتدادية التالية ولا قوتها بدقة، لكن يمكن توقع أن يتناقص عدد الهزات عموما مع الوقت. وعلى مستوى الاستجابة، تصبح الأولوية لإخلاء المباني المتضررة، وفحص الجسور والمستشفيات والمطارات وشبكات الغاز والكهرباء، وتوفير معلومات واضحة للسكان حتى لا تملأ الشائعات الفراغ.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...