تحقيق لـ”نيويورك تايمز” يكشف كيف سبقت الموجة البشرية إلي سبتة موجة رقمية من الشائعات

إيطاليا تلغراف متابعة

كشف تحقيق أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” أن سلسلة من المعلومات المضللة والشائعات التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل مباشر في اندفاع عشرات الآلاف من المهاجرين نحو مدينة سبتة، بعدما رسخت في أوساط عدد كبير منهم اعتقادا خاطئا بأن الوصول إلى المدينة عبر البحر سيتيح لهم البقاء في إسبانيا، في وقت أسفرت فيه موجة العبور الجماعي عن وفاة أعداد كبيرة غالبيتهم غرقا.

ووفق تحقيق “نيويورك تايمز” الذي نشرته الصحيفة الأمريكية اليوم الخميس، بدأت ملامح هذه الموجة قبل أيام من تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة، حين نشرَت صحيفة محلية شريط فيديو على منصتي “تيك توك” و”إنستغرام” يظهر امرأتين شابتين تتجولان في المدينة ببدلتي غوص وشعرهما لا يزال مبللا، إذ رغم أن المنشور لم يقل صراحة إن المرأتين عبرتا الحدود سباحة من المغرب، فإن السياق الذي رافقه، ومنه عبارة “سبتة لم تعد تحتمل”، فهمه البعض على الجانب الآخر من الحدود بطريقة مختلفة تماما.

وبعد اقتطاع الفيديو وإعادة نشره باللغة العربية، بدا المشهد بالنسبة إلى متابعين في المغرب وكأنه رسالة تشجع على العبور، خصوصا أن المرأتين ظهرتا وهما تبتسمان وترفعان إشارة السلام وإبهاميهما، قبل أن تواصلا السير بحرية داخل المدينة.

ويرى التحقيق أن هذا الفيديو ساهم في منح مصداقية لشائعات كانت قد انتشرت على مدى أسابيع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومفادها أن حكما حديثا للمحكمة العليا الإسبانية غيّر قواعد التعامل مع المهاجرين الذين يصلون بحرا إلى سبتة، وأن هؤلاء لن تتم إعادتهم إلى المغرب، حيث انتشرت، في هذا السياق، منشورات تزعم بشكل خاطئ أن “باب سبتة مفتوح”، بينما كان الحكم، وفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، لا يعني إلغاء إمكانية الإبعاد، وإنما يتعلق بإجراءات المراجعة القضائية في حالات محددة.

وبحسب التحقيق، استمرت النقاشات الرقمية المرتبطة بالحكم القضائي لنحو ثلاثة أسابيع، وشملت ملايين المنشورات على “فيسبوك” و”إنستغرام” و”واتساب” و”تيك توك” و”تلغرام”، حيث استفادت هذه المنشورات من رغبة موجودة أصلا لدى عدد من الأشخاص في المغرب مناطق أخرى في شمال إفريقيا في البحث عن فرص اقتصادية في أوروبا، قبل أن تستغل مجموعات تنشط عبر الإنترنت هذه الرغبة لتقديم عروض للمساعدة في العبور.

وتزايد انتشار المنشورات خلال نهاية الشهر الماضي، بالتزامن مع ارتفاع عدد الأشخاص الذين حاولوا السباحة حول الحواجز المادية الممتدة إلى البحر في الطرف الجنوبي لسبتة، شمال مدينة الفنيدق المغربية، التي تعرف في الإسبانية باسم “كاستييخوس”ومع تداول صور الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول، شجعت المشاهد مزيدا من الأشخاص على محاولة العبور.

ووفق منظمة “مالديتا” الإسبانية المتخصصة في التحقيق في المعلومات المضللة، نشرت 215 حساباً على الأقل في “فيسبوك” في اليوم نفسه الرسالة ذاتها المتعلقة بحكم المحكمة العليا، وتضمنت الادعاء الخاطئ بأن أي شخص يصل سباحة إلى سبتة أو مليلية لن تتم إعادته.

وفي السياق ذاته، رصد التحقيق وجود مجموعات سرية على “فيسبوك” و”واتساب” كانت تقدم في السابق خدمات لمساعدة الأشخاص على الوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا، وكان بعضها يضم أكثر من 100 ألف متابع، حيث استخدمت عدة مجموعات صيغا مختلفة لكلمة “حراقة” وهي كلمة عربية دارجة تشير إلى الأشخاص الذين يعبرون الحدود بشكل غير قانوني.

ووفق الباحثين الذين تحدثت إليهم الصحيفة، قدمت هذه المجموعات نصائح وخرائط ومعدات، بل وعروضا للنقل إلى البلدات القريبة من الحدود، حيث بدت بعض هذه المجموعات وكأنها تدار من أشخاص يستخدمون أرقام هواتف جزائرية.

وتتقاطع الخلاصات التي توصل إليها تحقيق “نيويورك تايمز” في جانب أساسي منها مع الرواية الرسمية المغربية بشأن خلفيات موجة العبور إلى سبتة، خصوصا في ما يتعلق بالدور الذي لعبته الشائعات والمعلومات المضللة وشبكات التواصل الاجتماعي وشبكات الاتجار بالبشر في تعبئة المهاجرين ودفعهم إلى محاولة العبور. 

كما تضع معطيات التحقيق مسافة واضحة بين الوقائع التي تم توثيقها وبين الروايات التي تبنتها جهات سياسية وإعلامية في إسبانيا، ولا سيما بعض الأحزاب والتيارات اليمينية، والتي ربطت موجة الهجرة بوجود ضغط مغربي أو باستعمال الهجرة أداة في مواجهة مدريد.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...