الفوسفاط المغربي في قلب جدل بواشنطن.. مزارعون أمريكيون يطالبون ترامب بإلغاء رسوم كلفتهم 7 مليارات دولار

إيطاليا تلغراف متابعة

فتحت واحدة من أكبر المنظمات الزراعية في الولايات المتحدة مواجهة جديدة مع السياسة التجارية الأمريكية تجاه الأسمدة الفوسفاطية المغربية، بعدما حملت الرسوم التعويضية المفروضة على واردات الفوسفاط القادمة من المغرب وروسيا مسؤولية تكبيد المزارعين الأمريكيين ما يقارب 7 مليارات دولار من التكاليف الإضافية خلال خمس سنوات فقط، داعية إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إلغاء هذه الرسوم بشكل كامل وإعادة فتح السوق الأمريكية أمام الإمدادات المغربية.

وجاء هذا الموقف في عدد صيف 2026 من مجلة “أمريكان سويا بين” الصادرة عن جمعية فول الصويا الأمريكية ASA وهي واحدة من أقوى المنظمات المهنية الزراعية في الولايات المتحدة وأكثرها تأثيرا على صناع القرار في واشنطن، حيث خصصت ملفا كاملا للدفاع عن رفع القيود المفروضة على واردات الأسمدة الفوسفاطية، معتبرة أن السياسة الحالية تضر بالمزارعين الأمريكيين أكثر مما تحميهم.

وجاء في افتتاحية العدد، كشف ستيفن سينسكي المدير التنفيذي للجمعية أن دراسة أعدتها جامعة تكساس A&M خلصت إلى أن الرسوم التعويضية المفروضة على الأسمدة الفوسفاطية المغربية والروسية رفعت تكاليف الإنتاج الزراعي الأمريكي بما يناهز 7 مليارات دولار بين سنتي 2021 و2025، وهو رقم ضخم يعكس حجم الأثر الذي خلفته هذه الإجراءات على القطاع الزراعي الأمريكي.

وبحسب الجمعية، فإن هذه الرسوم جاءت في وقت كانت فيه الزراعة الأمريكية تواجه أصلا ضغوطا متزايدة مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل التوريد العالمية وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع أسعار الفائدة وتراجع أسعار عدد من المحاصيل الزراعية.

وترى الجمعية أن الرسوم المفروضة على الفوسفاط المغربي والروسي ساهمت في تضييق العرض العالمي المتاح من الأسمدة الفوسفاطية داخل السوق الأمريكية، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل مباشر وتحميل المزارعين الكلفة النهائية لهذه السياسات.

وأكدت أن المغرب وروسيا يعدان من أهم المزودين العالميين للفوسفاط ومشتقاته، وأن استبعاد جزء من هذه الإمدادات أو جعلها أكثر تكلفة بفعل الرسوم الجمركية يؤدي تلقائيا إلى تقليص العرض ورفع الأسعار داخل السوق الأمريكية.

وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي يحتلها المغرب داخل سوق الأسمدة العالمية، فالمملكة تتوفر على أكبر احتياطي عالمي من الفوسفاط يقدر بأكثر من 70 في المائة من الاحتياطات العالمية المعروفة كما يعتبر المجمع الشريف للفوسفاط أحد أكبر المنتجين والمصدرين للأسمدة الفوسفاطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت منذ سنة 2021 رسوما تعويضية على واردات الأسمدة الفوسفاطية القادمة من المغرب بعد شكاية تقدمت بها شركة Mosaic الأمريكية، بدعوى استفادة المنتجين المغاربة من دعم حكومي يمنحهم أفضلية تنافسية داخل السوق الأمريكية.

غير أن جمعية فول الصويا الأمريكية ترى أن هذه الرسوم لم تحقق الأهداف المعلنة منها، بل أدت إلى نتيجة معاكسة تمثلت في رفع أسعار الأسمدة بالنسبة للمزارعين الأمريكيين وتقليص هامش الربح داخل القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، دعت الجمعية إدارة ترامب إلى إلغاء الرسوم المفروضة على الأسمدة المغربية والروسية، كما طالبت بإعفاء عدد من المدخلات الزراعية الأساسية من الرسوم الجمركية بما في ذلك البذور والآلات الزراعية وقطع الغيار والمواد الفعالة المستخدمة في صناعة المبيدات والأسمدة.

وقال ستيفن سينسكي إن صناع القرار الأمريكيين مطالبون بإدراك الطبيعة الخاصة للقطاع الزراعي، موضحا أن الأسمدة والبذور والآلات ليست مجرد منتجات تجارية عادية بل أدوات إنتاج أساسية تحدد قدرة المزارعين الأمريكيين على المنافسة داخل الأسواق العالمية.

وأضاف أن أي زيادة في تكلفة هذه المدخلات تنعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج وعلى القدرة التنافسية للمزارع الأمريكية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تقليص أرباح الفلاحين الأمريكيين.

من جهتها، اعتبرت جاكي هولاند، الخبيرة الاقتصادية لدى الجمعية أن إلغاء الرسوم من شأنه أن يفتح المجال أمام تدفق كميات أكبر من الفوسفاط إلى السوق الأمريكية بما يخفف من حالة النقص العالمي ويساهم في خفض الأسعار.

وقالت إن السماح للفوسفاط المغربي بالدخول إلى الولايات المتحدة بشروط تجارية أقل تكلفة سيؤدي إلى توسيع قاعدة العرض داخل السوق الأمريكية ويخفف الضغوط التضخمية التي تواجهها الأسمدة.

وترى الجمعية أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالرسوم الأمريكية، بل أيضا بجملة من العوامل الدولية الأخرى التي ساهمت في رفع أسعار الأسمدة خلال السنوات الأخيرة.

ومن بين هذه العوامل، أشارت إلى القيود التي فرضتها الصين على صادرات الفوسفاط والإجراءات التجارية الأمريكية المرتبطة بقانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية  (IEEPA)إضافة إلى تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران والمخاوف المتكررة بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم الممرات العالمية لنقل الطاقة والمواد الأولية.

وأكدت جاكي هولاند أن أسعار المدخلات الزراعية شهدت قفزة كبيرة خلال سنتي 2022 و2023 نتيجة تراكم هذه العوامل، موضحة أن الأسعار تراجعت نسبيا بعد ذلك لكنها ما تزال أعلى من المستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا وقبل اضطرابات ما بعد جائحة كوفيد-19.

وحذرت الجمعية من أن العودة إلى مستويات الأسعار السابقة لن تكون سريعة حتى في حال زوال معظم أسباب التوتر الحالية، مشيرة إلى أن الأسواق تحتاج إلى أشهر طويلة لاستعادة التوازن وقد يستغرق التعافي الكامل عدة سنوات.

ولتوضيح حجم الضغوط التي يعيشها المزارعون الأمريكيون، نقلت المجلة شهادة المزارعة روبرتا سيمبسون دولبير من ولاية إلينوي، التي أكدت أن ارتفاع أسعار الأسمدة أجبر العديد من المنتجين على تقليص الكميات المستخدمة.

وقالت إن المزارعين باتوا يقتصرون على تعويض العناصر الغذائية التي تستنزفها المحاصيل من التربة دون القيام بعمليات تسميد إضافية لتحسين الإنتاجية، مضيفة أنهم استعملوا في المتوسط كمية أقل بحوالي الثلث مقارنة بالسنوات السابقة، ومع ذلك دفعوا تكلفة أعلى بنسبة 50 في المائة.

ولم تتوقف الجمعية عند ملف الأسمدة فقط، بل وسعت تحليلها ليشمل الوضع العام للقطاع الزراعي الأمريكي، فووفقا لمعطيات وزارة الزراعة الأمريكية (USDA)ارتفعت تكاليف الإنتاج الزراعي خلال سنة 2025 وحدها بنحو 17 مليار دولار إضافية، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والبذور والمبيدات والآلات الزراعية وقطع الغيار.

ويعني ذلك، أن المزارعين الأمريكيين يواجهون اليوم ضغوطا مزدوجة من جهة ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومن جهة أخرى تراجع أسعار عدد من المحاصيل الزراعية وتقلص هوامش الربح.

وفي هذا الإطار، أوضح سكوت غيرلت كبير الاقتصاديين لدى الجمعية أن العديد من المنتجين أصبحوا يؤجلون شراء المعدات الجديدة ويعيدون التفاوض بشأن عقود استغلال الأراضي الزراعية ويبحثون عن خفض تكاليف الإيجار فيما اضطر بعضهم إلى التخلي عن استغلال أجزاء من الأراضي بسبب ضعف المردودية الاقتصادية.

وأضاف أن المزارعين أصبحوا يراجعون اليوم كل نفقة وكل استثمار بشكل أكثر صرامة مما كان عليه الوضع في السنوات الماضية كما سلط التقرير الضوء على تأثير أسعار النفط على النشاط الزراعي، موضحا أن ارتفاع أسعار الخام يرفع تكاليف الإنتاج والنقل والتشغيل لكنه في المقابل يدعم الطلب على زيت فول الصويا المستخدم في صناعة الوقود الحيوي.

ووصف سكوت غيرلت هذه العلاقة بأنها “سلاح ذو حدين”، لأن ارتفاع أسعار النفط يخلق فرصا جديدة لبعض المنتجات الزراعية لكنه يرفع في الوقت نفسه معظم تكاليف الإنتاج.

وفي جانب آخر من التقرير، حذرت الجمعية من تراجع الصادرات الزراعية الأمريكية نحو الصين التي تعتبر أكبر مستورد لفول الصويا الأمريكي في العالم.

ووفق المعطيات الواردة في المجلة، خفضت بكين مشترياتها المعتادة من فول الصويا الأمريكي إلى النصف تقريبا كما فرضت رسوما جمركية بنسبة 10 في المائة على المنتج الأمريكي ما أدى إلى تقليص العائدات التي يعتمد عليها المزارعون لتغطية تكاليفهم المتزايدة.

وترى الجمعية أن أفضل حل لهذه الإشكالات لا يكمن في تقديم المزيد من الدعم الحكومي، وإنما في فتح الأسواق وإزالة الحواجز التجارية التي تعرقل تدفق السلع والمدخلات الزراعية.

وفي هذا السياق، شددت روبرتا سيمبسون دولبير على أن خفض الرسوم الجمركية يمثل بالنسبة للمزارعين الأمريكيين الإجراء الأكثر فاعلية لمواجهة الأزمة الحالية.

وقالت إن هذه الرسوم لا تؤدي فقط إلى إضعاف الطلب على فول الصويا الأمريكي في الأسواق الخارجية، بل ترفع أيضا تكلفة الأسمدة والمدخلات الزراعية داخل الولايات المتحدة، مضيفة أن التحدي الحقيقي بالنسبة للقطاع يتمثل في ضمان الربحية على المدى الطويل إذا استمرت هذه الرسوم والحواجز التجارية.

وختمت بالقول: “نحن لا نريد دعما دائما من الحكومة، بل نريد أسواقا مفتوحة وقدرة على المنافسة”، في رسالة تعكس حجم الضغوط التي يعيشها القطاع الزراعي الأمريكي، وتبرز في الوقت نفسه المكانة المتنامية التي بات يحتلها الفوسفاط المغربي داخل معادلة الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي في الولايات المتحدة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...