معركة “المقاطعة والمشاركة” تندلع مجددا بين “إسلاميي المغرب” قبل انتخابات 2026.. ألم يحن الوقت لتجاوز خطاب يكرر نفسه منذ 2011؟
لم يكن السجال الذي اندلع بين الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، محمد عبادي، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، مجرد تبادل للمواقف بشأن تجربة حكومية مضت، بقدر ما أعاد إلى الواجهة أحد أقدم الخلافات داخل الحقل الإسلامي المغربي، وهو الخلاف المتعلق بجدوى المشاركة في المؤسسات السياسية من عدمها.
ففي الوقت الذي جدد فيه عبادي التأكيد على أن الجماعة كانت قد نبهت حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح، عقب انتخابات 2011، إلى أن المشاركة الحكومية لن تحقق الإصلاح المنشود داخل البنية السياسية القائمة، معتبرا أن الحكومة لم تكن سوى “واجهة تزيينية” للدولة، جاء رد بنكيران ليؤكد أن مقاطعة المؤسسات والانتخابات تمثل “الخطأ الكبير”، متسائلا عن البديل السياسي والبرنامج العملي الذي تقترحه الجماعة إذا كانت ترفض الإصلاح من داخل المؤسسات.
السجال، القديم – الجديد، يأتي في ظرفية سياسية لا تخلو من الدلالات، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عديدة بشأن ما إذا كانت جماعة العدل والإحسان بصدد توجيه ضربة سياسية جديدة للعدالة والتنمية، أم أنها تسعى قبل كل شيء إلى إعادة تثبيت خطابها التقليدي القائم على رفض المشاركة، وإعادة رسم الحدود الفاصلة بينها وبين الحزب الذي ظل، لسنوات، يمثل الوجه السياسي الأبرز للإسلاميين داخل المؤسسات.
وفي قراءة لهذا الجدل، يرى الأستاذ عبد الحميد بنخطاب، المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن ما يجري اليوم ليس سوى امتداد لصراع قديم ومتجدد بين الطرفين، يعود إلى بدايات مشاركة العدالة والتنمية في الحياة السياسية، وتحديدا منذ سنة 2002، حين بدأ النقاش حول ما إذا كانت المشاركة السياسية خيارا محسوبا أم مخاطرة غير مضمونة النتائج.
ويؤكد بنخطاب في تصريح خاص لـ”الصحيفة” أن جماعة العدل والإحسان ظلت تعتبر أن دخول العدالة والتنمية إلى العملية الانتخابية يمثل مغامرة سياسية قد تنتهي إلى استنزاف الحزب دون أن تمكنه من تحقيق الإصلاح الحقيقي، في حين كان الحزب يرى أن المشاركة تشكل ضرورة استراتيجية لضمان التموضع داخل المشهد السياسي وعدم البقاء خارجه.
ورغم هذا الاختلاف، يشدد المحلل السياسي على أن الطرفين لا يختلفان في المرجعية الفكرية العامة، إذ يتقاسمان، إلى حد بعيد، المرجعية الإسلامية، كما أن هناك، بحسب تعبيره، اتفاقا ضمنيا على المشروعية التاريخية والدينية للمؤسسة الملكية وعلى مركزية الدين الإسلامي داخل الحياة السياسية المغربية، ما يجعل الخلاف بينهما ليس خلافا مرجعيا، وإنما خلاف في المنهج وفي كيفية التعامل مع النظام السياسي.
ويعتبر بنخطاب أن جوهر النقاش يتمثل في سؤال المشاركة أو المقاطعة، فالعدالة والتنمية حسم اختياره منذ سنوات بالعمل من داخل المؤسسات وتحمل مسؤولية التدبير، بينما ترى جماعة العدل والإحسان أن شروط المشاركة السياسية، كما تتصورها، لم تنضج بعد، وأن شروط التعددية والديمقراطية لا تزال غير مكتملة، وهو ما يبرر استمرارها في خيار المقاطعة.
ويذهب الأستاذ الجامعي إلى أن الجماعة، وإن كانت تقدم نفسها باعتبارها خارج العملية الانتخابية، فإنها لا توجد خارج النسق السياسي المغربي، بل تمارس، بحسب توصيفه، دور “المقاطعة أكثر من الممانعة”، وهو ما يعني أن خلافها مع العدالة والتنمية يظل خلافا حول آليات الاشتغال السياسي وليس حول الإطار العام للنظام السياسي.
وبخصوص ما إذا كانت تصريحات محمد عبادي تمثل إحراجا جديدا للعدالة والتنمية، يرى بنخطاب أن الحزب لا يزال مقتنعا بصواب اختياراته، وأنه لم يتراجع عن قناعته بضرورة المشاركة وتحمل المسؤولية، مستحضرا تجربة عشر سنوات من التدبير الحكومي التي اضطر خلالها إلى اتخاذ قرارات غير شعبية فرضتها إكراهات إدارة الشأن العام.
ويردف بنخطاب أن تحميل جماعة العدل والإحسان العدالة والتنمية مسؤولية الأزمات الاجتماعية التي عرفتها فترة تدبيره للحكومة يدخل، في تقديره، ضمن ما وصفه بـ”المزايدة السياسية”، لأن أي حزب ينتقل من المعارضة إلى السلطة يجد نفسه مضطرا للتعامل مع إكراهات الدولة، وهو ما يجعله يدفع ثمن الشعارات التي رفعها وهو خارج السلطة.
ومن زاوية أخرى، يقدم الأستاذ رشيد لزرق، أستاذ القانون العام بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة والمحلل السياسي، قراءة تعتبر أن السجال الحالي يتجاوز مجرد خلاف بين تنظيمين إسلاميين، ليعكس العودة إلى أصل الإشكال الذي حكم علاقتهما لعقود، والمتعلق بإمكانية تحقيق الإصلاح من داخل المؤسسات أو استحالة ذلك في ظل البنية السياسية الحالية.
ويرى لزرق الذي تحدث لِـ”الصحيفة” أن تصريحات محمد عبادي تعكس القراءة التقليدية لجماعة العدل والإحسان، والتي تعتبر أن المشاركة في المؤسسات داخل نظام سياسي تعتبره غير مكتمل الديمقراطية لا تؤدي إلى إصلاح حقيقي، وإنما تجعل الحزب المشارك يتحمل كلفة القرارات العمومية دون أن يمتلك السلطة الكاملة لاتخاذها، ولذلك تحاول الجماعة تقديم تجربة العدالة والتنمية، خاصة بعد حكومة 2011، باعتبارها دليلا على صحة أطروحتها السابقة.
ويبرز لزرق أن رد عبد الإله بنكيران يجسد فلسفة العدالة والتنمية منذ تأسيسه، والقائمة على أن المقاطعة وحدها لا تبني بديلا سياسيا، وأن أي جهة ترفض المؤسسات مطالبة بتقديم مشروع عملي قابل للتنزيل وليس مجرد خطاب احتجاجي، وهو ما يجعل الحزب يدافع عن خيار المشاركة رغم كلفته السياسية.
وبشأن ما إذا كان تحرك جماعة العدل والإحسان يشكل رجة للعدالة والتنمية قبيل الانتخابات المقبلة، يوضح لزرق أن تأثير هذا التحرك يظل، في تقديره، رمزيا وسياسيا أكثر منه انتخابيا مباشرا، لأن ما تخشاه قيادة الحزب ليس فقدان أصوات انتخابية بقدر ما تخشى إعادة تقديم تجربتها الحكومية باعتبارها دليلا على فشل خيار المشاركة، وهو خطاب يمس الرصيد الأخلاقي والسياسي الذي راكمه الحزب منذ دخوله المؤسسات، خاصة بعد الهزيمة الانتخابية القاسية التي تعرض لها سنة 2021.
وتتجاوز دلالات هذا السجال، بحسب لزرق، مجرد تقييم تجربة حكومية سابقة، لتلامس أيضا العلاقة التي ظلت تربط جزءا من قواعد العدل والإحسان بالعدالة والتنمية خلال المحطات الانتخابية الماضية، حيث راج، لسنوات، حديث عن تصويت عدد من المتعاطفين مع الجماعة لصالح مرشحي الحزب بحكم التقارب المرجعي.
وفي هذا السياق، يعتبر المحلل السياسي أن التصريحات الأخيرة يمكن قراءتها أيضا باعتبارها رسالة سياسية واضحة تسعى من خلالها الجماعة إلى نفي هذا الانطباع، والتأكيد على أن الاشتراك في المرجعية الإسلامية لا يعني وحدة المشروع السياسي، وأنها لا تريد أن يتم احتسابها ضمن الخزان الانتخابي أو الدعوي للعدالة والتنمية، بل تحرص على ترسيم الحدود الفاصلة بين المشروعين من حيث المنطلقات والوسائل والغايات.
ويضيف أن هذا التمايز يكتسب أهمية خاصة مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، لأن الجماعة، وهي التي تقاطع الانتخابات، تحتاج إلى تأكيد استقلاليتها السياسية وعدم السماح بربطها بأي رصيد انتخابي قد يستفيد منه الحزب.
ويرى لزرق أن ما تقوم به جماعة العدل والإحسان يندرج أيضا ضمن محاولة لإعادة إنتاج خطاب المقاطعة في مرحلة تسبق الانتخابات، باعتبار أن الجماعة، رغم غيابها عن صناديق الاقتراع، تحرص في كل محطة انتخابية على الحضور داخل النقاش العمومي عبر البيانات والمواقف والسجالات السياسية، بما يسمح لها بالحفاظ على حضورها السياسي والإعلامي دون المشاركة المباشرة في العملية الانتخابية.
ومن هذا المنطلق، فإن الجماعة، وفق القراءة نفسها، لا تغيب عن الانتخابات بقدر ما تشارك فيها من خارج المؤسسات، عبر التشكيك في جدوى المسار الانتخابي نفسه، وإعادة التأكيد على أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل الشروط الحالية.
المصدر: الصحيفة





