د. فيصل القاسم
كاتب واعلامي سوري
تثير بطولات كرة القدم العالمية، وفي مقدمتها كأس العالم، مشاعر جماهيرية هائلة تتجاوز حدود الرياضة نفسها. فما إن تبدأ المنافسات حتى يتحول تشجيع الفرق إلى قضية تتداخل فيها الانتماءات الوطنية والدينية والسياسية والعرقية، حتى يصبح أداء الفريق في كثير من الأحيان مسألة ثانوية أمام هوية من يمثله. ولطالما تجاهل كثيرون بعض المباريات فقط لأن أحد الفريقين لا يعنيهم سياسياً أو عقائدياً أو جغرافياً. ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل نشجع فرق كرة القدم لأنها تقدم أجمل مستويات اللعب وأرقى المهارات، أم لأننا نشعر بأنها تمثل عقيدتنا أو قوميتنا أو موقفنا السياسي؟ وهل من المنطقي أن نفرح لهزيمة فريق عظيم فقط لأننا لا نتفق مع الدولة التي ينتمي إليها، أو أن نحتفل بانتصار فريق متواضع لمجرد أننا نتعاطف معه دينياً أو عرقياً؟
كرة القدم، في أصلها، لعبة تقوم على الإبداع والمهارة والانضباط والعمل الجماعي. وهي منافسة رياضية هدفها إظهار الأفضل من حيث الأداء والقدرة على التخطيط والتنفيذ، وليست ميداناً لإثبات صحة الأفكار السياسية أو التفوق الديني أو الانتصار العرقي. عندما نشاهد مباراة بين فريقين، فإن ما ينبغي أن يلفت انتباهنا هو جودة التمريرات، وروعة الخطط، والمهارة الفردية، والروح الرياضية، وليس لون العلم أو الخلفية الأيديولوجية التي نحملها تجاه هذا البلد أو ذاك.
لا شك أن تشجيع المنتخب الوطني أمر مفهوم وطبيعي، لأنه يمثل بلد الإنسان، ويعبر عن انتمائه الوطني، وهذا جزء من طبيعة البشر في مختلف أنحاء العالم. لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز التشجيع هذا الإطار الطبيعي، ويتحول إلى حكم مسبق على الفرق الأخرى، أو إلى موقف قائم على الكراهية أو التعصب. فكثير من الناس قد يتمنون خسارة فريق يقدم كرة قدم ممتعة ومتقنة، فقط لأن دولته تختلف معهم سياسياً أو دينياً، بينما يشجعون فريقاً أقل مستوى لمجرد وجود شعور بالتقارب العقائدي أو العرقي. وهنا يصبح الانتماء أهم من الرياضة، ويضيع الهدف الحقيقي من البطولة.
إن تقدير الإبداع لا يعني التخلي عن الانتماء، بل يعني القدرة على الفصل بين المجالين. فمن الممكن أن أشجع منتخبي الوطني، ولكن في الوقت نفسه أعترف بأن فريقاً آخر يقدم كرة قدم أجمل ويستحق الإشادة. كما يمكنني أن أحزن لخروج فريقي المفضل، ومع ذلك أصفق للفريق الذي قدم أداءً أفضل واستحق الفوز. هذه ليست خيانة للانتماء، وإنما احترام لمبدأ المنافسة العادلة وتقدير للتميز. وهذا ما يفعله مشكورين عادة محبو كرة القدم الحقيقيون عندما يناصرون برشلونة أو ريال مدريد أو أي منتخب أوروبي آخر فقط على أسس كروية بحتة.
ولو تأملنا تاريخ كرة القدم، لوجدنا أن الفرق العظيمة لم تصبح عظيمة بسبب جنسية لاعبيها أو ديانتهم أو توجهاتهم السياسية، وإنما بسبب سنوات طويلة من التخطيط والتدريب والالتزام وتطوير المواهب. فالنجاح في الرياضة لا يُورث، ولا يُمنح على أساس الهوية، وإنما يُكتسب بالعمل والاجتهاد. ولذلك فإن الإعجاب بفريق قوي وممتع لا يعني بالضرورة تأييد سياسات دولته أو الاتفاق مع مواقفها، تماماً كما أن انتقاد أداء فريق ضعيف لا يعني رفض شعبه أو ثقافته.
ويزداد هذا الطرح قوة إذا تذكرنا أن معظم المنتخبات الكبرى لم تعد تمثل عرقاً واحداً أو أصلاً إثنياً واحداً كما كان يُتصور في الماضي. فالعولمة والهجرة جعلتا كثيراً من المنتخبات الوطنية تضم لاعبين ينحدرون من أصول متعددة، يجمعهم الانتماء القانوني والوطني للدولة التي يمثلونها، لا الانحدار العرقي وحده. فالمنتخب الفرنسي، على سبيل المثال، يضم عدداً كبيراً من اللاعبين ذوي الأصول الإفريقية والكاريبية والعربية، إلى جانب لاعبين من أصول أوروبية متنوعة، ومع ذلك فهم جميعاً فرنسيون ويمثلون فرنسا تحت علم واحد. والأمر نفسه ينطبق على منتخبات مثل إنكلترا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وغيرها. فإذا كانت الفرق نفسها أصبحت تعكس تنوعاً بشرياً وثقافياً واسعاً، فما معنى أن يصر بعض المشجعين على النظر إليها بمنظار عرقي أو ديني ضيق؟ إن هذا الواقع يؤكد أن كرة القدم أصبحت مساحة يلتقي فيها البشر على أساس الموهبة والانتماء الرياضي، لا على أساس النقاء العرقي أو الديني، وأن قيمة الفريق تقاس بما يقدمه داخل الملعب، لا بالأصول البعيدة للاعبيه.
ومن الأخطاء الشائعة الخلط بين المنافسة الرياضية والصراعات السياسية أو التاريخية. فحين تصبح مباراة كرة القدم امتداداً لمعركة أيديولوجية، تتحول من مناسبة للاحتفال بالرياضة إلى ساحة لتصفية الحسابات النفسية والرمزية. وقد شهد العالم مراراً كيف أدى التعصب الرياضي إلى نشر الكراهية والعنف، بينما كان الهدف من الرياضة، منذ نشأتها، هو التقريب بين الشعوب، وتعزيز قيم الاحترام والتنافس الشريف.
وربما يجادل البعض بأن التشجيع بطبيعته عاطفي، وأن الإنسان ليس ملزماً بتشجيع الفريق الأفضل، بل من حقه أن يشجع من يشاء لأي سبب كان. وهذا صحيح إلى حد كبير، فالتشجيع في النهاية خيار شخصي، ولا يمكن فرض معايير موضوعية على المشاعر. لكن الفرق كبير بين أن يكون التشجيع تعبيراً عن ميل شخصي، وبين أن يتحول إلى تعصب يجعل الإنسان يرفض الاعتراف بالتميز أو يفرح بانهيار الجمال الكروي فقط لأن صاحبه ينتمي إلى جهة لا يحبها. فالمشكلة ليست في وجود الانحياز، وإنما في أن يصبح هذا الانحياز حاجزاً يمنعنا من رؤية الحقيقة.
إن الرياضة تكون في أجمل صورها عندما تعلمنا الإنصاف. فمن الإنصاف أن نقول إن الفريق الأفضل استحق الفوز، حتى لو لم يكن فريقنا المفضل. ومن الإنصاف أن نعترف بجمال الأداء، مهما كان مصدره. كما أن من الإنصاف ألا نحول الملاعب إلى ساحات لإعادة إنتاج الانقسامات الدينية والسياسية والعرقية التي تمزق المجتمعات أصلاً. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من أسباب الانقسام، بل إلى مساحات مشتركة تجمع الناس حول قيم الإبداع والاحترام واللعب النظيف.
إن بطولات كرة القدم ليست حروباً، ولا ينبغي أن تُعامل على هذا الأساس. صحيح أنها تثير الحماس وتوقظ مشاعر الانتماء، لكنها في النهاية منافسات رياضية تنتهي بانتهاء صافرة الحكم، بينما تستمر العلاقات بين الشعوب بعد ذلك. وإذا كنا نريد للرياضة أن تؤدي رسالتها الحضارية، فعلينا أن نتعلم كيف نفصل بين إعجابنا بالأداء الرياضي ومواقفنا السياسية أو الدينية أو العرقية. فالفريق الذي يقدم كرة قدم جميلة يستحق التقدير لأنه أبدع، لا لأنه ينتمي إلى هذه الأمة أو تلك، كما أن خسارته لا ينبغي أن تكون مصدر شماتة بسبب هويته، بل مجرد نتيجة طبيعية في لعبة لا تعترف إلا بما يقدمه اللاعبون داخل الملعب. وعندما نصل إلى هذه النظرة، نكون قد فهمنا أن كرة القدم ليست امتداداً للحروب، بل فرصة نادرة ليتنافس البشر في إطار من المهارة والاحترام، وليتعلموا أن التفوق الحقيقي لا تصنعه الشعارات، وإنما يصنعه العمل والإبداع والروح الرياضية.





