الداهية الذي يتلاعب بعقول البشر منذ مئة عام

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

د. فيصل القاسم
كاتب واعلامي سوري

 

 

في كل مرة يفتح فيها شخص ما تطبيق إنستغرام أو تيك توك أو إكس أو فيسبوك، فهو يعتقد غالباً أنه يتخذ قراراته بحرية كاملة. يظن أنه اختار الفيديو الذي شاهده، أو المنتج الذي اشتراه، أو الرأي السياسي الذي تبناه، أو حتى أسلوب الحياة الذي يسعى إليه. لكن خلف هذه “الحرية” الرقمية توجد منظومة ضخمة لفهم السلوك البشري والتأثير على اختياراته بشكل غير مباشر، وتوجيهه، وهي منظومة يعود جزء كبير من جذورها إلى رجل عاش قبل عصر الإنترنت بعقود، هو إدوارد بيرنيز.

يُعتبر بيرنيز الأب المؤسس للعلاقات العامة الحديثة، وصاحب كتاب “Propaganda” الذي صدر عام 1928. ما يجعل أفكاره مرعبة أحياناً ليس فقط أنها نجحت في عصر الصحف والراديو، بل أنها أصبحت أكثر قوة وتأثيراً في عصر الخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي. يمكن القول إن مواقع التواصل لم تخترع التلاعب بالرأي العام، بل ورثت فلسفته من بيرنيز ثم طورتها باستخدام البيانات والتكنولوجيا.
كان بيرنيز متأثراً بعلم النفس الجماهيري، خصوصاً بأفكار خاله سيغموند فرويد. آمن بأن البشر لا يتحركون بالمنطق كما يعتقدون، بل بالرغبات اللاواعية والعواطف والرموز الاجتماعية. لذلك لم يكن هدفه إقناع الناس بالحقائق، بل ربط الأفكار والماركات والمواقف السياسية بمشاعر عميقة مثل الحرية، والخوف، والانتماء، والقوة، والجاذبية.
هذه الفكرة أصبحت اليوم العمود الفقري لمواقع التواصل الاجتماعي. فالمحتوى الأكثر انتشاراً ليس دائماً الأكثر دقة أو فائدة، بل الأكثر قدرة على إثارة المشاعر. الغضب ينتشر بسرعة، والخوف يجذب الانتباه، والجدل يصنع التفاعل. المنصات الرقمية اكتشفت أن الإنسان يقضي وقتاً أطول عندما يكون متحفزاً عاطفياً، وهذا بالضبط ما فهمه بيرنيز منذ قرن تقريباً.
واحدة من أشهر حملات بيرنيز كانت حملة “مشاعل الحرية”، عندما أقنع النساء الأمريكيات بأن تدخين السجائر رمز للتحرر والاستقلال. لم يبع المنتج كسيجارة، بل كبوابة للهوية الاجتماعية. هذا الأسلوب نراه اليوم يومياً على مواقع التواصل. الشركات لم تعد تبيع الملابس، بل تبيع “أسلوب حياة”. لا تبيع الهواتف، بل تبيع الإحساس بالمكانة والتميز. حتى المؤثرون لا يبيعون المنتجات فقط، بل يبيعون صورة عن النجاح والجمال والسعادة.
الفرق أن بيرنيز كان يعمل عبر الصحف والراديو والمناسبات العامة، بينما تعمل المنصات الحديثة عبر خوارزميات تراقب كل شيء. هي تعرف ما الذي يثيرك، وما الذي يغضبك، وما الذي يجعلك تبقى على الشاشة لوقت أطول. إذا كان بيرنيز يحاول فهم الجماهير كمجموعة واحدة، فإن مواقع التواصل تفهم كل مستخدم كحالة نفسية مستقلة. وهذا تطور هائل في القدرة على التأثير.
أحد أخطر مفاهيم بيرنيز كان ما سماه “هندسة القبول”. كان يعتقد أن الجماهير يمكن دفعها لتبني أفكار أو قرارات معينة دون أن تشعر بأنها تتعرض للتوجيه. اليوم، تقوم الخوارزميات بالدور نفسه ولكن بصورة أكثر تعقيداً. المستخدم لا يرى كل المحتوى، بل المحتوى الذي تقرر المنصة أنه سيؤثر عليه أكثر. وهذا يعني أن إدراكه للعالم ليس محايداً، بل مُفلتر ومُصمم مسبقاً.
هنا تظهر مشكلة كبيرة تتعلق بالسياسة. في الماضي، كانت الدعاية السياسية تعتمد على الخطابات والملصقات والصحف. أما الآن، فأصبحت الحملات السياسية تستخدم البيانات الضخمة وتحليل السلوك النفسي لاستهداف الناس برسائل مختلفة حسب شخصياتهم ومخاوفهم. فضيحة “كامبريدج أناليتيكا” كانت مثالاً واضحاً على ذلك، حيث استُخدمت بيانات مستخدمي فيسبوك للتأثير على سلوكهم السياسي. هذه ليست مجرد دعاية تقليدية، بل نسخة رقمية متقدمة من أفكار بيرنيز حول توجيه الجماهير.

لكن التأثير لا يقتصر على السياسة فقط. مواقع التواصل أعادت تشكيل مفهوم الهوية الفردية نفسها. المستخدم أصبح يبني صورته أمام الآخرين بطريقة تشبه العلاقات العامة الشخصية. يختار ماذا ينشر، وكيف يظهر، وما الذي يخفيه. حتى الحياة اليومية أصبحت تخضع لمنطق “إدارة الصورة”، وهو منطق قريب جداً من فلسفة بيرنيز في صناعة الانطباعات العامة.
المفارقة أن كثيراً من الناس يعتقدون أنهم أكثر وعياً اليوم بسبب توفر المعلومات، لكن الواقع قد يكون العكس أحياناً. كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة حرية التفكير. عندما تُغرق المنصات المستخدم بالمحتوى المصمم خصيصاً له، فإنها قد تحبسه داخل فقاعة فكرية وعاطفية. يرى فقط ما يشبهه، ويسمع فقط ما يؤكد قناعاته، فيصبح أكثر قابلية للتوجيه دون أن يشعر.
هناك أيضاً جانب اقتصادي مهم. بيرنيز ساعد الشركات على تحويل الاقتصاد من اقتصاد يعتمد على الحاجة إلى اقتصاد يعتمد على الرغبة. لم يعد السؤال: “هل يحتاج الناس هذا المنتج؟” بل “كيف نجعلهم يرغبون فيه؟”. مواقع التواصل أخذت هذه الفكرة إلى مستوى غير مسبوق. المؤثرون، والإعلانات الممولة، والترندات، كلها تعمل على خلق رغبات مستمرة لدى المستخدمين. الإنسان لم يعد يقارن نفسه بجيرانه فقط، بل بملايين الأشخاص الذين يشاهدهم يومياً على الشاشة.
هذا خلق ثقافة استهلاكية قائمة على المقارنة الدائمة والشعور بالنقص. المستخدم يرى أجساداً مثالية، وحياة فاخرة، وسفراً دائماً، ونجاحات متكررة، فيبدأ بالشعور أن حياته أقل قيمة. هنا لا تعمل المنصات فقط كوسيلة تواصل، بل كآلة ضخمة لصناعة الرغبات وعدم الرضا. وهذا جوهر الفلسفة الدعائية الحديثة.
الدرس الأهم الذي يمكن تعلمه من بيرنيز اليوم هو أن حرية الاختيار ليست بسيطة كما نعتقد. الإنسان الحديث يعيش داخل شبكة ضخمة من الرسائل النفسية والإعلامية التي تحاول تشكيل سلوكه باستمرار. مواقع التواصل لم تخلق هذا الواقع، لكنها جعلته أكثر سرعة ودقة وتوغلاً في الحياة اليومية.
في النهاية، ربما يكون إدوارد بيرنيز قد توفي قبل ظهور الإنترنت بسنوات طويلة، لكنه حاضر بقوة في كل مكان داخل العالم الرقمي. حضوره يظهر في الإعلانات التي تلاحق المستخدم، وفي الترندات التي تنتشر فجأة، وفي المؤثرين الذين يصنعون أنماط الحياة، وفي الخوارزميات التي تحدد ما الذي يجب أن يراه الناس وما الذي يجب أن يختفي.
كيف يتحكم إدوارد بيرنيز بعقولنا حتى بعد موته؟ لقد تغيرت الأدوات، لكن الفكرة الجوهرية بقيت نفسها: من يفهم النفس البشرية يستطيع أن يوجه الجماهير. وربما هذا هو السؤال الحقيقي الذي يفرضه عصر التواصل الاجتماعي اليوم: هل نحن فعلاً من نستخدم المنصات، أم أن المنصات هي التي تستخدمنا وتعيد تشكيل وعينا واختياراتنا بطريقة لا نلاحظها؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...