المدينة التي دق المغرب ناقوس الخطر بخصوصها أمام مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.. ماذا يجري في “الأُبَيِّض” السودانية؟
أعادت المملكة المغربية تسليط الضوء على تطورات الأزمة السودانية خلال أشغال مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف، معبرة عن قلق بالغ إزاء التدهور المتواصل للأوضاع الإنسانية والأمنية في البلاد، خصوصا في مدينة الأُبَيِّض التي تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى إحدى أبرز بؤر التوتر الميداني، وجاء الموقف المغربي في سياق دعوات دولية متزايدة للتحرك العاجل من أجل الحد من اتساع دائرة العنف ومنع تفاقم الوضع الإنساني.
وخلال مداخلته أمام المجلس، أدان الوفد المغربي مختلف الاعتداءات التي تستهدف المدنيين، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة مثل النساء والأطفال، مؤكدا تضامن المملكة مع الشعب السوداني في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها، كما شدد على ضرورة تكثيف الجهود الدولية لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومنتظم إلى المناطق المتضررة.
ودعت المملكة أيضا إلى دعم المؤسسات الوطنية السودانية وتعزيز فرص الحوار والمصالحة بين مختلف الأطراف، باعتبار ذلك مدخلا ضروريا لمعالجة جذور الأزمة، كما أكدت أن أي مبادرة دولية لحل النزاع ينبغي أن تحترم سيادة السودان ووحدة أراضيه، باعتبارهما أساسا لأي مسار سياسي يهدف إلى استعادة الاستقرار.
ويأتي هذا التحرك المغربي في وقت تتجه فيه الأنظار بشكل متزايد نحو مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي أصبحت تواجه ضغوطا ميدانية وإنسانية متصاعدة نتيجة استمرار المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وتكتسي مدينة الأبيض أهمية استراتيجية كبيرة بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يربط بين مناطق متعددة في السودان، فضلا عن كونها تشكل مركزا حيويا للنقل والإمداد والتجارة، ولهذا السبب، ينظر إليها باعتبارها إحدى النقاط المفصلية في الصراع القائم بين طرفي النزاع.
وتعيش المدينة منذ أشهر تحت وطأة حصار متجدد فرضته قوات الدعم السريع، بعدما تمكن الجيش السوداني في مرحلة سابقة من فك الطوق عنها لفترة محدودة، غير أن الهجمات المتكررة وعمليات الاستهداف التي طالت محاور الإمداد والبنى التحتية أعادت المدينة إلى دائرة الخطر.
وفي جنيف، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من مؤشرات وصفها بالمقلقة بشأن مستقبل الأوضاع في الأبيض، معتبرا أن المدينة تواجه احتمالات جدية للدخول في أزمة إنسانية جديدة إذا استمرت وتيرة العنف الحالية.
وتخشى منظمات دولية أن يتكرر في الأبيض السيناريو الذي عرفته مناطق أخرى في السودان، حيث تحولت المواجهات المسلحة إلى موجات واسعة من النزوح والدمار، مصحوبة بانهيار الخدمات الأساسية وتدهور الظروف المعيشية للسكان.
وتضم مدينة الأبيض التي يقطنها نحو نصف مليون شخص عشرات الآلاف من النازحين الذين لجأوا إليها هربا من المعارك في مناطق أخرى من السودان، لكن استمرار القتال يجعل هؤلاء يواجهون واقعا أكثر تعقيدا، في ظل محدودية الموارد وتزايد المخاوف الأمنية.
وبحسب معطيات أممية، تعرضت المدينة ومحيطها خلال الفترة الأخيرة لسلسلة من الهجمات بواسطة طائرات مسيرة، ما أدى إلى سقوط ضحايا في صفوف المدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية، كما طالت الضربات منشآت وخدمات أساسية يعتمد عليها السكان بشكل مباشر.
وأثرت التطورات الأمنية على الحياة اليومية داخل الأبيض، حيث تسببت الهجمات في اضطراب حركة التنقل والإمداد، بينما واجهت شبكات الكهرباء والوقود ومرافق الخدمات ضغوطا متزايدة، ما زاد من صعوبة الأوضاع المعيشية.
وتحذر منظمات إنسانية من أن استمرار المعارك قد يدفع أعدادا إضافية من السكان إلى مغادرة المدينة، وتشير تقديرات إلى احتمال حدوث موجة نزوح جديدة قد تشمل مئات الآلاف من الأشخاص إذا اتسعت رقعة المواجهات خلال المرحلة المقبلة.
وبموازاة التحديات العسكرية، تبرز مخاوف أخرى مرتبطة بتفاقم الانقسامات الاجتماعية وتصاعد خطاب الكراهية، وهي عوامل ترى الأمم المتحدة أنها قد تزيد من تعقيد الأزمة وتوسع آثارها الإنسانية والسياسية.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، دخل السودان في واحدة من أكثر أزماته تعقيدا خلال العقود الأخيرة، بعدما خلف النزاع عشرات الآلاف من الضحايا وأجبر ملايين الأشخاص على النزوح داخل البلاد وخارجها.
وفي ظل هذا المشهد، تتزايد الدعوات الدولية لإقرار هدنة إنسانية تمهد لوقف إطلاق النار وفتح ممرات آمنة للمساعدات، بينما يبقى مصير مدينة الأبيض مرتبطا بمدى قدرة الجهود السياسية والدبلوماسية على احتواء التصعيد ومنع انزلاق الوضع إلى مرحلة أكثر خطورة.
المصدر: الصحيفة





