قبل ثلاث سنوات من الموعد المرتقب، بدأ علماء الفلك في رسم المسارات الدقيقة لواحد من أكثر الأحداث الفلكية إثارة في التاريخ الحديث؛ وهو العبور الآمن لكويكب “أبوفيس” (Apophis) بحجم ناطحة سحاب بالقرب من الأرض.
تعود قصة هذا الكويكب الشبيه ببطاطس عملاقة إلى عام 2004 عندما تم اكتشافه لأول مرة، وحينها حبس العالم أنفاسه بعد أن أشارت الحسابات الأولية إلى وجود فرصة تصادم مرعبة تبلغ 1 إلى 37 في عام 2029، مما جعلله الكويكب الأكثر خطورة آنذاك.
لكن وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) واصلت مراقبته بدقة على مدى عقدين، حتى استُبعدت تماما أي خطر للاصطدام في عام 2029 أو خلال القرن القادم، ليتحول الذعر الكوني إلى شغف علمي غير مسبوق.
خريطة الرؤية العالمية ومواعيد العرض السماوي
خلال ورشة عمل علمية عُقدت مؤخرا في جامعة بادوفا بإيطاليا تحت عنوان “أبوفيس: المتبقي 3 سنوات”، كشف رسام الخرائط المتقاعد “مايكل زيلر” وعالم الفلك ريك فينبرغ عن خرائط رؤية تفصيلية.
وتُشير الحسابات إلى أن نحو 90% من سكان العالم -أي حوالي 7.6 مليار إنسان- يعيشون في مناطق تتيح لهم رؤية الكويكب بالعين المجردة في 13 أبريل/نيسان 2029، بشرط صفاء السماء وخلوها من التلوث الضوئي.
سيستمر العبور التاريخي لمدة 7 ساعات، يبدأ فوق أستراليا في الساعة 3 عصرا بتوقيت غرينتش، ويصل إلى ذروة لمعانه فوق الكاميرون في الساعة 8:35 دقيقة مساء بتوقيت غرينتش، ليتيح فرصة مشاهدة مثالية لنحو 3.9 مليار شخص في أفريقيا، وآسيا، وشرق أمريكا الجنوبية، وأجزاء من أوروبا.
وبعد ساعة واحدة، سيتواجد الكويكب في أقرب نقطة له من الأرض على ارتفاع 31 ألفا و600 كيلومتر فوق شمال المحيط الأطلسي، وهي مسافة أقرب من الأقمار الصناعية المتزامنة مع الأرض.
كيف سيبدو الكويكب في السماء؟
يوضح العلماء أن الكويكب لن يظهر كشهاب ملتهب يمزق السماء، بل سيبدو كبقعة ضوئية شبيهة بالنجم تتحرك بثبات، حيث يقطع في كل دقيقة مسافة تعادل العرض الظاهري للقمر البدر، أي حوالي نصف درجة.
وفي هذا السياق، صرح عالم الفلك “ريك فينبرغ” قائلا: “سيكون الكويكب ملحوظا بكل تأكيد، لكن حركته ستكون أبطأ من الأقمار الصناعية، حيث سيعبر السماء في غضون ساعات وليس دقائق، وسيتراءى للناظرين كنقطة مضيئة فقط”.
من جانبه، أكد أستاذ علوم الكواكب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، البروفيسور “ريتشارد بينزل”، على تاريخية الحدث بقوله: “هذه هي المرة الأولى في التاريخ البشري التي نتمكن فيها من التنبؤ بمرور كويكب يمكن رؤيته بالعين المجردة، وهو ما يمثل تجربة إنسانية عالمية مشتركة”.
وطمأن البروفيسور “بينزل” الجميع مكررا عبارته ثلاثا للتأكيد: “أبوفيس سيمر بأمان، أبوفيس سيمر بأمان، أبوفيس سيمر بأمان”.
مختبر فيزيائي مجاني وفرصة علمية فريدة
مع زوال خطر الاصطدام، يرى المجتمع العلمي في هذا الحدث فرصة نادرة لمراقبة كيفية تأثير جاذبية كوكبنا على الأجرام السماوية عن قرب.
ويتوقع الباحثون أن تجذب جاذبية الأرض الكويكب إلى مدار جديد حول الشمس دون أي خطر مستقبلي، لكن القوى الجاذبية نفسها قد تضغط على الكويكب وتمدده، مما قد يحفز حدوث انهيارات أرضية على سطحه أو يكشف عن مواد نقية مخبأة تحت قشرته المتأثرة بعوامل الفضاء.
ويعلق البروفيسور بينزل من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قائلا: “نحن ببساطة لا نعرف ما الذي سيحدث بالضبط، قد يمر الكويكب دون تأثر كبير، أو ربما نشهد تغيرا جوهريا، ولهذا السبب يتعين علينا المراقبة، ففي كلتا الحالتين سنتعلم الكثير”.
ويأمل العلماء في رصد هذا العبور بدقة عبر عدة مرابط فلكية، من أبرزها جزر الكناري في إسبانيا، نظرا لموقعها الإستراتيجي في المحيط الأطلسي الذي يوفر رؤية مثالية لأقرب نقطة يصل إليها الكويكب مع فرص كبيرة لطقس صاف.
فهذا الحدث المرتقب يجسد القوة الحقيقية للعلم والبحث والاستكشاف؛ فمن خلال العقول المبدعة والتكنولوجيا المتطورة، تمكنت البشرية من تحويل تهديد كوني مبهم إلى مهرجان علمي تترقبه الأجيال.
إن دراسة هذه الصخور السابحة في الفضاء لا تحمي كوكبنا فحسب، بل تفتح لنا نوافذ لا تُقدر بثمن لفهم نشأة نظامنا الشمسي، وتثبت أن الفضول البشري المستند إلى المنهج العلمي الصارم هو الدرع الحقيقي والمنارة التي تقودنا نحو مستقبل آمن ومستنير وسط هذا الكون الشاسع.
المصدر: الجزيرة





