هل تهدد “بقعة السويسي” حظوظ حزب الاستقلال؟ جدل أمينه العام وحرب التزكيات يثقلان حزب الأعيان قبل الانتخابات

إيطاليا تلغراف متابعة

يدخل حزب الاستقلال الأشهر الأخيرة الفاصلة عن الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل وهو يحمل طموحا معلنا لتصدر النتائج وقيادة الحكومة المقبلة، لكنه يجد نفسه في الوقت نفسه أمام اختبار معقد يتعلق بصورة أمينه العام نزار بركة، وتماسك شبكاته الانتخابية، وقدرته على احتواء صراع التزكيات داخل عدد من الجهات.

وتعود آخر الأزمات التي طالت صورة القيادة إلى المعطيات المتداولة بشأن اقتناء نزار بركة بقعة أرضية في حي السويسي الراقي بالرباط، تبلغ مساحتها نحو 2098 مترا مربعا، مقابل 10 ملايين و490 ألف درهم، أي ما يزيد بقليل على مليار سنتيم.

وجرى تقديم عبارة “paiement comptant” الواردة في وثائق البيع باعتبارها دليلا على أداء المبلغ “كاش”، وهو ما أثار أسئلة واسعة بشأن مصدر الأموال وطريقة الأداء، خصوصا أن المعني بالأمر يشغل منصبا حكوميا ويقود حزبا يطمح إلى رئاسة الحكومة.

غير أن مصدرا مقربا من بركة نفى أن يكون الثمن قد دفع نقداً بالأوراق المالية، مؤكدا أن الأداء جرى بواسطة شيك وعبر حساب الموثق، وأن عبارة “الأداء نقدا وفورا” تعني قانونيا أن الثمن أدي كاملا من دون تقسيط أو تأجيل، لكن الضرر السياسي لا يرتبط دائماً بوجود متابعة قضائية.

ففي مرحلة انتخابية دقيقة، قد تكفي صورة أمين عام حزب حكومي يقتني عقارا بمليار سنتيم في أحد أرقى أحياء الرباط لإضعاف الخطاب الاجتماعي للحزب، خصوصا لدى فئات تعاني من ارتفاع كلفة السكن وتراجع القدرة الشرائية.

كما أن رد بركة غير المباشر، حين تحدث عن “خفافيش الظلمات” والحسابات المجهولة التي تنشر الإشاعة والتضليل، لم يحسم الجدل بشكل نهائي، لأن الرأي العام كان ينتظر توضيحا مباشرا ومفصلا حول مصدر التمويل وطريقة الأداء.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال الحظوظ الانتخابية لحزب الاستقلال في صورة أمينه العام وحدها، فالحزب الذي حصل على 81 مقعداً في انتخابات 2021 واحتل المرتبة الثالثة، يمتلك شبكة واسعة من المنتخبين والأعيان والعائلات السياسية والفاعلين المحليين، خصوصا في العالم القروي والأحياء الشعبية وبعض المناطق التي راكم فيها حضورا تاريخيا.

وهذه البنية تجعل التصويت للحزب مرتبطا في دوائر كثيرة باسم المرشح ونفوذه المحلي، أكثر من ارتباطه بصورة القيادة المركزية أو بتفاصيل البرنامج الانتخابي.

وعلى مدى عقود، نجح حزب الاستقلال في الجمع بين شرعية تاريخية مرتبطة بالحركة الوطنية، وشبكات انتخابية تقليدية قادرة على التعبئة داخل القرى والمدن الصغيرة والأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وفي الممارسة، ظل وزن الأعيان والوسطاء المحليين أكثر حسما من النقاش البرنامجي، إذ يستطيع المرشح الذي يتوفر على امتداد عائلي أو اقتصادي أو جمعوي نقل أصواته من حزب إلى آخر، بينما تتحول التزكية إلى ورقة تفاوض بين القيادة المركزية والزعامات الترابية.

وهنا يبدو الخطر التنظيمي أكبر من قضية العقار نفسها; فالمعطيات المتداولة داخل الحزب تشير إلى احتدام “حرب التزكيات”، مع تلويح أعيان وقيادات محلية بالاستقالة أو الالتحاق بأحزاب منافسة في حال إبعادهم عن الترشيح.

وتظهر التوترات بشكل خاص في مناطق الشمال والأقاليم الجنوبية، إلى جانب أزمات تنظيمية في فاس والدار البيضاء، حيث تطالب قواعد حزبية بتغيير بعض البرلمانيين ومنح الفرصة لوجوه جديدة، بينما تخشى القيادة خسارة مرشحين قادرين على ضمان المقاعد.

وتضع هذه الوضعية نزار بركة أمام معادلة صعبة، إما تجديد النخب بما يحمي صورة الحزب، أو الحفاظ على الأعيان الذين يشكلون آلته الانتخابية الفعلية، وأي خطأ في توزيع التزكيات قد يؤدي إلى انتقال أسماء وازنة إلى أحزاب منافسة، بما يعني فقدان مقاعد محسومة أكثر مما قد تسببه حملة رقمية مرتبطة بعقار السويسي.

كما يستفيد الحزب تاريخيا من تموقع متماهٍ مع الدولة ومؤسساتها، وهو توجه لخصه الأمين العام السابق عباس الفاسي بعد تعيينه وزيراً أول سنة 2007 بقوله: “برنامجي هو برنامج جلالة الملك، وأنا جئت لأنفذ برنامج جلالته”.

وأصبحت العبارة رمزا لنموذج حزبي يفضل تقديم نفسه باعتباره شريكا مضمونا في تدبير الدولة، أكثر من كونه قوة سياسية تصادمية تقوم على مشاريع إيديولوجية متعارضة مع التوجهات الرسمية.

لذلك، قد تؤثر قضية الأرض في صورة نزار بركة وطموحه الشخصي إلى رئاسة الحكومة، لكنها لن تكون وحدها كافية لإسقاط حزب يمتلك تنظيما عريقا وشبكات انتخابية متجذرة.

الخطر الحقيقي الذي يراه البعض يمكن أن يضر بالحزب في الانتخابات المقبلة، يكمن في اجتماع ثلاثة عوامل، أولها تآكل صورة الأمين العام، ثانيها، انفجار صراع التزكيات، وثالثها، تحميل الحزب جزءا من حصيلة الحكومة الحالية، وعندها قد يتحول الجدل حول “مليار السويسي” من أزمة عابرة إلى عنوان يلخص المسافة بين الخطاب الاجتماعي للحزب ونمط عيش قياداته.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...