*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
ثمة وهمٌ شائع مفاده أن المواطن وحده ضحية البيروقراطيّة. غير أن الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فالإدارة لا تستهلك وقت المواطن فحسب؛ بل تستنزف وتستهلك موظفيها أيضًا.
وكثيرًا ما يتحول الموظف، وهو يطرق باب إدارة أخرى أو إدارته التي يناسب لها، إلى مواطن بلا أبسط امتيازات، يذوق من الكأس نفسها التي يتجرعها الناس كل يوم مع العقليّات الإداريّة. وهنا تتكشف حقيقة مؤلمة: ليست الأزمة دائمًا في القوانين والأنظمة، بل في بعض العقليّات التي تتولى السهر على تطبيقها.
وقد تبدأ الحكاية بتوقيع واحد لا أكثر، فإذا بصاحب الطلب يغادر المكتب وفي يده قائمة جديدة من الوثائق الإضافيّة المطلوبة. وقد تبلغ المبالغة حدَّ مطالبة الموظف القادم من إدارة أخرى، بإثبات المسافة الفاصلة بين مقر عمله وسكنه للحصول على شهادة السكنى، استنادًا إلى تأويل تعسفي للظهير الشريف المتعلق بالبطاقة الوطنيّة البيومترية؛ لا إلى مقتضياتها الحقيقيّة.
وهنا لا يكون القانون هو الذي يتكلم، بل المزاج الإداري الذي يرتدي ثوب القانون، فيتحول النص من أداة لتنظيم الحقوق والواجبات إلى ذريعة لتعليقها، ومن وسيلة للتيسير إلى أداة للعرقلة والتعسير.
فعلى امتداد السلم الإداري، من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول سامي، تتكرر المشاهد ذاتها. طلب بسيط يتحول إلى ملف شائك، وإجراء عادي يُحاصر بسلسلة لا تنتهي من التأويلات والاجتهادات التعسفية، ونص قانوني يُستدعى لا لتحقيق العدالة، وإنما لتبرير التعطيل.
وقد تجد موظفًا مجهرياً (minuscule) في أدنى درجات السلم الإداري، من ضحايا الهدر المدرسي، ممن توقّف رصيدهم المعرفي عند حدود مستوى التاسعة إعدادي؛ قادرًا على جرّ صاحب الطلب إلى متاهات إداريّة واستشكالات قانونيّة وحتى قضائيّة لا ضرورة لها، لا لأن القانون يفرض ذلك، بل لأنه يتعامل مع النصوص بروح الحارس لا بروح الخادم للمرفق العام.
والأغرب أن بعض هذه العقليّات يتغير سلوكها بمجرد أن يكتشف أنك أنت أيضًا موظف في جهاز إداري آخر أو نفس الجهاز الإداري الذي ينتمي إليه. فبدل أن يكون ذلك باعثًا على تفهم المعاناة المشتركة، والجسم المتضامن؛ يتحول، لدى البعض، إلى مناسبة لاستعراض سلطة لا تستند إلا إلى موقعها العابر.
فجأة تتضاعف طلبات الوثائق، وتتسع دائرة التأويل، ويصبح كل نص قابلًا لعشرة تفسيرات، وكل إجراء مشروعًا لمزيد من الملاحظات. وكأن المطلوب ليس إنجاز الخدمة وفق القانون، بل إثبات الذات والتفوق على زميل في الإدارة، أو اختبار مدى قدرة صاحب الطلب على الصبر والاستنزاف المعنوي.
وهكذا تتحول العلاقة بين مؤسسات يفترض أن يجمعها التعاون والتكامل وروح التضامن والتعايش، إلى منافسة صامتة في استعراض النفوذ، بينما يكون الخاسر الحقيقي هو المرفق العام، الذي تتآكل هيبته كلما انتصرت نزعة التعسف والشطط والتعقيد على واجب التيسير.
المشكلة، في جوهرها، ليست في النصوص، بل في النفوس التي تتولى تفسيرها. فالقانون، في ذاته، نادرًا ما يكون عائقًا، وإنما يصبح كذلك حين يقع في قبضة عقلٍ يرى التعطيل احتياطًا، والتيسير مجازفة، والاجتهاد مخاطرة ينبغي الفرار منها، بل يزداد عنجهية إذا ما خوّل سلطةً تقديرية في ذلك، عندئذ تتحول النصوص من ضمانة للحقوق إلى متاريس في وجوه أصحابها، وتغدو السلطة الإداريّة، مهما صغر حجمها، غايةً في حد ذاتها، لا وسيلة لخدمة الصالح العام.
ومن هنا تنشأ أوهام السلطة المجهريّة؛ ذلك الشعور الذي يجعل بعض أصحاب الاختصاصات المحدودة يتوهمون أن قيمة الوظيفة تُقاس بقدرتهم على التعطيل، وأن الهيبة تُصنع بكثرة الرفض، وأن الصرامة تعني الإكثار من العراقيل.
إنها سلطة لا تستمد قوّتها من القانون، بل من الاعتقاد الخاطئ بأن تعقيد الإجراءات دليل على اليقظة، وأن تضييق السبل صورة من صور الكفاءة.
إن الإدارة التي تُرهق المواطن والموظف معًا لا تعاني نقصًا في النصوص، بقدر ما تعاني أزمة في الثقافة الإداريّة. ثقافة تؤمن بأن نجاح الموظف يُقاس بعدد العقبات التي يضعها، لا بعدد القضايا والمشكلات التي يحلها، وبأن السلامة الشخصيّة مقدمة على المصلحة العامة، حتى لو كان الثمن تعطيل الحقوق، وإهدار الوقت، واستنزاف الثقة في مؤسسات الدولة.
ولا يمكن بناء إدارة حديثة بعقليّة ترى في كل طلب شبهة، وفي كل مبادرة مخاطرة، وفي كل اجتهاد مسئوليّة يجب التنصل منها. فالإدارة الرشيدة ليست تلك التي تُكثر من الأختام والتوقيعات، وإنما تلك التي تُحسن تطبيق القانون، وتُيسر الإجراءات، وتُدرك أن احترام النص لا يتعارض مع احترام الكرامة الوُجُوديّة للإنسان، وأن قوّة الإدارة تُقاس بقدرتها على حل المشاكل، لا بصناعتها.
إن إصلاح الإدارة لا يبدأ بتعديل القوانين وحدها، بل بإصلاح الذهنيّات التي تديرها. فحين يدرك كل موظف، صغيرًا كان أم كبيرًا، أن السلطة تكليف لا تشريف، وأن وظيفته هي تمكين الحقوق لا تعطيلها، وأن القانون وُجد ليكون جسرًا لا جدارًا، عندها فقط تتحول الإدارة من عبء يثقل كاهل الجميع إلى مرفق يستحق الثقة والاحترام.
إن أخطر ما تُنتجه البيروقراطيّة ليس تأخير المعاملات، بل إعادة تشكيل الوعي الوظيفي. فهي تُقنع بعض الموظفين بأن التعطيل دليلُ حزم، وأن الارتياب فضيلة، وأن قول «لا» أكثر أمانًا من البحث عن «نعم» التي يجيزها القانون.
ولعل أبلغ ما يكشف هذا التحول تلك السرديّة التي تتداولها بعض الأوساط الإداريّة: «سبّق حرفَ الميم أو حرفَ (لا)، ترتح.» أي اكتب: «مرفوض» أو قل: «لا»، ثم اطمئن؛ فالموافقة تستدعي تعليلًا واجتهادًا وتحملًا للمسؤولية، أما الرفض فيُنظر إليه، عند بعض العقليّات، باعتباره الطريق الأقصر إلى السلامة.
وهكذا تُختزل الوظيفة العموميّة في ثقافة تجنُّب المخاطر المحتملة، لا في ثقافة صناعة الحلول، ويصبح الاحتياط المبالغ فيه ذريعةً لتعطيل الحقوق بدل صيانتها.
وحين تبلغ الإدارة هذه المرحلة، لا يعود المواطن وحده ضحيةً لها؛ بل تصبح الإدارة نفسها ضحيةً لعقليّة تستنزفها من الداخل، حتى يغدو الحارس أهمَّ من البوابة، والإجراء أهمَّ من الحق، والسلطةُ المجهريّة أكبرَ من الرسالة التي وُجدت من أجلها.
لكل شيء نهاية ومدة صلاحية: الأشخاص والمؤسسات؛ كلها حددت لها مدة صلاحية؛ لكن مع الأسف ربطتها بالنهايات؛ واَلْعِبْرَة بِالْخَوَاتِيمِ. اللهمّ أحسن خاتمتنا.
اللهمّ علّمنا أن لا نحاكم أحدًا حتى نحاكم أنفسنا، وأن لا نُضيّق على من غاب، فلعلّه في غيابه… أقرب إليك منّا في حضورنا.
اللهمّ اجعلنا من عبادك الرّحماء، لا ممّن يستقوون على الضّعفاء، ويجهلون وجعَ الفقد وهم في ملء حضورهم.
اللهمّ ارحم الغائبين الذين سبقونا إليك، واغفر لنا نحن الحاضرين الذين غاب عنهم التواضع والحياء… ساعةَ النّطق. اللهم علّمنا الرحمة لا القسوة.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





