* الدكتور عدنان زهار
أكاديمي وباحث مغربي متخصّص في الفكر الإسلامي والعقيدة (جامعة محمد الخامس)،
وفي علوم الحديث والفقه المالكي (جامعة الحسن الثاني).
إن من أسمى محاسن الشريعة الإسلامية الغرّاء وعظيم غاياتها المقاصدية حرصها البالغ على صيانة الحرمات وحياطة الخصوصيات وإرساء دعائم الثقة والاجتماع البشري على أسس متينة من الأمانة ونقاء السيرة وسلامة الصدور.
وفي عصرنا الراهن ومع الطفرة التقنية المتسارعة طرأت على حياة الناس نوازل تستدعي نظراً فقهياً وازناً لتنزيل الأحكام الشرعية عليها ومن أبرز ذلك الهواتف الذكية التي غدت مستودعاً لأسرار الناس وسجلاً حافلاً بخصوصياتهم الدقيقة ومكاناً تلتقي فيه صورهم ورسائلهم ومعاملاتهم المالية وشؤونهم الأسرية. ومن هنا فإن هذه الأجهزة الذكية تأخذ في الميزان الشرعي أحكام البيوت والكتب والرسائل الخاصة من حيث شدة الحرمة وضرورة الصيانة.
أولاً: الأدلة الشرعية من محكم الكتاب ومستفيض السنة
لقد تضافرت نصوص الوحيين وتواترت توجيهات الشريعة على تحريم التجسس والنهي الحاسم عن تتبع عورات المسلمين أو استراق النظر إلى شؤونهم ومن ذلك:
قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]. وجه الدلالة هنا أن النهي عن التجسس جاء مطلقاً وحاسماً لقطع دابر الريبة والاطلاع على هاتف الغير دون رضاه هو عين التجسس الإلكتروني المحرم.
قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36]. وهي آية تؤصل للمسؤولية الفردية للجوارح، وتحذر من إطلاق العنان للبصر ليتلصص على ما حُجب عنه.
ما رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «مَن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار». وهذا الحديث -وإن ذكر العلماء أن في إسناده ضعفاً يسيراً- إلا أنه يُعمل بمثله في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب والآداب الشرعية طالما لم يكن شديد الضعف. فضلاً عن أن معناه صحيح مستقيم تشهد له مقاصد الشريعة وتؤيده القواعد العامة في حفظ الحقوق ورعاية مكارم الأخلاق.
قول النبي ﷺ: «لا تَسْتُرُوا الجُدُرَ»؛ والمقصود به النهي عن التطلع من وراء الحجب والحيطان والتلصص على ما وراء الأبواب والستور مما لا يحل للمرء الاطلاع عليه. وهذا الحديث يمثل أصلاً متيناً يقاس عليه تحريم التلصص الرقمي وهتك ستور الخصوصية المعاصرة.
الوعيد الشديد الشامل لتتبع العورات، كما جاء في الأحاديث الصحيحة المعنى: «مَن تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومَن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» وهو زجر نبوي بليغ يهز وجدان المؤمن ويحجزه عن انتهاك سريرة أخيه.
ثانياً: التأصيل الفقهي والفوائد التوجيهية النوازلية
بناءً على المعطيات الشرعية والقواعد المقاصدية السابقة يمكننا تفصيل الأحكام الفقهية والتوجيهات السلوكية المتعلقة بهذه النازلة في النقاط التأصيلية التالية:
تنـزيل الأحكام (الهاتف بمنزلة الكتاب والبيت): إن هاتف المسلم المعاصر هو بمنزلة كتابه الخاص بل هو في حقيقة الأمر أشد خصوصية وسرية لما يحتويه من دقيق الشؤون وعميق الأسرار والرسائل العائلية والصور الشخصية. فإذا كان الشرع الحكيم قد غلّظ الحرمة في مجرد النظر في الكتاب الورقي بغير إذن فإن الحرمة في الهاتف تفوق ذلك بكثير عِظماً وجُرماً.
قاعدة (القدرة لا تبيح الفعل): إن تمكن المرء مادياً من فتح هاتف غيره -سواء لعدم وجود رمز سري أو لغفلة صاحبه ونسيانه- لا يسوغ له شرعاً مدّ يده أو بصره إليه فالقدرة المادية على الفعل لا تُكسب الإباحة الشرعية بحال وإنما الميزان الحاكم والفيصل الدقيق هنا هو إذن الصاحب ورضاه الصريح.
وجوب الاستئذان قياساً على دخول البيوت: إن الاستئذان قبل فتح هاتف الغير أو النظر فيه أدب شرعي واجب وفريضة أخلاقية وهو نظير الاستئذان المفروض والمشروع قبل دخول البيوت إذ إن العلة الجامعة بينهما هي حفظ الأبصار وصيانة العورات وحماية الحرمات من الهتك.
فقه النظر الفجائي (عوارض البصر): إن من وقع بصره اتفاقاً وعلى حين غرة على شيء من خصوصيات غيره (في هاتف أو رسالة) بغير قصد منه ولا تعمد، فالواجب الشرعي والفوري يحتم عليه غض بصره وصرف نظره فوراً وألا يسترسل في القراءة أو التأمل امتثالاً للأمر الإلهي بحفظ الجوارح، وتبرئةً للذمة.
ثالثاً: الأبعاد الأخلاقية والآثار الاجتماعية
إن التزام المسلم بحفظ خصوصيات الآخرين ليس مجرد امتثال لإجراء تنظيمي، بل هو عمق أخلاقي متجذر يعكس طهارة القلب ونبل المعدن:
قاعدة المعاملة بالمثل: المسلم مأمور شرعاً وعقلاً بصيانة حرمات الناس كما يحب وينتظر أن تصان حرمته الشخصية فمن كان يكره ويأنف أن يطلع أحد على خصوصياته وأسراره فليتق الله في كوامن خلقه وليكره لغيره ما يكرهه لنفسه.
بناء الثقة المجتمعية وهدم الريبة: إن المجتمعات الإسلامية الفاضلة تُبنى وتتماسك على قواعد الأمانة والسلامة وحسن الظن وتتداعى أركانها وتتهدم بالتجسس والتتبع والريبة. ولذلك كان حفظ الأسرار وصيانة العيب من أخص شيم كرام المؤمنين.
مراقبة رب العالمين في الغيب: المؤمن الحق هو من يراقب الله تعالى في سرّه وعلنه ويعلم يقيناً أن عين الله مطلع عليه قبل أعين الخلق وأن الجوارح مستنطقة يوم القيامة فالعبرة الحقيقية هي بطهارة القلب واستقامة السيرة في خلوات المرء لا بمجرد خفاء الفعل عن أعين الناس.
خاتمة ولطيفة واقعية:
خلاصة القول إن حفظ خصوصيات المسلمين عبادة جليلة يُتقرب بها إلى الله واحترام أسرارهم والذود عنها هو من تمام الإيمان وعلامات كماله ومن حسن إسلام المرء وسداد عيرته تركه ما لا يعنيه وأن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به من الستر والصيانة.
ومن طريف ما وقفتُ عليه في واقعنا المعاصر ومما يبعث على العجب العجاب من مكر إبليس وتلبيسه على عقول بعض الخلق أنني لاحظتُ يوماً أحدهم يجلس بجانبي في مجلس وهو يجهد نفسه ويستقصي النظر خلسةً لمعرفة ما يدور في شاشة هاتفي مستغلاً في ذلك الانعكاس الدقيق للشاشة على نظارتي البصرية!
فتعجبتُ واعتبرتُ من هذا التكلف السقيم والتحايل العجيب على تتبع عورات الناس وهتك خصوصياتهم التي جهدوا في إخفائها نسأل الله سبحانه وتعالى العافية والستر الجميل في الدنيا والآخرة وأن يرزقنا طهارة القلوب ونقاء السرائر وصيانة الجوارح عن كل ما لا يرضيه.
*تنويه: أصل هذا المقال منشور بصفحة الشيخ الفاضل وقد أُعيد ترتيبه وتنسيقه بالزيادة والنقصان بعد استئذانه الكريم وتحت إشرافه.





