من ذاكرة “الأبارتايد” إلى طرد المهاجرين.. كيف هزت موجة العنصرية العنيفة ضد الأجانب صورة جنوب إفريقيا ودمرت إرثا سياسيا ظل الحزب الحاكم يراكمه منذ عهد منديلا؟

إيطاليا تلغراف متابعة

لم تكن مشاهد المهاجرين وهم يفترشون الأرض أمام المعابر الحدودية والقنصليات، في انتظار وسيلة تعيدهم إلى بلدانهم، مجرد مشاهد عابرة فرضتها أزمة الهجرة في جنوب إفريقيا، بل أعادت إلى الأذهان واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ البلاد، حين كان السود أنفسهم ضحايا لسياسات الفصل العنصري “الأبارتايد”، فقد بدت مشاهد مطاردة أشخاص بسبب جنسيتهم، وإجبارهم على مغادرة منازلهم، أو مطالبتهم بإثبات هوياتهم في الشوارع، وكأنها تستحضر، ولو في سياق مختلف، صور الإقصاء والتمييز التي اعتقد كثيرون أن جنوب إفريقيا تجاوزتها منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ومع حلول 30 يونيو 2026، وهو التاريخ الذي حددته حركات مناهضة للهجرة باعتباره آخر أجل لمغادرة الأجانب “غير النظاميين”، وجدت بريتوريا نفسها أمام أزمة سياسية وأمنية وحقوقية غير مسبوقة، إذ بينما أصرت الحكومة على أن ذلك اليوم لا يعدو أن يكون “يوما عاديا” وأن مؤسسات الدولة ستواصل عملها بشكل طبيعي، كان آلاف المهاجرين يتعاملون مع التهديدات باعتبارها إنذارا حقيقيا، يفرض عليهم المغادرة قبل أن تتحول الدعوات إلى أعمال عنف واسعة.

وتقود هذه الحملة حركة “مارش آند مارش” إلى جانب حركة “دودولا” وأكثر من عشرين تنظيما مناهضا للهجرة، رفعت شعارات تدعو إلى “استعادة” فرص العمل والخدمات العامة من الأجانب، وربطت بين وجودهم وتفاقم البطالة والجريمة والضغط على المرافق العمومية، غير أن معهد الدراسات الأمنية في جنوب إفريقيا يؤكد أن المستهدفين عمليا لا يقتصرون على المهاجرين غير النظاميين، بل يشملون في كثير من الأحيان كل من يبدو من أصول إفريقية أو آسيوية، بغض النظر عن وضعيته القانونية.

وتشير بيانات هيئة الإحصاء الجنوب إفريقية إلى أن عدد المهاجرين، النظاميين وغير النظاميين، يتراوح بين 2,4 و3 ملايين شخص، وهو رقم ظل في صلب الجدل السياسي خلال السنوات الأخيرة، في ظل استمرار البطالة، خصوصا وسط الشباب، ما جعل ملف الهجرة يتحول إلى مادة خصبة للخطابات الشعبوية التي تحمل الأجانب مسؤولية أزمات اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدا.

رغم أن ما يجري اليوم لا يرقى إلى نظام “الأبارتايد” الذي كان يقوم على تشريعات رسمية تفرض التمييز العنصري، فإن كثيرا من الصور التي خرجت من جنوب إفريقيا خلال الأسابيع الأخيرة بدت صادمة، لأنها تعيد إنتاج سلوكيات تقوم على تصنيف الناس وفق هوياتهم وأصولهم، بعدما أصبح مجرد اختلاف اللهجة أو الجنسية سببا كافيا لتحويل شخص إلى هدف للاعتداء أو الطرد.

ويحذر حقوقيون من أن أخطر ما في هذه الموجة ليس عدد ضحاياها فقط، وإنما كونها تسعى إلى إضفاء طابع طبيعي على ممارسات الإقصاء ضد فئة معينة من السكان، وهو ما يتناقض مع المبادئ التي تأسست عليها جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري، حين قدمت نفسها نموذجا للتعددية والمساواة والمصالحة الوطنية.

وتعززت هذه المخاوف بعدما قُتل ثلاثة أجانب خلال الاحتجاجات الأخيرة، وتعرض صحفيون لاعتداءات، بينما أُجبر مهاجرون على مغادرة منازلهم تحت ضغط جماعات محلية عنيفة، وهي أحداث أعادت استحضار موجات العنف السابقة، خاصة أحداث ماي 2008 التي أودت بحياة 62 شخصا وتسببت في نزوح أكثر من 100 ألف آخرين، ثم اضطرابات يوليوز 2021 التي خلفت 350 قتيلا، بما يؤكد أن ظاهرة العنف ضد الأجانب لم تكن استثناء عابرا، وإنما أزمة متكررة تعود كلما اشتدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وفي محاولة لتفادي انفلات الوضع، أعلنت السلطات تعبئة أمنية واسعة تجاوزت كلفتها حوالي 37 مليون دولار أمريكي، مع تعليق إجازات عناصر الشرطة، والتلويح بالاستعانة بالجيش إذا خرجت الاحتجاجات عن السيطرة، فضلا عن إشراك شركات الأمن الخاصة التي سخرت مركبات مدرعة ومروحيات وطائرات مسيرة، في مؤشر على إدراك الدولة لحجم المخاطر الأمنية التي قد تترتب عن هذه التعبئة.

منذ بداية الأزمة، حاول الرئيس سيريل رامافوسا، الذي يعاني سياسيا من تراجع كبير في شعبيته بسبب الأزمات الاقتصادية والأمنية، طمأنة الرأي العام، مؤكدا أن إنفاذ قوانين الهجرة يظل اختصاصا حصريا للدولة، وأنه “لا يحق لأي شخص أن يوقف أحدا في الشارع ليطالبه بإثبات جنسيته”، كما شدد على أن الهجرة غير النظامية “ليست سبب كل تحدياتنا الاقتصادية”، في محاولة لنزع الشرعية عن الخطاب الذي يحمل المهاجرين مسؤولية مختلف الأزمات.

كما أعلنت الحكومة اعتماد مقاربة جديدة لتدبير ملف الهجرة، تشمل إنشاء محاكم متخصصة لتسريع ترحيل المهاجرين غير النظاميين، وتوظيف عشرة آلاف مفتش عمل، وتشديد العقوبات على المشغلين المخالفين، مع التأكيد على أن احترام القانون لا يمكن أن يتم على حساب حقوق الإنسان أو كرامة الأشخاص، مهما كانت أوضاعهم القانونية.

غير أن الوقائع الميدانية عكست صورة مغايرة، إذ إن مجرد إعلان جماعات غير رسمية عن مهلة تنتهي في 30 يونيو كان كافيا لدفع آلاف المهاجرين إلى مغادرة البلاد، كما سارعت حكومات إفريقية إلى إطلاق عمليات لإجلاء رعاياها، وهو ما كشف أن تأثير تلك التنظيمات تجاوز بكثير حدود الاحتجاج السياسي، ليصل إلى فرض واقع جديد فرض نفسه حتى على الدول المجاورة.

وتبرز هنا واحدة من أبرز مفارقات الأزمة، فبينما أصرت الحكومة على أن 30 يونيو سيكون “يوما عاديا”، كانت سفارات وقنصليات عدة دول إفريقية تستعد لاستقبال طلبات العودة، وكانت آلاف الأسر ترتب مغادرتها خوفا من التعرض لاعتداءات، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن قدرة الدولة على احتكار سلطة فرض النظام العام، بعدما نجحت جماعات مدنية في خلق حالة خوف جماعية دون أي صفة قانونية.

وتعد زيمبابوي أكثر الدول تضررا من هذه التطورات، بعدما أعلنت حكومة هراري عودة 78 ألفا و112 من مواطنيها من جنوب إفريقيا منذ أواخر ماي الماضي، خوفا من التعرض لهجمات تستهدف الأجانب، موضحة أن 21 ألفا و291 شخصا عادوا في إطار عملية رسمية، بينما رجع 56 ألفا و832 آخرون بوسائلهم الخاصة، وهو ما يعكس حجم الهلع الذي ساد داخل الجالية الزيمبابوية.

ولم تكن زيمبابوي وحدها من سارعت إلى إجلاء رعاياها، إذ باشرت كل من غانا ونيجيريا وموزمبيق ومالاوي وجمهورية الكونغو الديمقراطية عمليات لإعادة مواطنيها الراغبين في المغادرة، بدعم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بعدما تحولت التهديدات إلى مصدر قلق حقيقي لدى آلاف المهاجرين.

وتزداد دلالة هذه الأرقام إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن الوكالة الوطنية للإحصاء في زيمبابوي تقدر عدد مواطنيها المقيمين في جنوب إفريقيا بحوالي مليون شخص، بينما ترفع منظمات مستقلة هذا العدد إلى أكثر من مليوني مهاجر، ما يجعل أي اضطراب داخل جنوب إفريقيا يتجاوز حدودها ليصبح أزمة إقليمية تمس عددا من دول الجوار.

كما أظهرت صور جرى تداولها على نطاق واسع المئات من المهاجرين وهم يفترشون الأرض في ظروف شتوية قاسية بالقرب من المعابر الحدودية، في انتظار وسائل النقل التي وفرتها سلطات بلادهم، وهي مشاهد ألقت بظلالها على صورة جنوب إفريقيا باعتبارها الوجهة الاقتصادية الأولى في إفريقيا جنوب الصحراء، والقاطرة التي يقصدها مئات الآلاف بحثا عن فرص العمل.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الأمني أو الإنساني، بل تمتد إلى البعد السياسي، إذ وجد حزب المؤتمر الوطني الإفريقي نفسه أمام امتحان بالغ الحساسية، وهو الحزب الذي ارتبط اسمه تاريخيا بالنضال ضد نظام الفصل العنصري، والدفاع عن قيم المساواة والوحدة الإفريقية، بعدما وجد نفسه اليوم عاجزا عن وقف موجة تستهدف في معظمها مهاجرين أفارقة لجؤوا إلى جنوب إفريقيا بحثا عن الأمن أو العمل.

وتزداد المفارقة وضوحا إذا استحضر أن عددا من الدول الإفريقية التي يواجه مواطنوها اليوم الاعتداءات، كانت خلال سنوات الكفاح ضد “الأبارتايد” من أبرز الداعمين لحركات التحرر الجنوب إفريقية، واحتضنت مناضلي المؤتمر الوطني الإفريقي، وقدمت لهم الدعم السياسي واللوجستيكي، قبل أن يصبح مواطنوها اليوم في مواجهة حملات تطالب بطردهم من البلد الذي كان يمثل رمزا للتحرر والمصالحة.

ورغم أن حكومة رامافوسا لم تتبن خطاب الجماعات المناهضة للهجرة، فإن عجزها عن احتواء تداعياته، وفشلها في منع تحوله إلى حالة خوف جماعي، اضعف من رصيدها السياسي والأخلاقي، وضار يطرح أسئلة حقيقية حول قدرة الحزب الحاكم على حماية الإرث الذي بناه نيلسون مانديلا، والقائم على بناء “أمة قوس قزح” التي تتجاوز الانقسامات والهويات الضيقة.

وتبدو جنوب إفريقيا أمام اختبار يتجاوز بكثير مجرد تدبير ملف الهجرة، لأن ما يجري اليوم صار يمس بصورة الدولة التي قدمت نفسها منذ تسعينيات القرن الماضي باعتبارها نموذجا للديمقراطية والتعايش، وقاطرة اقتصادية لبلدان جنوب القارة، وفاعلا رئيسيا في الدفاع عن قيم التحرر والوحدة الإفريقية، إذ أصبحت الآن، في نظر إعلام جيرانها، دولة غارقة في الأزمات الأمنية ترزح تحت سيطرة جماعات عنصرية متطرفة وغير قادرة على ضمان سلامة مواطنيها أو ضيوفها.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...