الدكتور عبدالله بوصوف
الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج
في تاريخ المغرب الحديث، قلّما ارتبطت عبارة قصيرة بذاكرة جماعية وبطولات عسكرية كما ارتبطت عبارة «زيدو لقدّام» برجال الگوم والطابور المغربي خلال الحرب العالمية الثانية. فهذه الكلمات البسيطة في الدارجة المغربية، والتي تعني «واصلوا التقدم» أو «استمروا إلى الأمام»، تحولت من مجرد نداء في ساحة المعركة إلى رمز للشجاعة والصمود والتضحية، وحملت معها صورة المقاتل المغربي الذي انتقل من جبال الأطلس إلى ساحات القتال الأوروبية، تاركاً بصمة لا تزال حاضرة في الذاكرة التاريخية إلى اليوم.
نشأت وحدات الگوم المغربي خلال العقود الأولى من القرن العشرين، وضمت مقاتلين مغاربة اشتهروا بالقدرة على التحمل والتأقلم مع أصعب الظروف الطبيعية. أما الطابور فكان وحدة عسكرية تتكون من عدة گومات، وقد شكلت هذه الوحدات إحدى أبرز مكونات جيش إفريقيا الذي شارك إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وعندما اشتدت المعارك في شمال إفريقيا وأوروبا، برز اسم المقاتل المغربي باعتباره أحد أكثر الجنود كفاءة في العمليات التي تتطلب الحركة السريعة والقتال في الجبال والمناطق الوعرة.
خلال الحرب العالمية الثانية خدم نحو خمسة وثمانين ألف مغربي ضمن الگومات والطابورات المغربية، وسقط منهم آلاف القتلى والجرحى في مختلف الجبهات. وقد شاركوا في معارك مصيرية انطلقت من تونس، مروراً بإيطاليا وفرنسا، وانتهت في قلب ألمانيا. وفي كل هذه المحطات ظل اسمهم مرتبطاً بالشجاعة والانضباط والقدرة على تنفيذ أصعب المهام العسكرية.
وقد تجلت مساهمتهم بشكل خاص خلال معركة مونتي كاسينو سنة 1944، حين تمكنت الطابورات المغربية من اختراق المرتفعات الجبلية التي استعصت على قوات الحلفاء أشهراً طويلة. وبعد ذلك شاركوا في تحرير كورسيكا وإنزال بروفانس وتحرير مرسيليا والألزاس، ثم واصلوا التقدم نحو ألمانيا، حتى أصبح اسمهم جزءاً من تاريخ تحرير أوروبا.
وسط هذه المسيرة العسكرية برزت عبارة «زيدو لقدّام» باعتبارها الشعار الذي يرافق المقاتلين المغاربة في لحظات الهجوم والتقدم. كانت الصرخة تتردد بين الصفوف عندما تشتد المعركة، فتبعث الحماس وتغرس الثقة في النفوس. ولم يكن معناها مجرد التقدم العسكري، بل حملت دلالة معنوية عميقة تعبر عن الإصرار على مواصلة الطريق مهما كانت التضحيات.
وقد ارتبطت هذه العبارة أيضاً باسم الجنرال الفرنسي Augustin Guillaume الذي قاد الطابورات المغربية في عدد من أهم معارك الحرب العالمية الثانية. فقد أعجب بروح المقاتلين المغاربة وبشجاعتهم الاستثنائية، فتبنى هذا الشعار وجعله جزءاً من ثقافة الوحدات التي كان يشرف عليها، وكان يردده عبر أجهزة الاتصال العسكرية لتشجيع الجنود أثناء العمليات القتالية. ومع مرور الزمن أصبح «زيدو لقدّام» معروفاً حتى لدى عدد من الجنود الفرنسيين الذين قاتلوا إلى جانب المغاربة، وتحول إلى رمز للإقدام وعدم التراجع.
ومع نهاية الحرب خرجت العبارة من ساحات المعارك إلى الذاكرة الجماعية من خلال «نشيد الطابور»، الذي خلد مسيرة المقاتلين المغاربة من الأطلس إلى الراين. ويروي النشيد مراحل مختلفة من رحلتهم العسكرية عبر تونس وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، محتفياً بتضحياتهم وشجاعتهم ووفائهم.
واليوم يعود هذا الشعار التاريخي إلى الواجهة بطريقة مختلفة. فبينما كان رجال الگوم والطابور يقاتلون إلى جانب الجنود الفرنسيين في ساحات الحرب، يلتقي المغرب وفرنسا هذه المرة في مباراة كروية كبرى ضمن ربع نهائي كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية. إنها مواجهة لا تحمل صراعاً عسكرياً، بل تنافساً رياضياً بين بلدين جمعتهما صفحات مشتركة من التاريخ.
وفي هذا السياق تكتسب عبارة «زيدو لقدّام» معنى جديداً. فإذا كانت بالأمس تشجع رجال الگوم والطابور على مواصلة التقدم في ميادين القتال، فإنها اليوم يمكن أن تكون شعاراً معنوياً لجماهير أسود الأطلس وهي تتابع حلم الوصول إلى المربع الذهبي للمونديال. فالقيمة الحقيقية للعبارة لا تكمن في الحرب أو الرياضة فقط، بل في ما تحمله من معاني الثقة بالنفس والعزيمة والإصرار على تجاوز العقبات.
ومن جبال الأطلس التي خرج منها رجال الگوم والطابور، إلى الملاعب الأمريكية التي تستضيف كأس العالم، يبقى صدى تلك الكلمات حاضراً في الوجدان المغربي: «زيدو لقدّام». إنها عبارة تختصر تاريخاً من الشجاعة والتضحية، وتربط بين أمجاد الماضي وطموحات الحاضر، مؤكدة أن روح التقدم والإصرار التي صنعت بطولات الأمس ما زالت قادرة على إلهام أجيال اليوم.





