لا تبدو قمّة ربع نهائي كأس العالم بين المغرب وفرنسا مجرد مباراة عابرة في طريق البحث عن بطاقة نصف النهائي، بل مواجهة بين نسختين استثنائيتين من منتخبين يعيشان واحدة من أقوى لحظاتهما الكروية.
فرنسا تدخل اللقاء بثوب المرشح الكبير، ليس فقط بحكم تاريخها الحديث في المونديال، بل لأنها تملك جيلا مرعبا من حيث الجودة الفردية والعمق البشري، بينما يحضر المغرب بأقوى تشكيلة عرفها عبر تاريخه، وبثقة لم تعد مبنية على الحماس وحده، بل على أسماء كبرى وتجربة دولية ونضج تكتيكي واضح.
المنتخب الفرنسي، في هذه النسخة، يبدو كأنه تجميع نادر بين السرعة، المهارة، القوة، والفعالية. في الهجوم، يقود كيليان مبابي الخط الأمامي كأحد أكثر اللاعبين حسما في العالم، وإلى جانبه أسماء قادرة على قلب أي مباراة في لحظة، مثل عثمان ديمبلي، مايكل أوليس، برادلي باركولا وديزيري دوي.
هذه المجموعة تمنح ديدييه ديشامب حلولا لا تنتهي، سرعة في العمق، مراوغة في الأطراف، تسديد من خارج المنطقة، وقدرة على استغلال أنصاف الفرص. وقد تحدثت تقارير دولية عن أن فرنسا بلغت ربع النهائي وهي من بين أقوى المنتخبات هجوميا في البطولة، بينما أشارت رويترز إلى أنها سجلت 14 هدفا قبل لقاء المغرب، مع مبابي في صدارة نجومها التهديفيين.
ولا تقف قوة فرنسا عند الهجوم فقط، ففي الوسط والدفاع، توجد أسماء صُقلت في أكبر المدارس الأوروبية، من نغولو كانتي الذي صنع مجده في إنجلترا، إلى أوريلين تشواميني، مرورا بمدافعين من طينة ويليام ساليبا، الذي أصبح أحد رموز الصلابة في أرسنال، إلى جانب خزان كبير من اللاعبين القادرين على منح المنتخب الفرنسي تفوقا بدنيا وتكتيكيا.
لهذا لا يبدو غريبا أن يتعامل جزء كبير من الإعلام الفرنسي مع “الديوك” كمرشح فوق العادة للذهاب بعيدا وربما الظفر باللقب، بالنظر إلى وفرة الحلول وجودة اللاعبين في كل المراكز.
لكن قوة فرنسا لا تعني أن المغرب يدخل المباراة بثوب الضحية، فالمنتخب المغربي الحالي يمثل بدوره أفضل نسخة في تاريخ كرة القدم الوطنية، كما لم يعد الحديث عن منتخب مفاجأة أو قصّة عاطفية كما حدث في مونديال قطر 2022، بل عن مشروع كروي ناضج يضم لاعبين ينشطون في أكبر الدوريات والأندية الأوروبية، ويملكون شخصية المباريات الكبرى.
في الدفاع، يوجد أشرف حكيمي، نجم باريس سان جيرمان والمتوج بجائزة أفضل لاعب إفريقي لسنة 2025، في تأكيد واضح لمكانته القارية والعالمية، وإلى جانبه نصير مزراوي، لاعب مانشستر يونايتد، الذي يمنح المنتخب خبرة أوروبية كبيرة ومرونة تكتيكية مهمة، سواء في الرواق أو في أدوار دفاعية مركبة، كما يحضر ياسين بونو، الحارس الذي ترك بصمته في الدوري الإسباني وتوج بجائزة زامورا مع إشبيلية، قبل أن يواصل تألقه في السعودية ومع المنتخب.
أما في الأمام وبين الخطوط، فيملك المغرب لاعبا من قيمة إبراهيم دياز، نجم ريال مدريد، القادر على صناعة الفارق بالتحرك بين المساحات، والتمرير الحاسم، والاحتفاظ بالكرة تحت الضغط.
وإلى جانبه تظهر أسماء تمثل مستقبل المنتخب وقوته الجديدة، مثل بلال الخنوس، نيل العيناوي، وأيوب بوعدي، الذي خطف الاهتمام في هذه النسخة من كأس العالم، في وقت أشار تقرير لـFIFA إلى بروزه مع المغرب في بداية البطولة. كما أن إسماعيل الصيباري، رغم الغياب المؤثر، أصبح عنوانا لقيمة الجيل المغربي الجديد بعد انتقاله إلى بايرن ميونخ بعقد يمتد إلى 2031.
هذه الجودة تجعل المباراة مختلفة عن أغلب مواجهات المغرب السابقة مع الكبار، ففرنسا تملك أسماء أكثر لمعانا وخبرة تراكمية أكبر في الأدوار النهائية، لكن المغرب يملك توازنا نادرا بين الدفاع، وسط الميدان، والسرعة في التحولات، كما أن أرقام البطولة كشفت أن المنتخب المغربي من بين أكثر المنتخبات كثافة في الجهد والركض السريع، ما يمنحه سلاحا بدنيا مهما أمام منتخب فرنسي يعتمد كثيرا على الانفجارات الفردية والتحولات السريعة.
ووفق الإعلام الدولي، فإن الحديث عن فائز مفاجئ لا يبدو منصفا في هذه القمّة، بالرغم من أن فرنسا تدخل بثقل البطل والمرشح، لكن المغرب لم يعد منتخبا يراهن فقط على الروح والاندفاع، إنه منتخب يملك نجوما عالميين، وبدلاء مؤثرين، وشخصية كروية جعلته يقترب من مصاف القوى الكبرى، ومن ينتصر في هذه المواجهة لن يسرق بطاقة العبور، بل سيؤكد أنه يملك كل الحظوظ للذهاب إلى النهائي بثقة كبيرة.
هي إذن مباراة بين منتخب فرنسي ربما يعيش أفضل نسخه من حيث وفرة المواهب، ومنتخب مغربي هو بلا شك الأقوى في تاريخه من حيث جودة الأسماء وعمق التجربة، لذلك تعد القمّة بفرجة مضمونة، وبندية عالية، وبصراع لن يُحسم فقط بالأسماء، بل بالتفاصيل الصغيرة، أهمها التركيز، استغلال الفرص، قوة الدكة، والقدرة على تحمل ضغط مباراة قد تكون فعلا نهائيا قبل الأوان.
المصدر: الصحيفة





