مشروع قانون المحاماة يدخل منعطفه الأخير.. المحكمة الدستورية تستعد لحسم أكثر الملفات التشريعية إثارة للجدل.. ولزرق لـ”الصحيفة”: الإحالة ممارسة دستورية تحمي العدالة ولا تُسيّس القضاء
دخل مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مرحلة حاسمة في مساره التشريعي، بعدما أحاله رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، على المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقة مقتضياته لأحكام الدستور، في خطوة ترتب، وفق المسطرة الدستورية، وقف استكمال إجراءات إصدار القانون إلى حين صدور قرار المحكمة، لتنقل بذلك واحدا من أكثر النصوص التشريعية إثارة للنقاش خلال الولاية الحالية من دائرة الجدل السياسي والمهني إلى فضاء الرقابة الدستورية.
وتأتي هذه الإحالة بعد أشهر من النقاشات التي رافقت المشروع، والذي أثار اعتراضات واسعة داخل الأوساط المهنية، حيث اعتبرت جمعية هيئات المحامين بالمغرب وعدد من الهيئات الجهوية أن الصيغة الحالية للنص تتضمن مقتضيات تمس باستقلال المهنة والضمانات المرتبطة بممارستها، وهو ما ترجمته بسلسلة من الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية أمام البرلمان للمطالبة بمراجعة عدد من مواده.
ولم يقتصر الجدل على الهيئات المهنية، بل امتد إلى داخل مكونات الأغلبية الحكومية نفسها، بعدما أعلنت منظمة المحامين التجمعيين، التابعة لحزب التجمع الوطني للأحرار، رفضها لمضامين المشروع، وقررت تعليق مشاركتها في المشاورات المتعلقة به، محملة وزير العدل عبد اللطيف وهبي مسؤولية إدراج تعديلات قالت إنها لا تنسجم مع التوافقات التي سبقت مناقشة النص، وهو ما زاد من حدة النقاش السياسي والقانوني الذي رافق المشروع منذ عرضه.
ويتضمن المشروع مقتضيات جديدة أثارت نقاشا واسعا، من أبرزها تحديد سقف سن الترشح لمباراة ولوج مهنة المحاماة في 45 سنة، مع الإبقاء على إمكانية ولوج خريجي كليات الشريعة إلى المهنة وفق الشروط القانونية المعمول بها، فضلا عن إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، بهدف التحقق من سلامة العمليات المالية والمحاسبية المرتبطة بهذه الحسابات، في إطار تعزيز آليات الحكامة والشفافية.
وفي قراءة قانونية ودستورية لهذه الخطوة، أكد رشيد لزرق أستاذ العلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أن قرار رئيس مجلس النواب بإحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية لا ينبغي فهمه باعتباره تراجعا عن القرار التشريعي أو تنصلا من المسؤولية السياسية، بل يمثل ممارسة مؤسساتية منسجمة مع الاختصاص الذي خوله الفصل 132 من الدستور لرئيس المجلس، مبرزا أن الرقابة الدستورية القبلية على القوانين العادية وضعت أساسا لضمان خضوع إرادة الأغلبية البرلمانية لسمو الدستور، خاصة عندما يتعلق الأمر بتنظيم مهنة ترتبط ارتباطا مباشرا بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة واستقلالية مكونات منظومة العدالة.
وأوضح لزرق في تصريح لـ”الصحيفة”أن إحالة المشروع تمت بعد استكمال مختلف مراحل المسطرة التشريعية والمصادقة عليه داخل البرلمان، وهو ما يجعل المحكمة الدستورية الجهة الوحيدة المختصة بالتحقق من سلامة الإجراءات ومدى مطابقة مقتضيات النص للمبادئ والحقوق الدستورية، دون أن يشكل ذلك مؤشرا على وجود عدم دستورية مسبقة أو انتصارا لأي طرف من أطراف الخلاف الدائر حول المشروع.
واعتبر المتحدث أن الربط بين الإحالة وبين الزج بالقاضي الدستوري في صراع سياسي ينطوي على خلط بين تسييس القضاء وبين ممارسته لاختصاصاته التي رسمها الدستور، موضحا أن المحكمة الدستورية لا تنظر في مدى ملاءمة الاختيارات الحكومية أو البرلمانية، ولا تتدخل في موازين القوى أو الحسابات السياسية، وإنما تفصل، وفق منهج قانوني ملزم، في حدود السلطة التشريعية ومدى احترامها للمقتضيات الدستورية.
وأضاف لزرق أن الرقابة الدستورية غالبا ما تمارس بشأن قوانين أثارت خلافات سياسية أو مهنية، غير أن طبيعة هذا الخلاف لا تحول المحكمة الدستورية إلى طرف في النزاع، لأن وظيفتها تظل محصورة في حماية المشروعية الدستورية وضمان احترام الدستور باعتباره المرجعية العليا المنظمة للعلاقة بين المؤسسات والسلطات.
وشدد لزرق على أن الحديث عن الزج بالقاضي الدستوري لا يكون إلا في حالة محاولة التأثير على قراره أو ممارسة الضغوط عليه أو مطالبته بتبني موقف سياسي أو مهني معين، أما مجرد تفعيل آلية الإحالة المنصوص عليها دستوريا فيمثل، في نظره، تجسيدا فعليا لمبدأ الفصل بين السلط، ونقلا للخلاف من منطق الاحتجاج وموازين القوة إلى منطق الحجة القانونية والدستورية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مكانة الدستور باعتباره المرجع الأعلى والحكم الفاصل بين مختلف الفاعلين.
وبانتظار القرار المرتقب للمحكمة الدستورية، يبقى مستقبل مشروع قانون المحاماة معلقا على ما ستنتهي إليه رقابتها، سواء بتأكيد مطابقة مقتضياته للدستور بما يتيح استكمال مسطرة دخوله حيز التنفيذ، أو بتسجيل ملاحظات تستوجب مراجعة بعض مواده قبل استئناف المسار التشريعي، في محطة ينتظر أن ترسم بشكل نهائي مستقبل أحد أكثر مشاريع القوانين إثارة للنقاش القانوني والمهني والسياسي خلال السنوات الأخيرة.
المصدر: الصحيفة





