طريقُ «تضامن الدفع المُسبق» إلى طهران وهافانا… مرورًا بنسيان الرباط عند مغادرة باب شالّة

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عبد الله

 

 

ليس الطريق إلى طهران أو هافانا هو المشكلة؛ بل المشكلة أن ثمن التذكرة، عند بعضهم، يُدفع من رصيد الذاكرة الوطنيّة.

ثمّة تضامن لا تصنعه المبادئ بقدر ما تصنعه البوصلة الإيديولوجية. تضامن يبدأ من النتيجة التي يريدها أصحابه، ثم يعود ليبحث لها عن قاموس أخلاقي يبررها. وحين تصبح الإيديولوجيا هي التي تسبق الأخلاق، لا تعود المبادئ ثابتة، وإنما تتبدل بتبدل الجغرافيا والخصوم والحلفاء.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن يثير تصويت المغرب ضد رفع الحصار الأمريكي عن كوبا موجةً من الانتقادات التي صُوِّرت وكأنها معركة بين الإنسانية واللاإنسانية، لا قرارًا سياديًا تتخذه دولة وفق ما تراه من مصالحها الوطنية، كما تفعل جميع الدول.

غير أن السؤال الذي يُؤجَّل دائمًا هو: أين كانت طهران وهافانا، رسميًا، حين تعلق الأمر بالقضية الوطنية الأولى للمغرب؟

لم تلتزم الدولتان الحياد، ولم تكتفيا بالصمت، بل اختارتا، منذ عقود، الانخراط السياسي والدبلوماسي في دعم جبهة البوليساريو، واستمر هذا الموقف رغم التحولات الدولية والإقليمية.

وذلك حق سيادي تتحملان مسؤوليته السياسية، تمامًا كما أن من حق المغرب أن يبني خياراته الخارجية على تقدير مصالحه الاستراتيجية، لا على ما يُنتظر منه لإرضاء سرديات أخلاقية عابرة.

ومع ذلك، يُطلب من المغاربة أن يتعاملوا مع هذا التاريخ كما لو أنه لم يكن؛ أن يضعوه بين قوسين كلما ذُكرت كوبا، وأن يفصلوا بين خطاب التضامن وبين المواقف العملية التي مست سيادة وطنهم ووحدته الترابية.

هنا تحديدًا تبدأ المفارقة.

كيف يُلام المغرب لأنه راعى مصالحه، بينما لا يُلام من جعل معاكسة تلك المصالح جزءًا ثابتًا من سياسته الخارجية؟ وكيف يصبح استحضار الوقائع التاريخية خروجًا عن الأخلاق، بينما يصبح تجاهلها دليلًا على سموها؟

الأعجب أن بعض الأصوات تُكثر الحديث عن الاصطفافات الدولية حين يتعلق الأمر بالمغرب، لكنها لا ترى في الاصطفاف الطويل إلى جانب خصومه ما يستحق حتى مراجعةً فكرية. وكأن معيار الحكم ليس طبيعة الموقف، بل هوية صاحبه.

ذلك ليس تضامنًا كونيًا، بل تضامن انتقائي؛ يرى المظالم البعيدة بوضوح، ثم تضيق زاوية رؤيته كلما اقتربت من حدود الوطن. يتحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، لكنه يتردد في الدفاع بالحماسة نفسها عن وحدة بلده الترابية. يثور على الحصار الاقتصادي، لكنه لا يجد ما يستحق الإدانة في المواقف التي أسهمت، لعقود، في محاصرة المغرب سياسيًا ودبلوماسيًا.

وهكذا تتحول الأخلاق من معيار ثابت إلى أداة انتقاء؛ فلا تعود المبادئ هي التي تقود المواقف، بل تصبح المواقف هي التي تعيد تعريف المبادئ كلما اقتضت الحاجة ذلك. وتغدو الإنسانية، بدل أن تكون قيمة جامعة، هويةً سياسية تُمنح لهذا الطرف وتُحجب عن ذاك، وفق مقتضيات المزاج الإيديولوجي لا وفق مقتضيات الاتساق الأخلاقي.

إن التضامن الحقيقي لا يُقاس بطول البيانات، ولا بعدد المؤتمرات، ولا بارتفاع سقف الشعارات، وإنما بقدرته على الحفاظ على الاتساق حين تتقاطع المبادئ مع المصالح. فمن السهل أن تتضامن مع قضية بعيدة، لكن الأصعب أن تظل وفيًا للمبدأ نفسه حين يتعلق الأمر بوطنك.

أمّا مطالبة المغاربة بأن ينسوا تاريخًا طويلًا من المواقف العدائية تجاه وحدتهم الترابية، ثم مساءلتهم أخلاقيًا لأنهم صاغوا موقفهم انطلاقًا من مصالحهم الوطنية، فليست دعوة إلى الإنسانية، بقدر ما هي مطالبة بتعليق الذاكرة الوطنية على مشجب قاعة المؤتمرات.

ولذلك، فإن الطريق إلى طهران أو هافانا، في قاموس هذا النوع من التضامن، لا يُقطع بالطائرة، بل بمحو الذاكرة.

تُترك الرباط عند بوابة شالّة، ويُصعد إلى الرحلة بلا تاريخ، وبلا سيادة، وبلا إدراك أن الوفاء للوطن ليس نقيضًا للإنسانية، بل شرطها الأول.

فحين يصبح نسيان الوطن ثمنًا لاجتياز امتحان «الإنسانيّة»، لا تكون المشكلة في الوجهة، بل في التذكرة نفسها؛ لأنها لا تُسدَّد بالمال، وإنما تُدفع من رصيد الذاكرة الوطنيّة.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...