قراءة عقلانية في إقصاء الأسود…بين منطق الكرة وفخ التوقعات المفرطة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

يمثل خروج المنتخب المغربي من دور ربع النهائي لبطولة كأس العالم 2026 أمام نظيره الفرنسي بنتيجة هدفين دون رد محطة مفصلية تجاوزت أبعادها المستطيل الأخضر لتتحول سريعاً إلى مادة دسمة لجدل واسع النطاق غصت به المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي محلياً وإقليمياً ودولياً وهو زخم يتناسب طردياً مع القفزة النوعية والمكانة الرفيعة التي أضحى يتمتع بها أسود الأطلس في المشهد الكروي العالمي كصاحب المركز السادس عالمياً بجدارة ومع ذلك فإن القراءات التي واكبت هذا الإقصاء افتقرت في كثير من الأحيان إلى التقييم الموضوعي والتحليل العقلاني وغلبت عليها الانفعالية الحادة وتعددت بتعدد زوايا النظر والمصالح الضيقة لكل طرف حاول مقاربة هذا الفريق الصاعد بثبات منذ الطفرة التاريخية في مونديال قطر 2022.

إن القراءة المتأنية للواقع الرياضي تكشف أن الإشكالية الحقيقية التي واجهها المنتخب المغربي في هذه المحطة المونديالية لم تكن مرتبطة بالمنظومة الفنية أو التكتيكية بحتة بل كانت ضريبة مباشرة وارتداداً طبيعياً لنجاحاته الإعجازية السابقة وملحمته التاريخية بالوصول إلى المربع الذهبي قبل أربعة أعوام حيث ارتقى سقف توقعات الجماهير إلى حدود غير واقعية وبات البعض يرى أن أي نتيجة دون التتويج باللقب العالمي أو تكرار الإنجاز السابق هي فشل ذريع مما حول هذا الشغف الجارف عند أول كبوة وعقبة عابرة إلى صدمة نفسية حادة أفرزت ردود أفعال متطرفة على المستوى الوطني وفتحت الباب على مصراعيه لظهور موجة من التفسيرات الغريبة والمزايدات الجماهيرية غير المسبوقة.

لقد قادت حالة الإحباط السيكولوجي غياب الرؤية المنصفة مما دفع ببعض صناع المحتوى والباحثين عن نسب المشاهدات والتعبير عن الانفعال إلى تنصيب أنفسهم كمحللين استثنائيين واختلاق نظريات مؤامرة هزلية وسريالية تشكك في نزاهة وذمم اللاعبين المغاربة عبر ادعاءات واهية تربط الخسارة بمقايضة نتائج المباريات بملفات قضائية شخصية أو اتفاقيات اقتصادية وسياسية بين الدول بل وامتدت هذه التحليلات الارتجالية لتشريح أدق تفاصيل المقابلة تحت المجهر وتأويل غياب بعض المسؤولين عن المشهد لافتراض وجود انشقاقات وصراعات داخلية خطيرة بين أطر الجامعة والطاقم الفني وهي تأويلات صادرة في الأصل عن فئات عاطفية تعجز قدرتها الاستيعابية عن تقبل الطبيعة المتقلبة للمستديرة واستيعاب المعطيات الكروية بشكل عقلاني.

وتتضح المفارقة الصارخة والازدواجية الواضحة في المعايير عند وضع ردود الفعل هذه في ميزان المقارنة مع البيئات والمدارس الكروية العريقة كالبرازيل أو هولندا أو بلجيكا حيث تمتلك جماهيرها نضجاً ووعياً رياضياً كافياً لتقبل الهزيمة وتسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية والاعتراف بالنجاح والفشل بروح واقعية دون اللجوء لشماعات التخوين والخذلان وفي المقابل شهد المشهد الإقليمي مفارقة عجيبة تمثلت في إطلاق حملات تشكيك وتبخيس شرسة ضد المنجز المغربي بالوصول إلى دور الثمانية الكبار في الوقت الذي حظيت فيه منتخبات أخرى باحتفاء إعلامي ورسمي مبالغ فيه ووُفر لها غطاء سياسي لاستقبال بطولي رغم مغادرتها المبكرة من دور الستة عشر الثمن نهائي لمجرد نجاحها في توظيف شعارات عاطفية وحماسية دغدغت مشاعر الجماهير للتغطية على الإخفاق الرياضي الفعلي.

يبقى المنطق الرياضي الصرف والإنصاف التاريخي يؤكدان أن التاريخ يدون الحقائق بعيداً عن العواطف وشماتة الفاشلين فالمنتخب المغربي واجه في ربع النهائي وصيف بطل العالم والمصنف ثانياً عالمياً وخسر مواجهة تكتيكية معقدة حسمتها تفاصيل جزئية وصغيرة والواقعية تفرض الاعتراف بأن المغرب يظل اليوم القوة الكروية الأبرز والأكثر استقراراً على المستويين العربي والقاري وهو الوحيد الذي يتقدم بثبات ليسبق أعتى الفرق العالمية وأن الحفاظ على التواجد المستدام ضمن الصفوة العالمية ودور الثمانية الكبار هو دليل قاطع على بناء استراتيجي وهيكلي متين وليس مجرد طفرة مؤقتة والوصول إلى هذه الكفاءة يتطلب بالتوازي بناء وعي جماهيري وإعلامي يرتقي إلى العالمية ويدرك جيداً أن الخسارة ليست نهاية المطاف وإنما هي محطة ضرورية للتقييم والتصحيح فمن أراد فريقاً عالمياً وجب عليه أولاً أن يكون جمهوراً بعقلية عالمية.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...