بعد رحيله.. الغزيون يستعيدون أثر الأمير الوالد في مدينتهم

إيطاليا تلغراف متابعة

غزة- في مدينة اعتادت أن تفتح بيوت العزاء لأبنائها، فتحت هذه المرة بيت عزاء لرجل لم يكن من أهلها، لكنه ترك فيها أثراً يقول الغزيون إنه ما زال حاضراً في كل تفاصيل حياتهم.

على ركام منزل رئيس الوزراء الفلسطيني الراحل إسماعيل هنية في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، أقام الغزيون مجلس عزاء للأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. عُلّقت صوره، فيما ارتفع العلمان الفلسطيني والقطري فوق المكان، وتوافدت العائلات والعشائر وذوو الشهداء لتقديم واجب العزاء، مستذكرين سيرة رجل ارتبط اسمه في وجدانهم بمواقف ومشاريع امتدت آثارها إلى حياتهم اليومية.

نهج ممتد ومستمر

بين الحاضرين، وقف مختار العائلات رائد مصباح زقوت، الملقب بـ”أبو الشهداء”، يقول للجزيرة نت إن الغزيين لا يستعيدون سيرة الأمير حمد من خلال المواقف فقط، بل من خلال ما تركه على الأرض من مشاريع في قطاعات التعليم والصحة والسكن.

ويشير زقوت إلى أن ما بقي في ذاكرة الناس هو تلك المشاريع التي وفرت لكثير من العائلات مساكن، وفتحت أبواباً للعلاج والتعليم، معتبراً أن أثر الرجل لم يكن محصوراً في المباني، بل في الحياة التي ارتبطت بها تلك المشاريع.

أما عارف بكر، رئيس لجان الإصلاح بالتجمع الوطني، فينظر إلى رحيل الشيخ حمد من زاوية أوسع، مستعيداً مسار العلاقة القطرية مع القضية الفلسطينية.

ويضيف بكر للجزيرة نت أن الدعم القطري لغزة وفلسطين كان جزءاً من نهج ممتد منذ بداية عهد الأمير الوالد، ولم يكن مرتبطاً بمرحلة أو موقف عابراً، مشيرا إلى أن الفلسطينيين يستذكرون شخصية ارتبط اسمها بمحطات سياسية وإنسانية تجاوزت حدود المشاريع إلى الذاكرة السياسية للشعب الفلسطيني.

مساحة وفاء

وفي المكان نفسه، يرى علاء العكلوك، رئيس لجنة العشائر في قطاع غزة، أن إقامة مجلس العزاء فوق الركام تحمل دلالة خاصة؛ فالمكان الذي يشهد على حجم الدمار تحول إلى مساحة وفاء لرجل يقول إن الغزيين احتفظوا له بمكانة كبيرة.

ويعتبر العكلوك أن حضور العشائر والعائلات وذوي الشهداء يعكس مكانة الشيخ حمد في وجدان الناس، وأن اختيار الركام مكاناً للعزاء يحمل رسالة بأن أثر المواقف يبقى حتى في أكثر الأماكن التي أنهكتها الحرب.

لكن هذا الوفاء لم يكن وليد لحظة الرحيل، فذاكرة الغزيين أعادتهم إلى محطة بقيت حاضرة منذ أكثر من عقد؛ يوم وطئت قدما الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أرض غزة المحاصرة.

ففي عام 2012، كانت زيارته إلى القطاع أول زيارة لزعيم عربي إلى غزة بعد سنوات من الحصار، في مشهد حمل حينها رمزية سياسية وإنسانية كبيرة، وأعلن خلالها وقوف دولته إلى جانب القطاع.

وبعد 14 عاماً على تلك الزيارة، عادت الجزيرة نت إلى بعض الأماكن التي ما زالت تحمل آثار تلك المرحلة؛ من الجامعة الإسلامية التي احتضنت خطابه آنذاك، إلى مستشفى حمد للأطراف الصناعية، وشوارع غزة التي ارتبطت بمشاريع الإعمار في تلك السنوات.

في الجامعة الإسلامية، حيث ألقى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كلمته خلال زيارته التاريخية إلى غزة عام 2012، لا تزال تلك المحطة حاضرة في ذاكرة إدارتها.

ويستذكر رئيس الشؤون الإدارية في الجامعة الإسلامية بسام السقا تلك الزيارة، مؤكداً أن الشيخ حمد ترك أثراً في الجامعة من خلال إسهاماته، ومن بينها إنشاء مبنى الأنشطة الطلابية الذي حمل اسمه، إضافة إلى منحه الدكتوراه الفخرية تقديرًا لدوره وإسهاماته للشعب الفلسطيني وللمؤسسة التعليمية.

محطة مفصلية

ومن مقاعد الجامعة إلى شوارع المدينة، لم يبق أثر تلك الزيارة محصوراً في الكلمات التي ألقيت يومها، بل امتد إلى مشاريع غيّرت جزءاً من ملامح غزة، قبل أن تطالها الحرب الأخيرة.

يقول المهندس ناجي سرحان، المشرف على مشاريع الإعمار القطرية ووكيل وزارة الأشغال السابق، إن علاقة قطر بغزة تعود إلى سنوات طويلة، وإنها كانت من أوائل الجهات التي بادرت إلى تمويل عمليات الإعمار في القطاع.

ويستعيد سرحان للجزيرة نت زيارة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لغزة عام 2012، باعتبارها محطة مفصلية، أعقبتها منحة الأمير الوالد التي بلغت قيمتها 407 ملايين دولار، وشملت مشاريع متعددة، من بينها مدينة حمد السكنية التي ضمت نحو 2500 وحدة سكنية، ومدينة الأسرى، وتأهيل وتطوير طرقاً رئيسية مثل شارعي صلاح الدين والرشيد، إضافة إلى قصر العدل، وعمارات سكنية في مناطق مختلفة، ومستشفى حمد للأطراف الصناعية والتأهيل، ومشاريع للبنية التحتية وترميم منازل الفقراء.

ويضيف أن قطر واصلت دعمها لقطاع غزة بعد حرب عام 2014، من خلال مساهمات في إعادة الإعمار، كان من أبرزها تمويل بناء وحدات سكنية للمتضررين ضمن تعهدات بلغت نحو مليار دولار خلال مؤتمر إعادة إعمار غزة في القاهرة.

خلف كل مبنى قصة

لكن الحرب الأخيرة تركت آثارها على جانب كبير من هذه المشاريع؛ إذ يقول سرحان إن العديد منها تعرض للتدمير أو لأضرار كبيرة، بينها شوارع ومبانٍ سكنية ومرافق عامة، بينما لحقت أضرار جزئية بمستشفى حمد للأطراف الصناعية، معتبراً أن المشاريع التي غيّرت جزءاً من ملامح غزة تعرضت بدورها لدمار واسع.

لكن قيمة هذه المشاريع لم تكن في حجمها فقط، بل في أثرها على حياة الناس الذين وصلت إليهم، فخلف كل مبنى، هناك قصة إنسان استعاد شيئاً فقده.

كان من بين هؤلاء عمرو الحداد، الذي عاش بقدم واحدة لسنوات قبل أن يجد في أحد المشاريع التي حملت اسم الأمير القطري فرصة لاستعادة جزء من حياته.

أصيب الحداد خلال مسيرات العودة عام 2018، وخضع لأكثر من عملية جراحية في قدمه، لكنها لم تنجح، لتنتهي بعد 4 أعوام ببتر قدمه.

وظل عمرو عامين يتعايش مع فقدانها، قبل أن يتلقى اتصالاً من مستشفى حمد للأطراف الصناعية لتركيب طرف مجاني ضمن خدمات المستشفى لمبتوري الأطراف في غزة.

ويقول الحداد إن التجربة التي عاشها داخل المستشفى كانت مختلفة عن كل ما توقعه، مشيراً إلى مستوى الرعاية والكفاءات الطبية الموجودة فيه.

ويستذكر الرجل رحيل الأمير حمد بحزن، بعدما ارتبط اسمه بالنسبة إليه بمرحلة استعادت فيها حياته شيئاً من قدرتها على الحركة، ولذلك بقي اسم الشيخ حمد حاضراً في دعائه وذاكرته.

من شمال غزة إلى جنوبها، وما بينهما من طرق بقي اسم الشيخ حمد حاضراً في جغرافيا المدينة قبل ذاكرتها، ومحفوظاً على أنه القائد العربي الوحيد الذي رآه أهل غزة بينهم وعلى أرضهم حين خذلهم الجميع.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...