ولا تؤتوا السفهاء “أصواتكم”

 

 

 

 

 

د. محمد عوام

 

 

هذا العنوان هو جزء من آية كريمة في سورة النساء وهي قوله عز وجل: ﴿وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰما﴾ [النساء:5]. والآية ذكرت المال ولم تذكر غيره ﻷجل ضنة الناس به، وحبهم له، وشغفهم بجمعه، ثم لما للمال من أهمية قصوى في البناء والتعمير، مما يستوجب صيانته والمحافظة عليه، والحرص عليه من أن يقع بيد السفهاء، حتى لا يضيع، ويذهب سدى.

ومعلوم أن السفه خفة العقل، وفقدان الرشد الذي يحصل معه انعدام حسن التصرف، لأجل ذلك جاء في الشريعة التحجير على السفهاء، قال الإمام الطبري رحمه الله بعدما ساق أقوال العلماء في معنى السفيه، أو المعني بالسفهاء: “والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه عم بقوله: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم”، فلم يخصص سفيهًا دون سفيه. فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهًا ماله، صبيًا صغيرًا كان أو رجلا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى. و”السفيه” الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله، هو المستحقُّ الحجرَ بتضييعه مالَه وفسادِه وإفسادِه وسوء تدبيره ذلك”. (جامع البيان7/565 تحقيق محمود شاكر).

وقد جعلت الشريعة الرشد والتعقل معيار دفع المال، لمن كان من قبل يتيما صغيرا دون الحلم، فإذا آنس الأولياء الرشد منهم دفعوا إليهم أموالهم، وهذه أموالهم التي ورثوها، وليست أموال الشعب ومن خزينة الدولة وبيت مال المسلمين. قال تعالى: ﴿وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ﴾ [النساء: 6].

والمقصود من ذلك حماية المال، سواء كان مالا عاما، أو خاصا يتملكه الأفراد، لأن المال قوام الأعمال، وحفظه حفظ لإحدى الضروريات الخمس، التي اتفقت جميع الملل والشرائع على حفظها وصيانتها. وعن هذا الاتفاق يحدثنا الإمام الفيلسوف أبو حامد الغزالي رحمه الله بقوله: “ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة… وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق”. (المستصفى).

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: “فقد اتفقت الأمة -بل سائر الملل- على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل”. (الموافقات)

 والآية السالفة الذكر من سورة النساء تنص بدلالة النهي الصريح الواضح على عدم إيتاء السفهاء الأموال، ولا يخفى أن مقتضى النهي التحريم. والمال في منطق الشريعة، فإنما هو تحت تصرف المكلف، أمين عليه، ومستخلف فيه، لأن المالك الحقيقي هو الله عز وجل، فلا يجوز تبذيره فيما لا نفع فيه، فهو مرصود لإقامة مصالح الأمة الفردية والجماعية.

ولقد كان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم رعاة لهذه الأمة، قاموا برعايتها حقا، فصانوا كرامتها، وحفظوا أموالها، وحموا حياضها، فأقاموا العدل في أنفسهم وفي حكمهم وفي ذويهم وأقربائهم، بخلاف من جاء بعدهم، الذين حولوا الخلافة إلى ملك، فصاروا جباة، وعندها وقع الانحراف عن هدي الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، فنتج عن ذلك الحكم الوراثي والملك العاض، الذي عض الأمة في مقاتلها، فلا حافظ على دينها، ولا أبقى لها دنياها.

وهذا الفرق بين الرعاة والجباة هو ما حذر منه الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه في أول كتاب له إلى عماله. جاء فيه فيما نصه: “أما بعد فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة. وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة.

وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة، ولا يكونوا رعاة. فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء. ألا وإنّ أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم، فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم. ثم تثنّوا بالذمّة فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم. ثم العدو الذي تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء”. (مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة 528).

فإذا كان المال من الأهمية بمكان، وهي مكانة بلا شك، لا تخفى على أحد، أفلا يكون اختيار نواب الأمة، الذين يصوت عليهم الشعب من الخطورة بمكان، بحيث يقتضي الحيطة والحذر من أن يقع في غير محله، فيشمل بذلك سفهاء الأمة الكبار، الذين يأتون على مالها ومستقبلها، ويقفون سدا منيعا من أن تنال كافة حقوقها وكرامتها وحريتها، وأن ترتقي مثل غيرها من الأمم، فبهذا يكون اختيار نواب الأمة (التصويت) أمانة ومسؤولية أخلاقية، ودينية، ووطنية، وإنسانية، فلا يجوز شرعا إعطاؤه لمن لا يستحقه، وإلا عد خيانة للأمانة، بمعنى ينبغي التحجير على سفهاء وتجار الانتخابات، الذين جعلوا من ولوجهم قبة البرلمان أو المجالس الجماعية مصدر الاستغناء والاسترزاق والعبث بمقدرات وخيرات الأمة.

إن اختيار نواب الأمة ينبغي أن يكون عن وعي وتعقل ورشد وسداد، فلا جرم أنه ينبني عليه مصير شعب ودولة بأكملها، من هنا أفلا تكون الآية السالفة الذكر تقتضي ضمنيا عدم اختيار سفهاء الانتخابات وتجارها وأباطرتها الكبار، على اعتبار أن الاختيار في النهاية يؤول إلى العبث بالمال العام؟ فلا شك أن دلالتها واردة من حيث اللزوم.

 ثم أليس إيتاء الصوت لسفهاء الانتخابات كمثل المال الذي يؤتى لغيرهم بالاشتراك في صفة السفه؟ بلى، إنه في ميزان الموازنة أخطر من ذلك، من حيث حجم الضرر الذي يلحق بالشعب وبالوطن، من جراء الضرر وحجم الخسارة المتوقعة والواقعة -وهذا الذي حصل بالفعل منذ زمن غير يسير- بسبب اختيار المرشح السفيه. وأن من فعل ذلك بمنح صوته لهؤلاء المرتزقة، أو أعانهم فقد خان دينه ووطنه وشعبه، وساهم في نصرة المفسدين، ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾.

وكم من الناس لا يدرون، أو يجهلون حكم الله تعالى في اختيار من ينوب عن الأمة، أو الشعب في البرلمان، أو مجلس الشعب، ويعتقدون -بسبب العلمانية الكاسحة- أن ذلك لا علاقة له بالشريعة، ولا صلة له بأحكامها. والأمر بخلاف ذلك تماما، فاختيار النائب والتصويت عليه مسؤولية وأمانة، فإذا كان المترشح أمينا صادقا مخلصا كفؤا، حسن السيرة، مرضي الظاهر، لم يسبق منه فسوق أو فجور، لا يحمل أفكارا هدامة مناهضة للإسلام، فلا جرم أن مثل هذا يجب التصويت عليه، ونصرته، ودعمه. وأما من كان لصا محتالا، اشتهر بالفساد، وتبديد المال العام، كما هو الشأن في بعضهم، فهذا يحرم شرعا التصويت عليه، أو دعمه ولو بشطر كلمة، لأن بسبب هؤلاء السفهاء تخرب الأوطان، وتضيع حقوق الإنسان.

فالتصويت واختيار نواب الأمة في الانتخابات تشمله الأحكام الشرعية الخمسة المعروفة، وذلك بحسب طبيعة المرشحين، وبحسب انتمائهم الأيديولوجي، وبحسب ولائهم للأمة، وقدراتهم على العمل بجدية وإخلاص. وكل من رشح من يعلم أنه فاسد ومُفسد، ومنحه دعمه، فلا جرم أنه قد ارتكب إثما، ووقع في المحرم. فالشريعة جاءت بكلياتها ومقاصدها لجلب المصالح ودرء المفاسد، واختيار نواب الأمة هو وسيلة لتحقيق ذلك. فمن عدل عن هذا الميزان، فقد وقع في المحظور. وللعلامة المناضل علال الفاسي رحمه الله توجيها نفيسا في هذا، ألمع إليه في كتابه الفذ (دفاع عن الشريعة) بقوله: “وعلى الأمة الناخبة نفسها أن لا تعطي أصواتها لمن لا يستحق ذلك لجهله، وعدم قدرته على أداء واجب الخلافة (النيابة)، أو لقلة دينه ومروءته”. (ص105)

وأريد أن أنبه هنا إلى أمر ذي بال، أن الأنظمة المستبدة الطاغية، التي تستأثر بالثروات، وتهيمن على الحكم، وعلى الاقتصاد وخيرات ومقدرات البلاد، فإنها أكبر داعم للمرشحين السفهاء، فهم معاونوها ومساعدوها على الفساد والطغيان. ومع الأسف الشديد، فقد اجتمع على هذه الأمة سفهاء الحكام، وسفهاء نواب الأمة، فأصيبت في مقاتلها. فعلى العاقل الذي يرجو أن يلقى الله عز وجل، وهو راض عنه أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين، ومن الصلاح اختيار الأصلح.

وهذا المرشح الأصلح هو في عبادة، لقيامه بمصالح الناس، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دَيْنا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد – يعني مسجد المدينة شهرا – ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه، ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام” (المعجم الكبير للطبراني، وقضاء الحوائج لابن أبي الدنيا). والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

وعلى المتعبد بالعمل السياسي أن يعلم أنه مرابط في ثغر، ثغر إقامة مصالح الناس، وأجره في ذلك على قدر نيته وخدمته وتفانيه، فعليه أن يجدد نيته من حين لآخر، ويتعاهد ذلك. قال الإمام الغزالي رحمه الله: “فاعلم أن مراعاة مصالح العباد من جملة العبادة، بل هي أفضل العبادات. قال عليه السلام: ” الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ” (ميزان العمل ص383).

وختاما قال الله تعالى عن سيدنا موسى عليه السلام مخاطبا أخاه هارون: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [الأعراف: 142] فالنائب يخلف الشعب، فعليه أن يصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين. ومن الإصلاح أن لا يرشح الناس السفهاء، فإن هم فعلوا ذلك، فقد اتبعوا سبيل المفسدين. فصوتك أيها الناخب مسؤولية وأمانة، ستحاسب عنها يوم القيامة ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرا يَرَهُۥ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّة شَرّا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7-8].

والحمد لله رب العالمين

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...