توفيق شومان
كاتب وصحافي لبناني، محاضر في الإعلام وسياسات الشرق الأوسط، أصدر وأشرف على إصدار عدة كتب.
تتصدّر بلدتا زوطر الشرقية وزوطر الغربية (في الجنوب اللبناني) منذ أسابيع الاهتمام الإعلامي، وهما اللتان شهدتا إبادة عمرانية ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وأُدرجتا في نطاق “المناطق التجريبية” المفترض أن تنسحب القوات الإسرائيلية من بعضها، فيُضمّ المحرَّر منها إلى غير المحتلّ ضمن نسق أمني مؤدّاه أن تنتشر الوحدات العسكرية اللبنانية في المناطق موضع الاختبار، فيعود لبنان ليعانق بعضه بعضاً، وفق الرواية الرسمية المتبنّاة منذ 26 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، تاريخ التوصّل إلى اتفاق الإطار بين لبنان ودولة الاحتلال.
في “الدوائر السريانية في لبنان وسورية” (1939) للأب يوسف حبيقة، معنى “زوطر” في اللغة السريانية “ذبيحة وثن”، أي قربان الآلهة. وفي “أسماء المدن والقرى اللبنانية وتفسير معانيها” (1956) لأنيس فريحة، يرد أن “زوطر” تعني بالآرامية “الصغير والحدث”. ولا يحيد فريحة، في تفسيره السرياني، عن حبيقة، ويشرح المعنى بأنّ زوطر “ترد اسماً عَلماً بالسريانية، وتقدمةً للتماثيل من دقيق وسمن وعسل، وقد يكون تحريف أشطر وأقسام وحصص”. وهذا التحديد لمعنى زوطر أخذ به الشيخ سليمان الظاهر (1873– 1960) في كتابه “معجم قرى جبل عامل”، فيما أتى العلّامة يوسف البحراني (1695– 1772) على ذكرها بوصفها حاضرةً ومأهولةً ومعروفةً بين أبناء جيله.
مرجّح أنّ زوطر الغربية وزوطر الشرقية كانتا بلدةً واحدةً، على ما يقول الشيخ سليمان الظاهر، ثمّ انفصلت الشرقية عن شقيقتها بعد اتساع عمرانها المجاور. وفي الحالة الأمنية الراهنة، لم ينسحب جيش الاحتلال من الشرقية مع أنّها محتلّة. وعلى الرغم ممّا قيل عن إدخالها في المنطقة التجريبية الأولى، لم يخرج خبر عن جاهزية إسرائيلية لفكّ أسرها، لتنحصر أولى مناطق التجريب في بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا. وثلاثتها لم يدخلها الجيش الإسرائيلي، ولم تكن تحت الاحتلال. مع ذلك، قيل مجدّداً إنّ إنجازاً تحقّق ومكسباً حازه اللبنانيون، في وقت تنظر إسرائيل بعين متربّصة إلى الجيش اللبناني وطريقة عمله في مناطق الاختبار، وهي التي لا تثق مطلقاً بالمؤسّسة العسكرية اللبنانية، ولا تنفكّ تطالب بإجراء “إصلاحات” هيكلية في بنية الجيش اللبناني وقيادته.
النظرة الإسرائيلية إلى الجيش اللبناني ترتكز على تقييم يُخرج المؤسّسة العسكرية اللبنانية من دائرة الشراكة الأمنية المحتملة، إذا لم تطرأ عليها تعديلات هيكلية
تأسيساً على هذا، لا يخرج الحديث عن سبيل الصواب إنّ المناطق التجريبية “مادّة اختبار” لخرائط عمل الجيش اللبناني، ومقياسٌ لسلوكه وفق الأحكام الإسرائيلية. وهذا ما ترفضه قيادة الجيش، وتعتبره وصايةً منبوذةً غير قابلة للفرض على ضبّاطه وعناصره. وهذا ما يزيد الإسرائيليين حنقاً على مواقف الجيش وأنماط تفكيره، فيطالبون بمزيد من “الإصلاحات”، وصولاً إلى التدقيق في ولاءات عسكرييه وأسمائهم وأصولهم الاجتماعية، وما إلى ذلك.
من هذه الزاوية، لم يكن ضرباً من العبث ما أوردته صحيفة يسرائيل هيوم، المقرّبة من نتنياهو، في 22 يوليو/ تمّوز الجاري، أي قبل يوم من القمة الرئاسية اللبنانية – الأميركية، إذ جاء فيه أنّ نصف المنتسبين إلى الجيش اللبناني من مكوّن اجتماعي معيّن، وأنّ نسبة لا بأس بها من مكوّنات اجتماعية أخرى تطوّعت في الجيش عبر تسهيلات من قوى كانت متحالفةً مع حزب الله. وفي الحالتَين، يبدو ألّا جاهزية لهؤلاء لاتخاذ إجراءات صدامية مع الحزب. وهذا المقال حلقة من سلسلة مقالات ودراسات وأبحاث درجت المطبوعات والمراكز البحثية الإسرائيلية على نشرها طوال الأشهر الفائتة، ما يعكس رؤيةً في تل أبيب تصنّف الجيش اللبناني عائقاً أو جداراً يصدّ المتطلّبات الأمنية الإسرائيلية، التي تتقاطع عند خلاصة مفادها أنّ المؤسّسة العسكرية اللبنانية غير جديرة بالثقة المطلوبة لتوفير معايير الأمن طبقاً للتعريف الإسرائيلي.
وبالعودة قليلاً إلى ما قبل لقاء الرئيسَين اللبناني والأميركي، فإنّ من شان الاستشهاد بما كتبه ويكتبه الخبراء الأمنيون والعسكريون الإسرائيليون عن انتفاء الثقة بالجيش اللبناني أن يعزّز رأياً سائداً في لبنان، أنّ النظرة الإسرائيلية إلى الجيش ترتكز على تقييم يُخرج المؤسّسة العسكرية اللبنانية من دائرة الشراكة الأمنية المحتملة، إذا لم تطرأ عليها تعديلات هيكلية.
ترى تحليلات إسرائيلية أنّ نسبة وازنة من منتسبي الجيش اللبناني موالون لحزب الله ما يعيق تفكيك سلاح الحزب
وكان يعقوب لابين، المتخصّص في الشؤون الأمنية في معهد ألما المعني بالجبهة الشمالية قد كتب في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025: “إنّ توقّعات الغرب أن ينزع الجيش اللبناني سلاح حزب الله تتجاهل الحقائق الديموغرافية والاجتماعية التي طرأت عليه في العقد الماضي، أنّ ما بين 45 و60% من جنوده محسوبون على طائفة معيّنة، وهؤلاء أشبه بحصان طروادة داخل الجيش اللبناني”. وفي 1 ديسمبر/ كانون الأول 2026، نشر لابين دراسةً ثانيةً في المعهد نفسه، وأعاد استحضار ما كتبه في الدراسة الأولى. وفي الثالث من مارس/ آذار 2026، كتبت العقيد ساريت زهافي، في المعهد نفسه، عن منطقة جنوبي نهر الليطاني، فرأت أنّ هذه المنطقة يغلب عليها طابع اجتماعي معيّن، وأنّ نسبة 50% من الجيش اللبناني تنتمي إلى الفئة نفسها، وأنّ هذه النسبة لن تنفّذ قرارات الحكومة اللبنانية إذا مالت نحو سياسات إجرائية تتعارض مع قناعات حزب الله. وطاولت مطاعن زهافي قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، اسماً وشخصاً. وفي السابع من مايو/ أيّار 2026، كتب الخبير في شؤون الأمن القومي، العقيد كوبي مروم، في موقع القناة 12 العبرية، فقال إنّ لبنان يحتاج إلى قوّة متعدّدة الجنسيات لتفكيك سلاح حزب الله، ذلك أنّ 40% من ضبّاط الجيش اللبناني وجنوده ينتمون إلى طائفة محدّدة، وهؤلاء لن يواجهوا حزب الله. وطبقاً للقائد السابق للمنظومة الجوّية الإسرائيلية، العميد تسفيكا حايموفيتش، في مقال نشرته “يسرائيل هيوم” في 30 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، فإنّ 40% من عناصر الجيش اللبناني موالون لحزب الله، وقدرة السلطات اللبنانية على تفكيك سلاح الأخير موضع شكّ. ويعتقد النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي، العميد عيران ليرمان، بحسب قراءة بحثية له نشرها في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، في التاسع من يوليو/ تموز الجاري، أنّه في حال لم يتراجع حضور حزب الله في بيئة اجتماعية معروفة، يغدو من غير الواضح، ومن غير المعلوم، ما إذا كان الجيش اللبناني سينفّذ ما هو مطلوب منه في الاتفاق – الإطار الموقَّع بين لبنان وإسرائيل.
تعطي هذه العيّنات من الآراء الإسرائيلية إجابةً واضحةً عن سؤال شاع بعد استثناء بلدة زوطر الشرقية من المنطقة التجريبية الأولى. وهذا الاستثناء شبيه بالرسالة التي يُقرأ مضمونها من عنوانها، إذ ليس الغرض من الشروع في تطبيق التجربة على بلدات جنوبية غير محتلّة سوى إدخال الجيش اللبناني في غمار امتحان، أقلّ ما قد تقوله إسرائيل عن نتائجه إنّها لم تجد شريكاً أمنياً في لبنان، وبذلك تطيل أمد احتلالها، أو تخضع عمليات انتشارها الموعودة لأقدار الزمان. وفي وقائع قطاع غزّة وجنوبي سورية شواهد ومشاهد.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





