“لا حبة تراب من جبل طارق لإسبانيا”.. رئيس وزراء “الصخرة البريطانية” يتحدى مدريد والنخبة السياسية تلتزم الصمت بعد صخب سبتة
في العاشر من شتنبر الجاري، وقف فابيان بيكاردو، رئيس وزراء جبل طارق، أمام حشود احتفلت بالعيد الوطني للصخرة، ليلقي واحدا من أكثر خطاباته وضوحا بشأن السيادة والهوية، وينتقد بقوة إسبانيا.
وفي آخر احتفال له بالعيد الوطني لجبل طارق قبل مغادرة رئاسة الحكومة، قال إن جبل طارق سيبقى بريطانيا، وإن الاتفاق الجديد مع الاتحاد الأوروبي لم يتضمن “أي تنازل” عن السيادة، قبل أن يختم بالتأكيد أن الصخرة “لا تنتمي لأحد سوى لنا، نحن شعب جبل طارق”.
واستعاد بيكاردو استفتاء 1967، معتبرا أن أجيال جبل طارق اختارت الدفاع عن حقها في تقرير مستقبلها، كما كرر عبارة سبق أن جعلها محور خطابه السياسي خلال سنوات التفاوض: “لا حبة من أرضنا، ولا قطرة من مياهنا، ولا نفسا من هوائنا”، وربط ذلك بالاتفاق الجديد الذي بدأ تطبيقه مؤقتا في يوليوز الماضي، قائلا إنه يضمن انسيابية الحدود والاستقرار الاقتصادي من دون المساس بما وصفه بـ”السيادة البريطانية الخالصة”.
ولم يكن بيكاردو وحده في هذا الخطاب، فقد تلقى رسالة من الملك تشارلز الثالث أشاد فيها بصلابة مجتمع جبل طارق وارتباطه بالعائلة البريطانية، كما أكد رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام في رسالة أخرى أن التزام لندن بسيادة بريطانيا على جبل طارق وبمبدأ تقرير المصير “راسخ”، متمسكا بقاعدة “لا شيء عن جبل طارق من دون جبل طارق”.
هذه التصريحات تمس مباشرة واحدا من أقدم النزاعات الإقليمية في السياسة الخارجية الإسبانية، فالموقف الرسمي لمدريد لا يزال يعتبر جبل طارق “مستعمرة” مدرجة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي في الأمم المتحدة، ويطالب باستعادة السيادة عليه.
وتعود جذور النزاع إلى سنة 1704، عندما احتلت قوات أنغلو-هولندية جبل طارق أثناء حرب الخلافة الإسبانية، قبل أن تتنازل إسبانيا بموجب المادة العاشرة من معاهدة أوترخت سنة 1713 عن المدينة والقلعة والميناء والتحصينات التابعة لها للتاج البريطاني، وتؤكد مدريد أن البرزخ والمياه المحيطة لم تكن ضمن ما تم التنازل عنه.
ومع ذلك، لم يُقابل خطاب بيكاردو، خلال الأيام التالية، بتعبئة سياسية أو شعبية في إسبانيا مماثلة لما شهدته البلاد قبل أسابيع في ملف سبتة، فمراجعة المواقف المنشورة بعد خطاب 10 شتنبر لا تُظهر ردا مباشرا بارزا من قيادة الحكومة أو الحزب الشعبي أو فوكس على تصريحات بيكاردو نفسها، رغم أن الصحافة الإسبانية غطت الخطاب والاحتفالات.
وهنا تبرز مقارنة النقاش داخل إسبانيا حول تصريحات رئيس وزراء جبل طارق، وتصريحات وزراء في الحكومة المغربية حول مدينة سبتة، ففي أعقاب أزمة الهجرة التي شهدتها المدينة نهاية يوليوز، خرجت مظاهرات كبيرة رُفعت خلالها شعارات من قبيل “سبتة إسبانية”، ثم امتدت التعبئة إلى مدن إسبانية أخرى، كما نظمت “أسطول تضامن” من نحو مائة قارب حمل الأعلام الإسبانية قبالة سبتة.
وفي الثاني من شتنبر، خرج آلاف الأشخاص في مدن مختلفة استجابة لدعوات للتضامن مع المدينة، في حين لا يوجد أي رد فعل حول تصريحات فابيان بيكاردو حينما قال أن “لا حبة من أرضنا، ولا قطرة من مياهنا، ولا نفسا من هوائنا”، يمكن آن يمسّ “السيادة البريطانية الخالصة” على الصخرة.
هذا التفاوت في التعبئة يطرح سؤالا سياسيا أكثر مما يقدم جوابا جاهزا، حول لماذا تتحول سبتة بسرعة إلى قضية تعبئة شعبية وحزبية وإعلامية، بينما يمر خطاب معلن من جبل طارق يؤكد رفض أي سيادة إسبانية من دون حراك جماهيري مماثل؟
وقد يكون تفسير هذا التفاوت أعمق من مجرد اختلاف السياق القانوني بين سبتة وجبل طارق، وبحسب قراءة عدد من المراقبين، تحمل قطاعات من النخبة السياسية والإعلامية الإسبانية إرثا تاريخيا ثقيلا في علاقتها بالمغرب وشمال إفريقيا، وهو ما يجعل قضايا سبتة ومليلية تُستحضر في الداخل الإسباني بكثير من الحساسية والتعبئة، مع التشديد المستمر على اعتبار المدينتين جزءا من التراب الإسباني، رغم موقعهما الجغرافي في القارة الإفريقية.
غير أن النبرة نفسها تخفت بصورة واضحة عندما يتعلق الأمر بجبل طارق، الذي كان تحت السيادة الإسبانية قبل أن تستولي عليه القوات الأنغلو-هولندية سنة 1704، ثم تتنازل إسبانيا عنه للتاج البريطاني بموجب معاهدة أوترخت سنة 1713.
ويرى مراقبون أن ميزان القوى يمثل عنصرا أساسيا في تفسير هذا التباين، فالمواجهة هنا ليست مع المغرب، وإنما مع بريطانيا، القوة العسكرية والنووية والعضو الدائم في مجلس الأمن، فضلا عن تشابك الملف مع الاتحاد الأوروبي ومصالح اقتصادية واجتماعية واسعة على جانبي الحدود.
ومن هذا المنظور، يصبح الخطاب الإسباني أكثر براغماتية وحذرا، لأن إعادة فتح ملف السيادة على جبل طارق بمنطق التصعيد قد تضع مدريد أمام ملفات تاريخية وقانونية وسياسية ثقيلة، في وقت اختارت فيه الحكومة الإسبانية الحالية إدارة النزاع بالتفاوض والتعاون العملي بدلا من تحويله إلى مواجهة شعبية وإعلامية مفتوحة.
لكن مع ذلك، تبقى المفارقة قائمة، حيث تعلن إسبانيا رسميا أن جبل طارق قضية تتعلق بوحدتها الترابية وإنهاء وضع استعماري، بينما لا يظهر هذا الخطاب في الشارع والسياسة والإعلام بالحدة نفسها التي تظهر عندما يتعلق الأمر بسبتة.
وبين الموقف الرسمي والمزاج الشعبي، يكشف خطاب بيكاردو أن ملف جبل طارق ما زال مفتوحا سياسيا، حتى وإن بدا أقل قدرة على إشعال الداخل الإسباني مما تفعل أزمات أخرى مرتبطة بالحدود والسيادة.
المصدر: الصحيفة





