المجال الجوي للصحراء ومواقف شركاء سانشيز وتصريحات الحزب الشعبي.. ملفات تضع العلاقات المغربية الإسبانية على حافة الانفجار في أي لحظة

إيطاليا تلغراف متابعة

فجأة، ودون سابق إنذار، لم تعد عطلة الصيف ولا احتفالات عيد العرش التي اختار الملك محمد السادس إقامتها هناك، هي موضوع الساعة في عمالة المضيق – الفنيدق، وذلك بعدما سرقت جحافل المهاجرين غير النظاميين الأنظار وهم يقتحمون سبتة بكل الطرق الممكنة.. سباحةً، وعبر السياج الحدودي البري، وحتى من خلال الأسوار المتاخمة لمدخل المدينة، التي كانت حكرا على حاملي الجنسية الإسبانية أو التأشيرة أو بطاقات الإقامة.

هذه المرة، وعلى عكس ما حدث قبل خمس سنوات، اختارت الرباط ومدريد التعامل مع “الأزمة” بعيدا عن منطق تبادل التهم أو التصريحات المُتشنجة، ودون أن يُحمِّل أي طرف للآخر المسؤولية بخصوص ما جرى، ليتفقا بسرعة على عودة جميع المهاجرين غير النظاميين الذي اقتحموا المدينة، إلا أن ذلك لم يمنع من تناسل القراءات حول دوافع ما جرى، والتساؤل حول ما إذا كان الأمر يتعلق بـ”قرصة أذن جديدة” من المغرب لإسبانيا.

المجال الجوي للصحراء.. الملف المعلق

ورغم أن العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد تبدو وكأنها تعيش أفضل فتراتها، وهو ما يُصر عليه وزيرا خارجية البلدين، ناصر بوريطة وخوسي مانويل ألباريس، في تصريحاتهما، إلا أن هناك قضايا لا تزال عالقة منذ اللقاء الذي جمع الملك محمد السادس برئيس الوزراء بيدرو سانشيز في الرباط، بتاريخ 7 أبريل 2022.

هذا الاجتماع، تلاه بيان مشترك يتضمن خارطة طريق للعلاقات الثنائية، تنص النقطة الأولى منها على ما يلي “تعترف إسبانيا بأهمية قضية الصحراء بالنسبة للمغرب، وبالجهود الجادة وذات المصداقية للمغرب في إطار الأمم المتحدة لإيجاد حل متوافق بشأنه”، وتضيف “في هذا الإطار، تعتبر إسبانيا المبادرة المغربية للحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 هي الأساس الأكثر جدية وواقعية وصدقية لحل هذا النزاع”.

هذا الأمر مرتبط ارتباطا وثيقا بنقاط أخرى، تنقل الموقف الإسباني من نطاق الكلام الدبلوماسي إلى مجال التحرك العملي لتنزيله، والحديث هنا عن النقطة السادسة التي تقول “سيتم تفعيل مجموعة العمل الخاصة بتحديد المجال البحري على الواجهة الأطلسية، بهدف تحقيق تقدم ملموس”، في إشارة إلى ترسيم الحدود البحرية بين أقاليم الصحراء وجزر الكناري.

أما النقطة الأكثر تعقيدا، فهي السابعة، والتي تنص على أنه “سيتم إطلاق مباحثات حول تدبير المجالات الجوية”، في إحالة على مساعي الرباط لتولي تدبير المجال الجوي للصحراء، والتي لا زالت موكولة إلى إسبانيا رغم خروجها من المنطقة منذ أكثر من 50 عاما، وهو ملف ظل عصيا على الحل طيلة أكثر من أربع سنوات.

وفي منتصف يوليوز الجاري، حدث أمر زاد من غضب الرباط تجاه تأخر مدريد في حسم هذه المسألة، وذلك حين صادق البرلمان الأوروبي على بروتوكول تكييف اتفاقية الطيران الأورومتوسطية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، والتي استثنت بشكل صريح أجواء الأقاليم الصحراوية، باعتبار أن إسبانيا هي التي تتولى إدارة مجالها الجوي.

شركاء سانشيز المُعادون للرباط

شركاء سانشيز في الائتلاف الحكومي، يُعتبرون أيضا جزءا من المشكلة مع المغرب، فتحالف “سومار” الذي تقوده يولاندا دياث، النائبة الثانية لرئيس الوزراء، له مواقف مُعادية لمصالح الرباط، ليس فقط تلك التي تدعم الطرح الانفصالي في الصحراء، في معاكسة علنية للموقف الرسمي لمدريد، ولكن أيضا الإصرار على المزاعم المرتبطة بتجسس الأجهزة الاستخباراتية المغربية على مسؤولين إسبان، من بينهم سانشيز نفسه.

وقبل أسابيع أعادت المجموعة البرلمانية لـ”سومار” ملف العلاقات الأمنية بين مدريد والرباط إلى الواجهة، بعدما دعت الحكومة الإسبانية إلى سحب الأوسمة التي سبق أن منحتها لعبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، مطالبة في الوقت نفسه بتوضيحات حول مزاعم تربط المغرب باستخدام برنامج “بيغاسوس” للتجسس على مسؤولين إسبان.

واستندت المبادرة، التي أتت في سياق نشر مؤسسة “فوربيدن ستوريز” شهادات جديدة بخصوص قضية الاتسخدام المفترض لبرنامج “بيغاسوس” من طرف الرباط، إلى معطيات تتحدث عن تعرض مئات الهواتف في إسبانيا لهجمات إلكترونية خلال الفترة الممتدة بين ماي 2018 ويونيو 2019.

واعتبر “سومار” أن الاشتباه في تعرض هواتف مسؤولين سياسيين وأمنيين للاختراق يثير تساؤلات بشأن فعالية منظومة الأمن السيبراني الإسبانية، معتبرة أن الأمر يستوجب مراجعة التعاون مع مسؤولي الأجهزة الأمنية المغربية وتحديد المسؤوليات المحتملة، وهو موقف يصر عليه أقصى اليسار الإسباني رغم عدم وجود أي تأكيد أمني وقضائي رسمي من طرف مدريد.

وتتعارض مطالب “سومار” مع مواقف رسمية سابقة، إذ أكد جهاز مكافحة التجسس الإسباني في تقرير له عدم وجود مؤشرات على تدخل المغرب في الشؤون الداخلية لإسبانيا، كما خلصت أجهزة الاستخبارات سنة 2022 إلى استبعاد أي مسؤولية مغربية عن اختراق هواتف أعضاء في الحكومة.

وكانت السلطات الإسبانية قد كرمت حموشي مرتين تقديرا للتعاون الأمني بين البلدين، إذ منحته سنة 2014 وسام الصليب الشرفي للاستحقاق الأمني بتميز أحمر، قبل أن يحصل في نونبر 2025 على وسام الصليب الأكبر للاستحقاق التابع للحرس المدني، وهو أعلى وسام تمنحه هذه المؤسسة الأمنية لشخصيات أجنبية.

هل هي رسالة للحزب الشعبي؟

من ناحية أخرى، لا تبدو الرباط مرتاحة أيضا لمواقف وتصريحات الحزب الشعبي اليميني، غريم الحزب الاشتراكي العمالي، والذي يرغب في العودة إلى السلطة في مدريد إثر الانتخابات البرلمانية المنتظرة سنة 2027، حيث يصر الحزب على استعمال ورقة المغرب كثيرا، بشكل يشي بأن الصدام قادم بين الطرفين لا محالة.

زعيم الحزب الشعبي، ألبيرتو نونيث فييخو، الذي يقدم نفسه في إسبانيا باعتباره رئيس الوزراء المقبل، سبق أن أعلن أنه سيتراجع عن الموقف الحالي لحكومة سانشيز الداعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساس الحل في الصحراء، وذلك من أجل ما وصفه بـ”إعادة التوازن لعلاقات إسبانيا مع المغرب والجزائر”.

ويتجاهل الحزب الشعبي أنه هو الذي يتولى حاليا رئاسة الحكومة المحلية في سبتة ومليلية، وهو أمر يعيه جيدا رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، الذي تميل تصريحاته أكثر إلى الديبلوماسية والاتزان، بل والإشادة بالتعاون مع الرباط في المجال الأمني، وفي المقابل فإن خوان خوسي إمبرودا، رئيس حكومة مليلية يستعمل قاموسا آخر، يروج إلى أن استمرار تشديد الإجراءات الجمركية على البضائع في المدينتين يمثل “حصارا اقتصاديا” يفرضه المغرب الراغب في استعادتهما.

في نهاية المطاف، تبقى سبتة، الموجودة بمحاذاة منطقة مغربية ذات كثافة سكانية عالية وذات إكراهات اقتصادية واجتماعية معقدة منذ إنهاء نشاط التهريب المعيشي، هي المدينة التي تؤدي ضريبة أي خلل، مقصود أو عفوي، في مراقبة الحدود البرية والبحرية، وهو تماما ما حصل سنة 2021، حين قرر المغرب رفع يديه عن ضبط الهجرة غير النظامية لمدة 48 ساعة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...