من اقتحامات 2021 إلى تدفقات 2026.. عندما تتحول “حدود” سبتة إلى مرآة تعكس اختلالات اجتماعية وأزمات اقتصادية عجزت الحكومات المتعاقبة عن حلها
عادت مدينة سبتة خلال الساعات الأخيرة إلى واجهة الأحداث، بعدما شهدت، أمس الأربعاء واليوم الخميس 30 يوليوز 2026، موجة جديدة من محاولات الهجرة غير النظامية انطلاقا من السواحل المغربية، في تطور استنفر السلطات الأمنية على جانبي الحدود، وأعاد إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.
وبينما تواصل الرباط تعزيز إجراءاتها الميدانية لإحباط محاولات العبور، وجدت مدريد نفسها مجددا أمام تحديات لوجستية وأمنية مرتبطة باستقبال المهاجرين وإيوائهم، في مشهد استحضر لدى كثيرين أحداث ماي 2021، عندما شهدت سبتة أكبر موجة اقتحام جماعي في تاريخها الحديث.
وإذا كانت الظروف السياسية والأمنية المحيطة بكل من الحدثين تختلف من حيث السياق والمعطيات، فإن التزامن الزمني يفرض نفسه بقوة، ففي ماي سنة 2021 اندلعت أزمة سبتة الكبرى بينما كانت حكومة سعد الدين العثماني تقترب من نهاية ولايتها، قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية التي أفرزت أغلبية جديدة بقيادة عزيز أخنوش.
واليوم، وبعد خمس سنوات، تتجدد محاولات الهجرة الجماعية في ظرفية مشابهة، حيث لم يعد يفصل الحكومة الحالية سوى أسابيع عن انتهاء ولايتها والدخول في الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وهو ما جعل عددا من المتابعين يلاحظون هذا التقاطع الزمني دون الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين الأمرين.
بيد أن مجرد التشابه في التوقيت لا يكفي للقول إن الحالتين متطابقتان، فموجة الهجرة لماي سنة 2021 جاءت في سياق أزمة دبلوماسية حادة بين الرباط ومدريد عقب استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي بهوية مزورة للعلاج، وهو ما أدى إلى توتر غير مسبوق في العلاقات الثنائية آنذاك، قبل أن تدخل لاحقا مرحلة جديدة من الانفراج عقب تغيير مدريد موقفها من قضية الصحراء المغربية سنة 2022، أما الأحداث الجارية اليوم فتأتي في ظل علاقات سياسية وأمنية توصف بأنها من أفضل مراحلها خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار التنسيق الوثيق بين البلدين في ملفات الهجرة ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ولعل هذا الاختلاف يجعل القراءة السياسية للأحداث الحالية أكثر تعقيدا، إذ يصعب ربطها بأزمة دبلوماسية أو بقرار سياسي معين وهو ما أكده مصدر دبلوماسي مغربي اليوم الخميس 30 يوليوز في تصريح لوكالة الأنباء الاسبانية نافيا أن يكون تدفق المهاجرين على ثغر سبتة مرتبطا بزيارة سانشيز الأخيرة للجزائر، بقدر ما تدفع نحو البحث في الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى، رغم إدراكهم للمخاطر القانونية والإنسانية التي تحيط بهذه الرحلات.
وبذلك، فإن التشابه بين المرحلتين يتمثل في أن ملف الهجرة يعود بقوة للنقاش العمومي، باعتباره من الملفات التي تكشف بصورة مباشرة مدى قدرة السياسات العمومية على توفير شروط العيش الكريم، وإقناع الشباب بإمكانية بناء مستقبلهم داخل الوطن بدل البحث عنه خارجه، حيث أن عودة المشاهد نفسها بعد خمس سنوات تفتح الباب أمام نقاش يتجاوز البعد الأمني، ليشمل حصيلة السياسات الاجتماعية والاقتصادية ومدى انعكاسها على الواقع اليومي لفئات واسعة من المواطنين.
وبعيدا عن التطورات الأمنية، يرى عدد من الباحثين أن استمرار الظاهرة يعكس أزمة أعمق من مجرد الرغبة في الهجرة، إذ ترتبط أساسا بشعور جزء من الشباب بانسداد الأفق، في ظل استمرار معدلات البطالة، خصوصا وسط حاملي الشهادات، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب اتساع الفوارق الاجتماعية بين الفئات والمجالات الترابية.
كما أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت خلال السنوات الأخيرة عاملا مؤثرا في تغذية هذه الظاهرة، بعدما تحولت إلى فضاء لتبادل الدعوات إلى الهجرة الجماعية ونشر صور النجاح المفترض للمهاجرين في أوروبا، بما يخلق لدى كثير من الشباب انطباعا بأن الهجرة تمثل الطريق الأسرع لتحسين أوضاعهم الاجتماعية، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر.
وورغم أن المغرب أطلق خلال السنوات الأخيرة أوراشا اجتماعية كبرى، من بينها تعميم الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر والإصلاحات المرتبطة بالمنظومة الصحية، فضلا عن مشاريع استثمارية ضخمة في البنيات التحتية والصناعة والطاقة، غير أن آثار هذه البرامج لا تزال، وفق تقديرات، تحتاج إلى وقت أطول حتى تنعكس بصورة ملموسة على الفئات الأكثر هشاشة، خاصة في المناطق التي تعاني من محدودية فرص الشغل.
ويذهب آخرون إلى أن ظاهرة الهجرة غير النظامية لا يمكن اختزالها في الحالة المغربية وحدها، باعتبارها تمثل تحديا يهم مختلف دول جنوب المتوسط، في ظل استمرار الفوارق الاقتصادية بين الضفتين، وتزايد الطلب على اليد العاملة في عدد من الدول الأوروبية، فضلا عن تأثير شبكات تهريب البشر التي تستغل هشاشة الأوضاع الاجتماعية لاستقطاب مزيد من المرشحين للهجرة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن السلطات المغربية واصلت، منذ الساعات الأولى للأزمة، تنفيذ تدخلات واسعة بمدينة الفنيدق والمناطق الساحلية المجاورة، عبر تكثيف الدوريات الأمنية، وإغلاق عدد من المسالك المؤدية إلى البحر، واعتراض محاولات العبور قبل وصول أصحابها إلى الشريط الساحلي، في إطار التعاون الأمني القائم مع الجانب الإسباني.
وواجهت سلطات سبتة ضغطا متزايدا بعد وصول مجموعات من المهاجرين إلى المدينة سباحة، واضطرت إلى تعبئة مختلف أجهزتها الأمنية والإنقاذية، في وقت تحدثت فيه وسائل إعلام إسبانية عن بلوغ مراكز الاستقبال طاقتها القصوى وذهب بعضها الى إعلان انهيارها.
المصدر: الصحيفة





