حين يتوارى المجد… تتجلّى العظمة..

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

ما أعظم المفارقة حين يرفع البعض أنفسهم إلى مقام المجد، فيقول مفاخراً: «للمجد خُلِقتُ، وما خُلِقَ المجدُ المؤثَّلُ إلا لأمثالي.»

بينما يقف ملكٌ عظيم من طراز الكبار، في قامة التواضع ورسوخ المسئوليّة، ليقول: «لم أبحث يومًا عن مجد شخصي، ولا عن اعترافٍ بدورٍ ريادي على المستوى القاري أو الدولي؛ بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم.»

ولعل التراث العربي قد لخّص هذا التمييز بين السعي إلى المكاسب الزائلة والتطلع إلى المعالي في قول امرئ القيس:
َلَوْ أَنَّمَا أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ؛
كَفَانِي وَلَمْ أَطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المَالِ..
وَلَكِنَّما أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ؛
وَقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالِي..

غير أن المجد في ميزان رجال الدولة الذين يتميزون بنكران الذات المؤسساتي، لا يُنال بادعائه، ولا يتحقق بترديده، وإنما تُقيمه الأعمال، وتزكّيه المنجزات، وتخلّده خدمة الأوطان.

تلك هي السِّمة التي تميز القادة العظام؛ فلا يلهثون وراء الألقاب، ولا يستمدون مكانتهم من عبارات المديح، لأن التاريخ هو الذي ينطق بإنجازاتهم، والأوطان هي التي تشهد لهم بما شيدوه من صروح التنمية والعزة والكرامة.

ولذلك، فإن ما يلفت الانتباه في خطاب جلالة الملك محمد السادس ليس قوة البيان فحسب، وإنما سمو المعنى؛ إذ يجعل خدمة الوطن أمانة، ويجعل المواطن محور كل مشروع، ويعتبر أن ما تحقق لم يكن فضل فرد، ولا ثمرة صدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وعمل دؤوب، ومتابعة دقيقة، ونقد ذاتي بنّاء، وإيمان راسخ بأن نهضة الأمم والشعوب تُبنى بالصبر والإرادة واستشراف المستقبل.

إن العظمة الحقة لا تُقاس بما يقوله الإنسان عن نفسه، وإنما بما يقوله عنه أثره في وطنه، وبما تشهد به أعماله في واقع الناس.

فكم من متبجّحٍ تغنّى بالمجد، ولم يترك وراءه إلا الكلمات والخطابات والسرديّات، وكم من قائدٍ متواضعٍ كتب اسمه في سجل التاريخ بما أنجز، لا بما ادعى.

وهكذا يظل التواضع، حين يقترن بعظمة المسؤولية وصدق العمل، أبلغ من كل مديح، وتبقى خدمة الوطن أسمى مراتب المجد؛ لأنها مجدٌ لا يُطلب ابتداءً، وإنما يجيء تلقائيًا ثمرةً للإخلاص والوفاء، وحسن الاضطلاع بأمانة المسؤولية.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...