هناك شعبوية لأنه ليس لدينا شعب

إيطاليا تلغراف متابعة

كتب الفيلسوف الإيطالي ماريو ترونتي مطلع الألفية تنظيرا معقدا حول الشعبوية، استكمله في العام 2012 في مقالته الشهير “عشرون عاما من الشعبوية بلا شعب”.

بالنسبة لترونتي فإن المحرك الرئيسي للشعبوية هو غياب الشعب، وهي مقاربة من وجهين: الأول غياب الشعب كمفهوم سياسي، أي ذلك الشعب الذي يتخلق سياسيا من خلال صراع الطبقات، الأحزاب، والنقابات. الوجه الثاني لمقولة ترونتي هو غياب الشعب بالمعنى البيولوجي، أي اختفاؤه إثنوغرافيا.

سهلت الديمقراطية الليبرالية، تماما كما الدكتاتورية، عملية إخفاء الشعب من قبل النخب الثرية، ذات امتيازات النفوذ والمال.

من المثير أن الدكتاتورية والليبرالية تلتقيان هنا، ففي الحالين: اختفى الشعب كمفهوم سياسي لصالح نخبة صغيرة لا تسيطر على الممتلكات وحسب، بل على السياسة أيضا. الدولة النيوليبرالية باتت رهينة السوق، تتبنى مصالحه وطموحاته، وتكيف الشروط والقواعد لصالحه.

عجز الدولة أمام نخب السوق أعاد الفرد إلى ذلك الشعور القديم بالعبودية على طريقة أقنان القرون الوسطى، فالدولة هنا مجرد مناخ، ومتاهة من التعقيدات البيروقراطية. أثناء الصدام بين مجتمع الصناعة والرئيس الأمريكي روزفلت، في موجة الكساد الكبير، وضع المتحدث باسم الصناع ساقا على ساق وقال لموفدة روزفلت: “أنا ستون مليون دولار، فمن أنت؟”.

أمام هذا التلاشي تبرز الشعبوية التي ستدعي أن هدفها الأساسي ليس إصلاح النظام السياسي، وإنما إعادة إنتاج الشعب سياسيا، وتحريره من الأعداء الخارجيين والمحليين.

تحاول الحكومة الألمانية الراهنة الترويج للهجرة الماهرة. حتى يكون بمقدورها الاحتفاظ بمكانها كثالث أكبر اقتصاد في العالم عليها أن تضخ أنهارا من القوة الحية في أسواقها على نحو سنوي، وهذا ليس بالأمر اليسير

ثمة اتفاق عام بين المفكرين السياسيين على أن الشعبوية، ممثلة في تيارات الهوية، هي انعكاس لمعضلة حقيقية وقعت فيها الديمقراطية الليبرالية. تكمن الأزمة هنا في صعوبة احتواء الظاهرة، وأيضا في التعقيدات البنيوية التي تجعل من مسألة إصلاح الحياة الليبرالية، القائمة على الاستهلاك والإنتاج، مسألة صعبة المنال.

المعنى الآخر لمقولة ترونتي حول الشعبوية في غياب الشعب، هو تلاشي الشعب بالمعنى البيولوجي المادي. لنأخذ هذا المثال الذي يطرحه سارازين، الكاتب الألماني، في كتابه “ألمانيا على سكة مائلة”: في العام 1964 أنجبت ألمانيا حوالي 1.2 مليون طفل. بالتأكيد يقصد هنا “أطفالا بيضا”.

في العام 2024، أي بعد ستة عقود، هبط عدد المواليد إلى النصف، في حدود 600 ألف طفل. نصف هؤلاء المواليد من أصول مهاجرة. عملية حسابية بسيطة تضع “الألماني الأبيض” أمام حقيقة مروعة.

الآلة البيولوجية الألمانية لم تعد تنتج سوى ربع إنتاجها قبل ستين عاما. انهار معدل خصوبة المرأة الألمانية إلى حدود 1.4 طفل للمرأة الواحدة، وكان المعدل في حدود 5.4 أطفال في العام 1800.

أمام هذه الوقائع ابتكر بيون هوكه، رئيس حزب “البديل من أجل ألمانيا” بولاية تورجنجيا، مصطلح “الإبدال السكاني”. بعض لوحات الدعاية الانتخابية لسياسيي الحزب تأخذ شكل امرأة بيضاء حامل مكتوب تحتها “أطفال؟ سننجبهم نحن”.

سنأخذ ألمانيا حالة دراسة، ولنقف على بيانات مؤسسة “ستاتيستا” (Statista) المرموقة، للعام 2025. في العام 2023 وُلد 693 ألفا و19طفلا. مقابل هذه الولادات توفي  1.02 مليون، بناتج عجز سكاني سلبي مقداره 334 ألفا و897 شخصا. هذه الخسارة السكانية الكبيرة تعادل مدينة متوسطة الحجم. الخارطة السكانية ماضية في هذا الاتجاه منذ أعوام، حيث تختفي مدينة كل عام.

وفقا لمؤسسة “ستاتيستا” فقد هبط معدل المواليد من 9.4 أطفال لكل ألف من السكان في العام 2002 إلى وضع راهن شديد الخطورة، حيث معدل المواليد لا يتجاوز 6.4 لكل ألف من السكان.

الشعب البيولوجي يتلاشى عمليا وفقا لهذه الأرقام، ويستبدل إثنوغرافيا من قبل جينات وافدة. للشعبوية مهمة حاسمة هنا، إذ عليها أن “تستخرج الشعب الحقيقي من داخل هذا الشعب التجريبي” كما تقول ناديا أوربيتاني في “أنا الشعب”.

تبدو هذه الحقيقة الديمغرافية أكثر أثرا في المجال السياسي من أي شيء آخر. على هذه المسألة تنهض قضايا الهوية والتاريخ والشعب الأصلي. مفهوم الشعب الأصلي يعيدنا مرة أخرى إلى ترونتي، فالتيارات الشعبية هي في طبيعتها رسولية، هكذا تدعي، تخوض صراعا مع الغرباء ومع المؤسسات السياسية القائمة دفاعا عن شعب على الحافة، عن أمة تخضع للإبدال، وعن ثقافة تحتضر.

لن يكون من قبيل السخرية، في هذا السياق، أن يخرج ريتشارد دوكنز، أبرز الأصوات الملحدة في أوروبا في الخمسين عاما الأخيرة، ليحذر في بودكاست من انحسار المسيحية عن أوروبا.

أنا مسيحي ثقافيا، يقول، والمسيحية الثقافية  بحسب ما يرى هي أرقى ما أنتجه الحس البشري السليم من قيم. تضرب الشعبوية في كل جانب، من كل جانب.

الآلة البيولوجية الألمانية لم تعد تنتج سوى ربع إنتاجها قبل ستين عاما. انهار معدل خصوبة المرأة الألمانية إلى حدود 1.4 طفل للمرأة الواحدة، وكان المعدل في حدود 5.4 أطفال في العام 1800

في جنوب القارة الأوروبية، إيطاليا على سبيل المثال، انحدرت معدلات الخصوبة إلى ما دون الـ6 أطفال لكل ألف من السكان. لنجرِ الحساب بصيغة أخرى لمزيد من التوضيح: 100 شخص في هذا الجيل سيصبحون 35 في جيل قادم، ثم 13 في الجيل الذي سيليه.

يقول التقرير السكاني للأمم المتحدة، 2015، إنه بحدود العام 2100 سيشكل الأفارقة السود ربع سكان العالم. ما من سبيل أمام المجتمعات الليبرالية الحديثة لتجديد نفسها، فلكي يحدث هذا الأمر لا بد من مستوى خصوبة يتجاوز 2.1 طفل لكل امرأة، وهو رقم لا تسجله أي دولة حديثة من اليابان حتى أمريكا.

تحت هذا الضغط “البيولوجي” تبدو الشعبوية طريقا إجباريا، فهي تقدم وعدا بإعادة إنتاج الشعب، ولو بالمعنى السياسي.
ثمة شعبوية لأنه ليس هناك شعب، قال ترونتي.

تحاول الحكومة الألمانية الراهنة الترويج للهجرة الماهرة. حتى يكون بمقدورها الاحتفاظ بمكانها كثالث أكبر اقتصاد في العالم عليها أن تضخ أنهارا من القوة الحية في أسواقها على نحو سنوي، وهذا ليس بالأمر اليسير.

التعقيدات البيروقراطية والحيوية/البيولوجية تحول دون أن تلبي ألمانيا طموحاتها معتمدة على العنصر الألماني، على وجه الخصوص والبلد ماض في طريقه إلى الشيخوخة التي ستلتهم خزائنه في القريب. ينادي السياسي “الليبرالي” بالهجرة، بينما يرى السياسي الشعبوي في الهجرة تهديدا وجوديا لمفهوم الشعب الأصلي. إنها إبدال سكاني، بتعبير هوكه.

يجري الصدام هنا بين مستويين من الأمن: الأمن الثقافي، والأمن الاقتصادي. بين ألمانيا الاقتصادية وألمانيا العرقية، بين أنا ونحن. الـ“أنا” هنا هي الهوية، الـ”نحن” هي السوق الليبرالية. ليس بمقدور ألمانيا “البيولوجية” أن تواكب التحديات الحداثية بمفردها، لا بد من ألمانيا متعددة ومتنوعة (كوزموبوليتانية)، منفتحة، ومرنة. في شرق ألمانيا وضعت استطلاعات الرأي حزب “البديل من أجل ألمانيا”، الشعبوي الفاشي، في مقدمة الصفوف بنسبة تتجاوز الـ40%.

وعوده كثيرة وفضفاضة، يتعلق جانب كبير منها باستعادة الشعب كذات تاريخية. بحسب هوكه، القائد الشعبوي الأشهر، فإن بلاده لن تتضرر لو خسرت ربع سكانها. اختار النسبة بعناية، فربع الألمان هم من أصول مهاجرة.

في عملها “أنا الشعب، كيف حولت الشعبوية مسار الديمقراطية، ترجمة دار الساقي” تذهب ناديا أوربيتاني إلى أن الحياة الليبرالية أجرت عملية تفتيت شاملة للهوية الجماعية، حولت البشر إلى مستهلكين، ألغت الجماعة وفككتها إلى أفراد، وفي المحصلة خنقت المعنى ثم قضت عليه.

هنا يتسع المكان للتيارات الشعبوية، وحركات الهوية، لتأخذ على عاتقها مهمة إعادة خلق المعنى والهوية والجماعة، والإجابة عن سؤال من نحن، ولماذا نعيش؟

تتجلى أزمة المجتمع الليبرالي الحديث في شقين جدليين: اختفاء الجماعة، واختفاء الفرد. هذه المعضلة مثيرة في الواقع، فالجماعة تختفي كمفهوم ثقافي لصالح التعددية والكوزموبوليتانية.

أما الفرد فيصبح موظفا، مستهلكا، دافع ضرائب، بلا تاريخ. يتلاشى، يتضاءل، يستبدل بفرد آخر قادم من خارج الحدود، لا يشترط عليه أن يكون جزء من تاريخ البلاد ولا ثقافتها، يكفي لأن يكون دافع ضرائب، ومستهلكا جيدا. هذه السيولة الليبرالية هي الوقود الأحفوري للحركات الشعبوية التي لم يعد بالإمكان إيقافها. فلولا غياب الشعب لما كانت هناك شعبوية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...