سوسن جميل حسن
كاتبة وروائية سورية.
الوجه أكثر من مجرّد تفاصيل تشريحية ومزيج من الملامح. إنّه نافذة مفتوحة على أعمق مشاعرنا من الداخل، وعلى الآخرين من الخارج، ويمتلك أهمّيةً كبيرةً في تحديد معالم هُويّتنا الإنسانية، تمتدّ أهميته من تمثيل الذات إلى التواصل الاجتماعي. لذا، يمكننا عدّه مرآة لهُويّتنا؛ فهو يعكسنا كما نحن، ويعكس الصورة التي نعرضها للعالم. ومن الوجه يبدأ الحوار مع الآخر ومسؤوليتنا تجاهه، وتُبنى المعاني الاجتماعية. الوجه هو المكان الذي يجمع بين الفردانية القصوى والاجتماع الإنساني. إنّه الهُوية والآخرية. ويفيدنا علم النفس الشكلي بأنّ ملامح الوجه ليست عشوائيةً أو منفصلةً عن دواخلنا، بل تعكس طريقتنا في التفكير والشعور والتفاعل مع العالم. وهو وسيلة قوية للاتصال غير اللفظي؛ فتعبيراتنا الوجهية ونظراتنا وحركاتنا تُفسَّر من الآخرين، وتنقل معلومات مهمّة عن نيّاتنا ومشاعرنا، ولغة الوجه عالمية، وغالباً ما تتجاوز الحواجز اللغوية.
وبالنسبة إلى المتخصّصين في دراسة لغة الجسد، يحلّلون حركة كلّ عضو أو جزء، بل كلّ عضلة من عضلات الوجه. وقد راجت استضافتهم في العديد من المنابر الإعلامية لتحليل لغة جسد شخصية ما، وأكثر الشخصيات تعرّضاً لهذا التحليل هي الشخصيات السياسية. وانطلاقاً من أنّ الوجه وسيلة قوية للاتصال غير اللفظي، طُوّرت لغة خاصّة بالبكم، هي لغة الإشارة التي لا يمكن التعبير فيها من دون الوجه.
وإذا ما قرأنا الآية الكريمة: “وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ” (النحل: 58)، لفهمنا قيمة الوجه ودوره في حمل ثقافتنا ومكنونات نفوسنا وقيمنا، ومدى حاجتنا إلى التفكر فيها وغربلتها، كي تكسب وجوهنا ملامح الرضا، ونشعر بالسكينة الروحية لما نحمله من مبادئ الخير في أعماقنا. فببلاغة القرآن، وبكلمتَين فقط، أشارت الآية إلى حالة مذمومة تعكس مشاعرَ تأكل صاحبها: مشاعر الحزن والغمّ والغيظ، إلى حدّ التواري خجلاً من فعلة يراها مذمومةً، بينما الأنثى من خلق الخالق (“تعالى الله عمّا يصفون”).
شكّل الوجه مسرحاً لممارسات أنظمة شمولية، من أضيقها إلى أكثرها اتساعاً
إنّه العتبة الأولى لتحديد الشخص وتمييزه فرداً مستقلّاً عن الآخرين. فمن دون الصورة الشخصية، صورة الوجه تحديداً، لا يمكن اعتماد أيّ وثيقة هُويّاتية، من البطاقات الشخصية التي تبدأ بالبطاقات الوطنية المعتمدة في كلّ دولة، ويحملها المواطن لإثبات شخصيته، إلى بطاقات الانتساب إلى أيّ مجموعة أو منظّمة أو نادٍ أو مدرسة أو مجموعة عمل، وصولاً إلى ما لا يمكن عدّه من أماكنَ تتطلّبُ بطاقات عضوية، وانتهاءً بوثائق السفر التي غالباً ما تعتمد معاييرَ محدّدةً لصور الوجه المعتمدَة.
ولأهمّية الوجه منذ القدم، شكّل الوجه مسرحاً لممارسات أنظمة شمولية، من أضيقها إلى أكثرها اتساعاً، فاستُخدم الوجه لفرض ثقافة ما أو انتماء ما، كالانتماء إلى قبيلة أو جماعة دينية أو عصابة. كذلك استُخدم وصمةً أيضاً عند تحديد هُويّة العبيد أو السجناء.
يمكن الحديث كثيراً عن الوجه وأهمّيته الإنسانية، لكن ما هو مهمّ بالنسبة إلى هذه المقالة هو الوجه الأنثوي في سورية، وكيف يُستخدَم حاملاً لفرض وعيٍ عامٍّ وثقافة شمولية تنحّي الثقافات الأخرى كلّها التي تخصّ مكوّنات الشعب السوري المعروف بتعدّده تاريخياً، وتصهر المجتمع في بوتقة واحدة تمحو الخصوصيات الثقافية، وتطمس أيّ ملمح للفردانية فيه. فنحن نرى سلوكيات ومظاهر عديدة تُشاع في المجتمع، سواء بالدعوات أو بالتوجيه الديني أو بالأوامر الإدارية والقرارات التي تصدر عن بعض المسؤولين الرسميين في بعض المناطق. فعلى سبيل المثال شاعت حملات الدعوة إلى “اللباس الشرعي” وتوزيعه على الفتيات من “مؤسّسة الذهبي” في مناطق متنوعة من المدن السورية. كذلك صدر قرار بمنع وضع المكياج في أماكن العمل، وهذا أيضاً على سبيل المثال. أمّا آخرها، فكان ما صدر عن الهيئة العامة للثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة بفرض لباس خاصّ للموظفات، بشكل لا يظهر معه من جسد المرأة غير الوجه والكفَّين. وكذلك إعلان جلسة علمية طبّية في مدينة حماة بالتعاون بين وزارة الصّحة ونقابة الأطباء، إذ أظهر “البوستر” الإعلاني للمؤتمر الطبّي صور الأطبّاء الرجال المشاركين فيه، بينما وُضعت رسوم وجوه نسائية تحت أسماء الطبيبات، رسوم لوجوه نسائية إمّا بالحجاب أو بالنقاب، وكأنّ “البوستر” يحمل إعلاناً صريحاً عن هُويّة بصرية تُروَّج في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية والمهنية في سورية.
ليست المرأة السورية في أحوال جيّدة، على الرغم من الأعباء التي حملتها، في فترة العقد ونصف العقد الماضية
يثير هذا أسئلة كثيرة عن هذه الصور البصرية التي تُشهر في المجال العام، في غياب الموقف الرسمي. فما المقصود بهذه الممارسات؟ وهل محاصرة المرأة بهذه الطريقة، مع الترقّي في أدوات حصارها والحدّ من نشاطها المجتمعي بتقييدها في صور وقوالب نمطية، تجعل من جسدها مؤشّراً إلى الأخلاق وحاملاً للقيم والفضيلة بحجبها وراء أغطية تخفي كثيراً من ملامحها الإنسانية، وتخدم المجتمع أو تسهم في تطويره؟
ليست المرأة السورية في أحوال جيّدة، على الرغم من الأعباء التي حملتها، في فترة العقد ونصف العقد الماضية، والأدوار التي قامت بها لخدمة الأسرة والمجتمع، بل تُدفع باستمرار إلى خطوط خلفية ومتراجعة في الترتيب الاجتماعي والإنساني، وفي الأدوار التي يمكنها القيام بها، وتُزَجّ تباعاً في خانة عطالة تزداد رسوخاً، ما يشكّل خطراً ليس عليها فحسب، بل على المجتمع كلّه، وعلى مستقبل سورية التي تحتاج إلى علاج من آثار الحرب، التي أتت على كلّ شيء في السنوات الماضية، من أجل النهوض. فالمرأة أمٌّ إضافة إلى أنّها نصف المجتمع، والأمُّ هي الحاضنة الأولى والمربّية الأولى، والنافذة الأولى التي يطلّ منها الطفل على الحياة والعالم الخارجي، فتتشكّل أولى رموز وعيه. فإذا كانت هذه هي صورة المرأة التي تتخلّق في وعيه، فسيتطوّر جيل لديه تصوّر مسبق عن مكانة المرأة في المجتمع وترتيبها فيه، وعن دورها الوظيفي المختصَر والمحاصَر؛ جيل يسبّح بحمد الذكورية والتفوّق القائم على التمييز الجندري.
بقاء المرأة دريئةً تُصوَّب إليها سهام التسلّط والتغييب من المجال العام يعثّر نهوض المجتمع
السياق المهني يشكّل بيئةً يلعب فيها التواصل دوراً حاسماً في الأداء والتماسك والرضا في العمل. والتواصل الفعّال في إطار المؤسّسة أو مكان العمل لا يسمح بتداول المعلومات والمساهمة في إنجاز العمل فقط، بل يخلق جوّاً من الثقة، الثقة بالنفس وبالآخر، والانخراط والتحفيز. وهو يؤثّر في الإنتاجية وإدارة الموارد البشرية، وكذلك في القدرة على الابتكار والتكيّف مع التغييرات. ولكن إذا بقيت المرأة دريئةً تُصوَّب إليها كلّ سهام التسلّط والتغييب من المجال العام، وفُرضت قيود على استقلاليتها والشعور بذاتها وفرديتها، فإنّ النهوض بالمجتمع وتطويره سيبقيان متعثّرَين، بل سيسهم ذلك في استباحة المرأة والاعتداء عليها بذرائع متنوّعة، لا تُستثنى منها ذريعة الاختلاف في الانتماءين الطائفي والثقافي، واستسهال الاعتداء عليها. وهذا ما نلحظ ازدياده وتفشّيه في المجتمع بسبب خطف النساء وارتكاب الجرائم بحقّهن، وهو ما تجاوز حالياً الخطف والاعتداء على مكوّنات بعينها، ليتمادى في معظم المناطق والمجتمعات السورية.
هذه الممارسات والإجراءات كلّها تدلّ على الهيمنة على المجتمع وفرض هُويّة جمعية شاملة ليست في صالح الشعب، وتؤثّر بشدّة في تعافي المجتمع، عدا أنّها تصدّر صورة إلى الخارج عن وضع المرأة السورية بما يتعارض مع المطالب التي تطرحها الدول الغربية على النظام الحالي من أجل الاستمرار في دعمه، وتسهيل رفع العقوبات عن الشعب السوري. وهذه الدول لا تكتفي بالتقارير التي تُرفع إليها أو الصور التي تُصدَّر رسمياً، بل لديها أقنيتها الخاصّة في رصد الواقع.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





