رحم الله مكريم عبد الجبار.. المغربي الذي ترك بصمته في ذاكرة ميلانو

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

هناك أشخاص يمرون في حياة المدن دون أن تلتقطهم كتب التاريخ لكنهم يتركون وراءهم أثرًا لا يختفي بسهولة. أشخاص لم يبحثوا عن الأضواء ولم تكن غايتهم أن تُعلّق أسماؤهم على أبواب المؤسسات وإنما اختاروا أن يكونوا في المكان الذي توجد فيه القضايا والناس والأسئلة الصعبة. مكريم عبد الجبار واحد من هؤلاء. برحيله تفقد ميلانو واحدًا من أبناء الجيل المغربي الذي لم يكتفِ بالعيش فيها بل شارك في صناعة جزء من حياتها المدنية والاجتماعية وخصوصًا في مرحلة كان فيها حضور المهاجرين لا يزال يبحث عن الاعتراف والمكان والصوت.

جاء مكريم عبد الجبار من الدار البيضاء إلى ميلانو في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. كانت تلك سنوات مختلفة تمامًا عن اليوم فقد كانت الهجرة المغربية إلى إيطاليا تتوسع وتتكلل بالتحديات فيما كانت المؤسسات الإيطالية نفسها تحاول فهم واقع اجتماعي جديد فرض نفسه كجزء من نسيج المدينة. في تلك المرحلة المبكرة كان عبد الجبار من بين الوجوه المغربية البارزة التي اقتحمت فضاء الحوار المؤسساتي حيث شارك بفعالية في مجلس الجاليات الأجنبية الذي أنشأته البلدية ليكون جسراً للتواصل بين الإدارة والجاليات المتنامية. ولم يكن ذلك الحضور بروتوكوليًا قط فقد اختار الرجل طريق العمل الميداني وظل ملاصقًا للقضايا الأكثر إلحاحًا كالحت في السكن ومكافحة العنصرية والاندماج والبيئة والعدالة الاجتماعية. وبالنسبة إليه كانت هذه القضايا مترابطة لا تتجزأ فالمهاجر لم يكن مجرد يد عاملة لسد حاجة اقتصادية مؤقتة بل إنسانًا كامل الكرامة والحقوق وشريكًا حقيقيًا في بناء المجتمع.

لا تستطيع الأجيال المغربية الجديدة في إيطاليا اليوم أن تتخيل حجم الصعوبات التي واجهها الجيل الأول لترسيخ هذا الحضور فقد كان عليهم مواجهة صور نمطية قاسية وإثبات أن وجود المهاجر هو حضور مدني وثقافي وليس عابرًا. ولم يحصر مكريم عبد الجبار نشاطه في قضايا أبناء وطنه فحسب بل امتد ليدافع عن هموم المهاجرين عمومًا والفئات المهمشة. وقد برز اسمه بوضوح في النقاشات الكبرى حول الإسلام وأماكن العبادة من خلال عمله مع جمعية القافلة Al Qafila حيث طالب بأن يكون الحوار المؤسساتي شاملًا لمختلف مكونات المجتمع المسلم رافضًا اختزال الجالية في كتلة واحدة صوتًا واحدًا ومؤمنًا بأن قوة الجالية تكمن في تنوعها واختلاف حساسياتها.

وفي شهادات من عرفوه تبرز إنسانية الناشط بوضوح فقد كان مكريم معتزًا بجذوره وثقافته المغربية وفي الوقت ذاته منفتحًا بعمق على المجتمع الإيطالي. لقد آمن بأن الانتماء للوطن الأم لا يتعارض أبداً مع المواطنة الفاعلة في بلد الإقامة بل يغنيها. ولم يكن رجل شعارات بل كان رجل ميدان عمل في المجال التربوي والاجتماعي مع الفئات الضعيفة مؤمنًا بأن القضايا الكبرى تُبنى دائمًا من تفاصيل حكاية إنسان يعاني التهميش أو الإقصاء.

إن السؤال الحقيقي اليوم لا يقتصر على من كان مكريم؟ بل يتعداه إلى ماذا ترك لنا؟ لقد ترك تجربة جيل آمن بأن المهاجر يستطيع أن يكون مواطنًا فاعلًا وصاحب قرار وترك درساً بليغاً في التضامن المتجاوز لحدود الجالية نحو قضايا حقوق الإنسان الكبرى وترك إرثًا من القدرة على الاختلاف الراقي فقد كان رفيقاً وصديقاً للجميع لا يحول الاختلاف في الرأي إلى عداوة.

إن رحيل الرعيل الأول يفرض علينا مسؤولية كبرى تتمثل في حفظ الذاكرة. فالجيل الجديد الذي وجد أمامه المدارس والجامعات والمؤسسات والجمعيات يجب أن يدرك أن هذا الحضور لم يأتِ من فراغ بل وراءه دماء وعرق وجهد رجال ونساء واجهوا العنصرية بصلابة وكان مكريم عبد الجبار في طليعتهم. فالذاكرة ليست مجرد حنين بل هي وعي ومعرفة ومن لا يعرف جذور طريقه، قد يضيع اتجاهه.

رحم الله مكريم عبد الجبار وألهم محبيه الصبر والسلوان. ويبقى الوفاء الحقيقي لروادنا هو مواصلة كتابة تاريخنا باعتزاز وتذكير الأبناء بأن آثار الأقدام التي تسيرون عليها اليوم حفرها بصدق رجال كبار رحلوا بصمت وتركوا أثراً لا يزول.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics