إصلاحات ميلوني المدرسية: بين هواجس الهوية ومعضلات الاندماج الواقعي في إيطاليا

 

 

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

تشهد الساحة السياسية والاجتماعية في إيطاليا نقاشاً متصاعداً حيال مستقبل السياسات التعليمية بعد أن اختارت حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني المؤسسة المدرسية لتكون مسرحاً رئيسياً لإعادة صياغة ملف اندماج المهاجرين. وفي بلد يقع في قلب التفاعلات المتوسطية ويعاني من استقطاب حاد حول هويته الثقافية والدينية تثير الحزمة الأخيرة من المقترحات الحكومية أسئلة جوهرية تتجاوز البعد التربوي البحت لتلامس بنية الاندماج الاجتماعي والاطار الدستوري للبلاد.

تتمحور إحدى أبرز التوصيات الحكومية حول وضع حد أقصى لنسبة الطلاب غير الحاصلين على الجنسية الإيطالية داخل الفصول الدراسية مبررة ذلك بضرورة حماية كفاءة التحصيل العلمي وتسريع اكتساب اللغة. ورغم أن الهدف المعلن يتمثل في تفادي تكوين تكتلات لغوية معزولة إلا أن القراءة الميدانية تكشف عن مصاعب بنيوية جمة فالتوزيع المدرسي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالخريطة السكنية والديموغرافية للمدن الكبرى. إن فرض قيود رقمية صارمة في أحياء تشهد كثافة للمهاجرين قد يضع الإدارات التعليمية أمام مآزق لوجستية معقدة فضلاً عن احتمال اصطدام هذه الإجراءات بالمبادئ الدستورية التي تكفل حق التعليم المتساوي للجميع دون تمييز مكاني أو اجتماعي بينما يحذر خبراء التربية من أن غياب استثمار حقيقي في دعم البنى التحتية للمدارس وتخصيص موارد إضافية للمعلمين قد يحول هذه القيود إلى عوائق إضافية بدلاً من أن تكون حلولاً ناجعة.

وفي المقابل يتجاهل هذا النهج الحكومي حقيقة جوهرية تتمثل في أن الأجانب من مختلف الجنسيات ممن اختاروا الاستقرار في إيطاليا أو ولدوا على أرضها يشكلون رافداً أساسياً للقوة الاقتصادية والثقافية والتنوع المجتمعي. فبدلاً من صياغة تشريعات منصفة تحفز الاندماج الحقيقي وتضمن المساواة الكاملة لأطفال ولدوا هنا وآباء يكدحون ويدفعون الضرائب ويسهمون في بناء الاقتصاد ورفع راية إيطاليا في المحافل الدولية والرياضية العالمية تعود حكومات اليمين لتغذي خطاباً استقطابياً موسمياً مع كل استحقاق انتخابي تحاول من خلاله حجب الشمس بالغربال والادعاء عبثاً بأن مشاكل إيطاليا تكمن في المهاجرين وهو ظلم واجحاف في حق البلد. وحري بالحكومة أن تلتفت إلى الأزمات البنيوية الملحة التي تواجه المواطن الإيطالي نفسه بدءاً من تفشي البطالة والفقر مروراً بتداعي المنظومة الصحية وصولاً إلى نزيف الكفاءات الشابة من خريجي الجامعات الذين يصطدمون بواقع مرير وانعدام لفرص التوظيف والشغل فيضطرون مجبرين إلى الهجرة نحو دول أوروبية وأمريكية بحثاً عن مستقبل يحميهم بعد أن عجزت روما عن تأمينه لهم متسائلين عما قُدم فعلاً لمن يصارع لتأمين مصاريف تعجزه عن بلوغ منتصف الشهر عوضاً عن استنزاف الوقت في معارك هوية جانبية لا تُسمن ولا تغني من جوع.

في السياق ذاته يمتد التوجه الحكومي ليشمل محيط الطالب الأسري من خلال طرح اشتراط إتقان اللغة الإيطالية لأولياء الأمور الذين يُصنفون ضمن خانة صعوبات الاندماج. وبينما تبدو الفكرة العامة داعمة لتشابك الأسرة مع المسار التعليمي لأبنائها فإن التحدي الأكبر يكمن في غياب المعايير والآليات التنفيذية الواضحة لتحديد هذه الصعوبات. فمثل هذه الاشتراطات إن لم تقترن ببرامج دعم حكومية مجانية ومتاحة على نطاق واسع قد تحول الإجراء إلى عبء إداري وشكلي إضافي بعيداً عن أهدافه الحقيقية في تذليل العقبات الثقافية واللغوية.

إلى جانب ذلك يبرز البعد الأيديولوجي والثقافي بوضوح في المقترح المتعلق بحظر ارتداء النقاب والبرقع داخل المؤسسات التعليمية وهو إجراء صحيح ونتفق معه تماماً نظراً للاعتبارات الأمنية الملحة وضرورة كشف الوجه للتعرف على الهوية ورفض كل مظاهر التطرف أو استغلال المرأة المرتبطة بتغطية الوجه. غير أن الخلط المتعمد بينه وبين الحجاب العادي يمثل مغالطة واضحة فالحجاب لباس يدخل في صميم الهوية الشخصية والدينية للمرأة المسلمة ولا يشكل بأي حال من الأحوال تهديداً للمجتمع ولا مخالفة للقانون بل إنه لا يختلف في جوهره ورمزيته الدينية عن لباس الراهبات اللائي يعشن في قلب المجتمع الإيطالي. هذا الملف يعيد إحياء النقاش المزمن في إيطاليا حول حدود حرية الفرد والرموز الدينية مقابل مقتضيات النظام العام والعلمانية الإيطالية متجاهلاً صراحة المادة 19 من الدستور الإيطالي التي تكفل بوضوح حق كل فرد في حرية المعتقد وممارسة شعائره الدينية بحرية. غير أن المقاربات الحقوقية والبحثية غالباً ما تذكر بأن معالجة القضايا الهوياتية تتطلب موازنة دقيقة تحافظ على السلم الاجتماعي واحترام الدستور وتتجنب تحويل المدارس إلى ساحات لتسجيل المواقف السياسية على حساب الاندماج السلس.

من منظور تحليلي أشمل يعكس التحرك الحكومي الأخير رغبة واضحة لدى الائتلاف الحاكم في الحفاظ على تماسك قاعدته الانتخابية من خلال إبقاء ملف الهجرة والأمن الثقافي في صدارة الاهتمام الوطني. بيد أن نجاح أي سياسة عامة في هذا المجال الحساس لا يمكن أن يتحقق عبر التدابير الزجرية وحدها بل يستلزم رؤية استراتيجية شاملة تدمج الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية وتتعامل مع التنوع الديموغرافي بوصفه واقعاً هيكلياً يحتاج إلى إدارة رشيدة لا إلى إقصاء رمزي. وفي نهاية المطاف يبقى الرهان الحقيقي أمام صانع القرار الإيطالي معقوداً على إيجاد معادلة منصفة تجمع بين متطلبات الاندماج الفعال واحترام الحقوق الأساسية بما يضمن استقرار النسيج المجتمعي ويحفظ السلم الأهلي على المدى الطويل.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics