مليارات في الفنادق وعوائد محدودة.. كيف تحولت “مضايف” إلى اختبار مكلف لحكامة أموال CDG؟

إيطاليا تلغراف متابعة

تطرح الحصيلة المالية لشركة “مضايف”، الذراع السياحية لصندوق الإيداع والتدبير، سؤالا يتجاوز أداء مجموعة فنادق إلى طريقة تدبير استثمارات بمليارات الدراهم من طرف مؤسسة مالية عمومية مؤتمنة على موارد وادخارات منظمة.

فبعد سنوات من إعادة الهيكلة وتغيير طرق التدبير وافتتاح فنادق جديدة والاستعانة بعلامات دولية، تكشف الحسابات المنشورة أن الطريق إلى مردودية تتناسب مع حجم الأموال المستثمرة ظل طويلا، رغم تسجيل تحول إيجابي محدود في حسابات 2024.

وتكشف الأرقام المنشورة عن مفارقة لافتة في حصيلة “مضايف”، إذ تعلن الشركة أن حجم استثماراتها بلغ نحو 17 مليار درهم، موزعة على محفظة تضم ست شركات تابعة، مقابل رقم معاملات إجمالي معلن في حدود 3.8 مليارات درهم.

وفي المقابل، تظهر حسابات صندوق الإيداع والتدبير أن كلفة مساهمته المباشرة في “Madaef Tourisme” بلغت 13.141 مليار درهم، وهو حجم استثمار يضع مسألة العائد المحقق في صلب تقييم التجربة ككل.

فحين تُعبأ مليارات الدراهم في نشاط سياحي على مدى سنوات، يصبح السؤال الاقتصادي الأساسي هو مدى قدرة هذه الاستثمارات على إنتاج مردودية تتناسب مع حجم الأموال المجمدة والمخاطر التي تحملها الصندوق، خصوصا في ظل تسجيل خسائر وإعادة هيكلة متكررة داخل عدد من الشركات والأصول التابعة للمجموعة خلال السنوات الماضية.

والأرقام السنوية تكشف حجم الصعوبة التي تعيشها “مضايف”، حيث في 2021 سجلت الشركة رقم معاملات بـ476.1 مليون درهم، مقابل نتيجة استغلال سالبة بـ173.5 مليون درهم، وفي 2022 قفز رقم المعاملات إلى 850.6 مليون درهم، لكن عجز الاستغلال، بدلا من الانخفاض، اتسع إلى 263.8 مليون درهم، أي تدهور بنحو 52 في المائة مقارنة بالسنة السابقة رغم نمو النشاط، وهذه أرقام مضايف نفسها وليست نتائج شركة الإدارة الفندقية التابعة لها.

كما أن الوضع كان أكثر حدة في بعض الفروع، ففي 2021 سجلت “شركة تنمية السعيدية”، التي كانت مضايف تمتلك 66 في المائة منها، خسارة صافية بلغت 812 مليون درهم، في سنة استثنائية تأثرت أيضا بتداعيات الجائحة.

وفي 2022، وبعد زيادة رأسمال الشركة من 1.9 إلى 3.5 مليارات درهم، بلغت إيراداتها 66 مليون درهم فقط، مقابل نتيجة استغلال سالبة بـ133 مليون درهم وخسارة صافية بـ117 مليون درهم.

وفي السنة نفسها سجلت شركة تهيئة وتطوير محطة تغازوت “SAPST”، التي تمتلك مضايف 45 في المائة منها، رقم معاملات بـ 300.6 مليون درهم، لكنها أنهت السنة بخسارة صافية قدرها 82.3 مليون درهم، أما “Madaëf Golfs” فسجلت رقم معاملات لم يتجاوز 19.1 مليون درهم، ونتيجة استغلال سالبة بـ48.7 مليون درهم وخسارة صافية بـ34.3 مليون درهم، مما يكشف ضعف المردودية بين عدد من مكونات الفرع السياحي.

هذا، وجاءت سنة 2023 ببعض التحسن، لكن دون الانتقال إلى الربحية على المستوى المجمع، فقد حققت مضايف 1.298 مليار درهم من رقم المعاملات المجمع للأصول قدره 934 مليون درهم، لكنها أنهت السنة بنتيجة صافية مجمعة سالبة بـ 101 مليون درهم.

وفي العام نفسه سجلت “Madaëf Management” خسارة صافية بـ7.25 ملايين درهم، فيما خسرت “Madaëf Sports & Events” نحو 22.5 مليون درهم، واضطرت الأخيرة إلى إطلاق عملية إعادة هيكلة تضمنت ما يسمى محاسبيا “عملية أكورديون” لإعادة تكوين رأسمالها الذاتي.

سنة 2024، ووفق أحدث جدول مفصل لمساهمات CDG، المنشور ضمن وثائق منتصف 2025 مستندا إلى حسابات 31 دجنبر 2024، سجلت لـ”Madaef Tourisme” ربحا صافيا بـ 50.8 مليون درهم، وهذه عودة مهمة إلى المنطقة الإيجابية، لكنها تبدو محدودة عند مقارنتها بحجم رأسمال واستثمارات المجموعة.

والأهم أن صندوق الإيداع والتدبير كانت لا تزال تحمل على مساهمتها مؤونة انخفاض قيمة بـ4.019 مليارات درهم، مقابل كلفة اقتناء بـ13.141 مليار درهم، لتصبح القيمة المحاسبية الصافية للمساهمة 9.122 مليارات درهم، أي أن المؤونة تعادل نحو 30.6 في المائة من كلفة المساهمة، وهي ليست “خسارة نقدية” بقيمة أربعة مليارات، لكنها مؤشر محاسبي بالغ الأهمية على انخفاض القيمة الذي أخذه الصندوق في حساباته.

وهذه النتائج لا تأتي من فراغ، فالمجلس الأعلى للحسابات سبق أن سجل أن النشاط السياحي لـ CDG حقق خلال 2008-2017 نتائج سلبية ومساهمة سالبة بصورة هيكلية في نتيجة المجموعة، وتحدث عن “ضعف المردودية رغم أهمية الاستثمارات”.

وفي عينة من عشر شركات سياحية، وجد المجلس خسائر متراكمة وعجزا في التمويل الذاتي، فيما مثل الدين في المتوسط 90 في المائة من مجموع ميزانياتها، كما انتقد غياب تأطير كاف للاستثمار بمعايير مثل الحد الأدنى للمردودية، والحد الأقصى للمخاطر، وأفق الاستثمار واستراتيجية الخروج.

واللافت أن إعادة الهيكلة الحديثة لم تُنه تماما هذا الإرث، ففي يناير 2024 وُضعت أربعة فنادق تابعة للمحفظة في مسار التفويت والبحث عن مستثمرين، هي “Semiramis” و”Tichka” بمراكش و”Tichka” و”Riad Salam” بورزازات، في إطار إعادة هيكلة المحفظة الفندقية.

وتزداد أهمية سؤال المردودية لأن القطاع السياحي المغربي نفسه عرف خلال السنتين الأخيرتين طفرة غير مسبوقة، حيث بلغ الناتج الداخلي الإجمالي السياحي 116.2 مليار درهم في 2024، بارتفاع قدره 38.4 في المائة مقارنة بسنة 2019، لترتفع مساهمته في الناتج الداخلي الإجمالي الوطني من 6.8 إلى 7.3 في المائة.

واستمرت الدينامية بوتيرة أقوى خلال 2025، بعدما استقبل المغرب رقما قياسيا بلغ 19.8 مليون سائح، بزيادة 14 في المائة عن 2024 و53 في المائة مقارنة بمستوى 2019، فيما ارتفعت المداخيل السياحية بالعملة الصعبة إلى مستوى تاريخي بلغ 138 مليار درهم، بزيادة 21 في المائة في سنة واحدة و75 في المائة مقارنة بـ2019، كما سجلت مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة 43.4 مليون ليلة مبيت خلال 2025، بارتفاع 9 في المائة عن السنة السابقة.

وتضع هذه المؤشرات أداء “مضايف” وفروعها أمام مقارنة أكثر صرامة مع السوق التي تعمل داخلها، إذ يصعب تفسير ضعف المردودية المسجل في جزء من محفظتها فقط بتراجع الطلب أو بتداعيات الجائحة، في وقت كان فيه القطاع الوطني يسجل أرقاما قياسية في الوافدين والمداخيل وليالي المبيت، ما يعيد طرح أسئلة مرتبطة بكفاءة الاستثمار والتدبير وكلفة تشغيل الأصول وقدرتها على الاستفادة من واحدة من أقوى دورات النمو السياحي التي عرفها المغرب.

ومعلوم أم أموال CDG تُجمع من “الإخار الخاص والمنظم”، ويشمل أموال صندوق التوفير الوطني واحتياطيات CNSS وأموال المهن القانونية والإيداعات، ومن أنواع الإيداعات التي تستقبلها فعلا “أموال القاصرين والمحجور عليهم” الموضوعة تحت وصاية قضاة شؤون القاصرين، مما يعني أنها أموال عمومية وصندوق الإيداع والتدبير مؤتمنة على مدخرات وموارد منظمة تتحمل مخاطر استثمارية كبيرة، وهو ما يرفع مستوى واجب الشفافية والمساءلة عن المردودية في الشركات التي تضخ فيها أموال المواطنين.

وفي النهاية، لا يتعلق النقاش حول “مضايف” بمجرد خسارة مسجلة في سنة أو ربح محدود في سنة أخرى، بقدر ما يتعلق بحصيلة استثمار عمومي ضخم امتد لسنوات، وراكم عمليات إعادة هيكلة وتفويت أصول وضخ رؤوس أموال ومؤونات لانخفاض القيمة ظلت في حدود أربعة مليارات درهم.

وهي حصيلة تجعل المردودية والحكامة ونجاعة القرارات الاستثمارية في صلب المساءلة، خصوصا أن الشركة تتحرك داخل قطاع سياحي وطني يسجل منذ سنوات مستويات قياسية في عدد الوافدين والمداخيل وليالي المبيت.

وبعد أكثر من عقد من الاستثمارات وإعادة ترتيب المحفظة، لم يعد السؤال فقط عن قدرة “مضايف” على تجاوز الخسائر، بل عن القيمة الاقتصادية التي أضافتها فعليا للأموال التي وضعتها مجموعة صندوق الإيداع والتدبير في هذا النشاط، وعن المدة التي يحتاجها استثمار بهذا الحجم لتحقيق عائد يبرر المخاطر والموارد المعبأة لفائدته.

وبين استثمارات معلنة بنحو 17 مليار درهم، ومساهمة مباشرة لـ CDG تتجاوز كلفتها 13 مليار درهم، ومؤونات انخفاض قيمة قاربت أربعة مليارات درهم، تصبح الشفافية حول مردودية كل أصل، وكلفة تدبيره، ونتائجه المالية، ليست مجرد مطلب محاسبي، وإنما شرطا أساسيا لتقييم حصيلة واحدة من أكبر التجارب الاستثمارية العمومية في السياحة المغربية.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...