الانتخابات التشريعية بالمغرب 2026: إكراهات الداخل وتصريحات مغاربة العالم في قفص التحليل والمساءلة (الحلقة الأولى)
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
في محطة سياسية مفصلية طبعت المشهد المؤسساتي المغربي لسنة 2026 أسدل الستار على فصول الاستحقاقات التشريعية التي أفرزت هندسة برلمانية مغايرة تماماً لسابقاتها معيدةً خلط الأوراق الحزبية تحت قبة مجلس النواب. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة المشهد الانتخابي محرزاً سبعة وتسعين مقعداً بينما تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الثانية بستة وستين مقعداً في حين حافظ حزب الاستقلال على موقعه المتقدم بحلوله ثالثاً بخمسة وستين مقعداً مقابل عودة لافتة ومدروسة لحزب العدالة والتنمية الذي رفع تمثيليته إلى أربعة وخمسين مقعداً. هذه الأرقام لا تمثل مجرد تبدل في المقاعد بل تعكس تحولاً أعمق في المزاج الانتخابي العام ومؤشرات إعادة توزيع الثقة الشعبية مما يضع المشهد السياسي أمام مخاض حقيقي لتشكيل تحالفات حكومية محكومة بهاجس الاستقرار والفعالية في تدبير أوراش الدولة الاجتماعية. وإذا كانت الأرقام الرسمية لوزارة الداخلية قد وثقت نسبة مشاركة عامة توقفت عند حدود ثمانية وثلاثين بالمئة فإن القراءة الأكاديمية الرصينة تفرض تفكيك دلالات هذا الرقم بعيداً عن القراءات السطحية فالنسبة تعبر عن استمرار أزمة ثقة بنيوية بين أجزاء واسعة من الكتلة الناخبة والعمل الحزبي والمؤسساتي التقليدي. وقد تعزز هذا المعطى بفعل خيار المقاطعة الذي تبنته تيارات وازنة من اليسار الراديكالي وبعض فصائل الإسلام السياسي والتي اعتبرت أن المشاركة في ظل الشروط الراهنة لا تقدم بدائل حقيقية وفي المقابل شهدت الحملات الانتخابية هذه المرة تطوراً نوعياً تمثل في انحسار مظاهر الفلكلور الانتخابي الكلاسيكي ليطغى خطاب المعقول والجدية كشعار مركزي وإن ظلت التحديات التنموية والمجالية عائقاً أمام استقطاب الكتلة الناخبة الصامتة لا سيما الفئات الشبابية.
وقد حظيت المحطة الانتخابية المغربية بمتابعة دقيقة وواسعة النطاق من طرف دوائر القرار الإستراتيجي ووسائل الإعلام الدولية العربية والأوروبية باعتبار المغرب ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي وشريكاً محورياً في الضفة المتوسطية. وعلى المستوى الداخلي. وإذا كانت التقارير الرسمية لوزارة الداخلية قد أكدت مرور الاستحقاقات في ظروف عادية ومؤطرة بالشفافية القانونية فإن التقارير الميدانية والمواكبة الإعلامية رصدت بعض الخروقات والانحرافات المعزولة في بعض الدوائر الانتخابية مثل التشكيك في نزاهة بعض المساطر أو استخدام المال بشكل غير مشروع وهي تجاوزات رغم محدوديتها الكمية ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي ومثلت مادة دسمة للمعارضة وللتحليل السياسي الرصين الذي يربط دائماً بين نزاهة الصندوق ومشروعية القرار الحكومي المنبثق عنه. وفي قلب هذا المشهد يبرز دور مغاربة العالم كرافد إستراتيجي لا غنى عنه في معادلة التنمية والديمقراطية بوطنهم الأم فلم تقتصر مشاركة الجالية في استحقاقات 2026 على آليات التصويت التقليدية عبر الوكالة أو تكبد عناء التنقل نحو أرض الوطن لإدلاء الأصوات بل تجلت في انعطافة كيفية غير مسبوقة تمثلت في الترشح المباشر ضمن لوائح مختلف الأحزاب السياسية إسلامية ويسارية وليبرالية مما يعكس رغبة حقيقية في الانتقال من موقع الداعم الاقتصادي والوجداني إلى موقع صانع القرار والتشريع.
وفي هذا السياق الاستقصائي وبصفتي صحفياً مهنياً من مغاربة العالم ومقيماً في إيطاليا اخترت أن أنزل إلى عمق النبض الجالي متواصلاً مع بعض الوجوه الفاعلة من أبناء الجالية المغربية عبر فضاءات متعددة من دول مختلفة لطرح أسئلة دقيقة وحصرية تعكس تعددية الرؤى وتكرس مبدأ الرأي والرأي الآخر بكل تجرد وموضوعية. والآن أترككم مع محاورات وتصريحات الضيوف الأفاضل حول هذه الاستحقاقات:
1. الدكتور مصطفى أبو سعد مستشار نفسي وتربوي ومؤلف مغربي بارز متخصص في علم النفس التربوي وتطوير الأسرة – مقيم بدولة الكويت.
السؤال: من زاويتك التخصّصية كمستشار نفسي وتربوي ومؤلف مغربي بارز عايش هموم الأسرة والمجتمع كيف تقرأ تداعيات وعزوف الفئات الواسعة عن المشاركة في انتخابات 2026 من منظور سوسيولوجي ونفسي وإلى أي حد تعكس صناديق الاقتراع خللاً في الثقة بين المواطن والخطاب الحزبي والمؤسساتي وما هي رؤيتك التحليلية لملامح وانتظارات الحكومة الجديدة في ظل هذا المخاض؟
من زاويتي النفسية والتربوية، أعتقد أن أهم رسالة حملتها انتخابات 2026 ليست فقط في من فاز ومن خسر، وإنما فيمن لم يذهب أصلًا إلى صناديق الاقتراع. فقد بلغت المشاركة نحو 38% من المسجلين، مقابل نحو 50% في انتخابات 2021؛ وهي نسبة تجعل العزوف نفسه ظاهرة تستحق القراءة الهادفة والعميقة. سوسيولوجيًا، لا ينبغي تفسير العزوف بسبب واحد، ولا اعتباره بالضرورة رفضًا للعملية السياسية؛ فهو قد يجمع بين ضعف الثقة، والشعور بمحدودية أثر الصوت الفردي، وعدم الاقتناع بالعرض الحزبي، والمسافة بين الخطاب السياسي والانشغالات اليومية للمواطن. واللافت أيضًا ضعف حضور الشباب في الجسم الانتخابي المسجل؛ فالفئة بين 18 و24 سنة لا تمثل، وفق المعطيات المنشورة، سوى نحو 4% من المسجلين. (الجزيرة نت) ونفسيًا، أخطر ما يمكن أن يصيب العلاقة بين المواطن والسياسة ليس الغضب، بل اللامبالاة وفقدان التوقع الإيجابي؛ أي أن يصل الإنسان إلى قناعة داخلية بأن مشاركته لن تُحدث فرقًا. وهنا تتحول أزمة المشاركة من مشكلة انتخابية إلى سؤال في الثقة والانتماء والفاعلية الاجتماعية. ولهذا أرى أن التحدي أمام الحكومة الجديدة لا يقتصر على تشكيل أغلبية وإدارة الملفات، وإنما يمتد إلى إعادة بناء الثقة بالإنجاز: أن يشعر المواطن بأن السياسة تمس حياته فعلًا؛ في التعليم والصحة وفرص الشباب والشغل والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية وكرامة الخدمات العمومية. وأيضا أن هويته وعقيدته ودينه مصان لا تمسه أيادي السياسة وأهواء البعض .. لقد قالت الصناديق كلمتها، لكن الصمت خارج الصناديق قال شيئًا أيضًا. والمرحلة المقبلة تحتاج إلى قراءة الاثنين معًا: صوت من شارك، ورسالة من عزف. فالثقة لا تُستعاد بكثرة الخطاب، وإنما بتقليص المسافة بين الوعد والأثر، وبين المؤسسة والإنسان، وبين السياسة وهموم الحياة اليومية.
2. الدكتور التجاني بولعوالي أستاذ جامعي بجامعة لوفان ببلجيكا، كاتب، ومحاضر مهتم بقضايا الهجرة – بلجيكا.
السؤال: من زاويتكم الأكاديمية والفكرية بجامعة لوفان، كيف تفككون سوسيولوجياً ظاهرة العزوف الانتخابي ومقاطعة بعض التيارات في انتخابات 2026، وما هي انعكاسات ذلك على مستقبل العقد الاجتماعي بالمغرب؟
من زاويتي الأكاديمية والسوسيولوجية، أعتقد أن ظاهرة العزوف الانتخابي في انتخابات 2026 لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها امتناعاً عن التصويت، وإنما باعتبارها مؤشراً على أزمة أعمق في العلاقة بين المواطن والسياسة والمؤسسات الحزبية. والأرقام نفسها تستحق التوقف عندها: فقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية لسنة 2026 نحو 38.08%، أي أقل بكثير من نسبة المشاركة المسجلة سنة 2021، التي بلغت 50.86%، وسنة 2016 التي بلغت 42.27%. ووفق المعطيات الرسمية، شارك في انتخابات 2026 قرابة ستة ملايين ناخب. أولاً: العزوف الانتخابي هو في جانب منه أزمة ثقة في جدوى المشاركة السياسية. عندما يشعر المواطن، بعد كل دورة انتخابية، بأن الوعود التي قُدمت له أثناء الحملة الانتخابية لا تتحول بالقدر الكافي إلى سياسات ونتائج ملموسة، تبدأ لديه فجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كانت الأحزاب قد نفذت وعودها حرفياً أم لا، وإنما بكيفية إدراك المواطن لهذه المسألة؛ أي: هل يشعر بأن صوته أحدث فرقاً في حياته اليومية؟ خذ مثلاً شاباً حاصلاً على شهادة جامعية ويواجه صعوبة في الحصول على عمل، أو أسرة تجد نفسها أمام ارتفاع تكاليف المعيشة، أو مواطن في منطقة بعيدة عن المركز يشعر بأن الخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل لا تزال أقل من طموحاته. بالنسبة إلى هؤلاء، تصبح الانتخابات اختباراً عملياً وليس مجرد مناسبة دستورية: هل سيغير صوتي شيئاً في واقعي؟ وهنا تكمن أهمية الأرقام الاجتماعية. فالمندوبية السامية للتخطيط سجلت في الربع الثاني من 2026 معدل مشاركة في سوق العمل بلغ 42.2% فقط، مع فارق كبير بين الرجال والنساء: 66.5% مقابل 18.1%. كما أن الشباب بين 15 و24 سنة سجلوا أدنى معدل للمشاركة في سوق العمل، وهو 22.9%. وهذه المؤشرات تساعد على فهم البيئة الاجتماعية التي يتحرك فيها الناخب الشاب: فحين تكون مسألة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي نفسها صعبة، تصبح الثقة في المؤسسات السياسية أكثر هشاشة. ثانياً: هناك أيضاً مشكلة مرتبطة بعرض سياسي لا يبدو دائماً قادراً على مخاطبة التحولات التي عرفها المجتمع المغربي. المغرب تغير كثيراً خلال العقود الأخيرة، لكن السؤال هو: هل تغيرت الأحزاب والنخب السياسية بالسرعة نفسها؟ لدينا أجيال جديدة أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر استعمالاً للفضاء الرقمي، وأكثر حساسية تجاه قضايا الكرامة والعدالة الاجتماعية والشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص. هذه الأجيال لا تريد فقط شعارات انتخابية؛ إنها تريد أن تعرف: ماذا سيحدث في التعليم؟ ماذا سيحدث في الصحة؟ كيف سيحصل الشاب على عمل؟ وكيف ستتم محاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ لذلك فإن جزءاً من المشكلة قد يكون في الفجوة بين مجتمع يتغير بسرعة ومؤسسات حزبية لا تتغير بالسرعة نفسها. وإذا بقيت الأحزاب تعتمد على نفس الوجوه، ونفس أساليب التواصل، ونفس اللغة السياسية، فقد تجد صعوبة في إقناع الأجيال الجديدة بأن السياسة يمكن أن تكون أداة حقيقية للتغيير. وهنا يجب أن ننتبه إلى أن الكتلة الصامتة ليست بالضرورة كتلة واحدة. فالشخص الذي لا يصوت لأنه غير مهتم بالسياسة يختلف عن الذي لا يصوت احتجاجاً، وعن الذي لا يرى حزباً يعبر عن تطلعاته، وعن الذي فقد الثقة في قدرة المؤسسات على تغيير واقعه. لذلك أتحفظ على التعامل مع «العازفين» باعتبارهم كتلة متجانسة؛ إنهم في الحقيقة فئات اجتماعية مختلفة تتقاطع في موقف واحد هو عدم المشاركة. ثالثاً: لذلك لا أرى أن المشكلة تختزل في أزمة نخب فقط، وإنما هي أزمة متعددة المستويات. هناك بلا شك سؤال يتعلق بالنخب السياسية وتجددها، لكن المشكلة أعمق من ذلك. نحن أمام أزمة تمس العلاقة بين السياسة والمجتمع، وتمس أيضاً المدرسة والإعلام والأسرة والمجتمع المدني والثقافة السياسية السائدة. لقد تم في أحيان كثيرة تقديم السياسة للأجيال الجديدة باعتبارها مجالاً للصراع على السلطة والمصالح، بدلاً من تقديمها باعتبارها مجالاً لخدمة الصالح العام وتدبير الاختلاف وتحقيق العدالة الاجتماعية. وعندما يفقد المواطن ثقته في أن السياسة يمكن أن تكون فعلاً أخلاقياً ومجتمعياً، تصبح المشاركة السياسية نفسها أقل جاذبية. لذلك أعتقد أن إعادة بناء الثقة السياسية تبدأ قبل صندوق الاقتراع بسنوات طويلة. تبدأ في المدرسة، من خلال التربية على الحوار والاختلاف والمواطنة والمسؤولية؛ وفي الإعلام، من خلال تقديم السياسة باعتبارها نقاشاً حول البدائل والبرامج وليس مجرد صراع بين الأشخاص؛ وفي المجتمع المدني، من خلال تدريب الشباب على المشاركة والشأن العام؛ ثم داخل الأحزاب نفسها، من خلال تجديد النخب والهياكل وآليات اتخاذ القرار. رابعاً: أما بالنسبة إلى العقد الاجتماعي، فأعتقد أن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا يعطي المواطن للدولة والمؤسسات، وماذا يحصل عليه في المقابل؟ العقد الاجتماعي لا يقوم فقط على المشاركة في الانتخابات، وإنما على شعور المواطن بأن المؤسسات تمثله وتحمي حقوقه وتوفر له فرصاً عادلة للعيش الكريم. فإذا شعر المواطن أن صوته مطلوب فقط في يوم الانتخابات، ثم يعود بعد ذلك إلى مواجهة مشكلات البطالة والصحة والتعليم والسكن والدخل، فإن العلاقة بين المواطن والمؤسسة السياسية تصبح علاقة ضعيفة وموسمية. وهنا مرة أخرى تكشف المؤشرات الاجتماعية حجم التحدي. فالمندوبية السامية للتخطيط تقدر نسبة الفقر متعدد الأبعاد في المغرب سنة 2024 بـ 6.8% من السكان، بعدما كانت 11.9% سنة 2014، وهو تحسن مهم ينبغي الاعتراف به، لكنه لا يلغي استمرار فوارق اجتماعية ومجالية واضحة. كما أن مؤشر جيني لعدم المساواة في مستوى المعيشة بلغ 40.5% وفق بيانات 2022. وهذا يعني أن الصورة ليست سوداء بالكامل؛ المغرب حقق بالفعل تقدماً في بعض المؤشرات، ومن الخطأ تجاهل ذلك. لكن التنمية لا تقاس فقط بمعدل النمو أو بحجم المشاريع الكبرى، وإنما أيضاً بمدى وصول ثمارها إلى المواطن في حياته اليومية. وهنا أعتقد أن التحدي الحقيقي أمام المغرب خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال من سؤال: «من فاز في الانتخابات؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا سيفعل الفائزون بهذه الثقة السياسية؟ فإذا استطاعت المؤسسات المنتخبة أن تحول البرامج إلى نتائج ملموسة في التعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية، فإن الثقة يمكن أن تعود تدريجياً. أما إذا بقيت الانتخابات بالنسبة إلى المواطن مجرد تغيير للأسماء والوجوه دون تغيير ملموس في السياسات والنتائج، فإن العزوف قد يتحول من ظاهرة انتخابية إلى مشكلة بنيوية في العلاقة بين المواطن والسياسة. لذلك، فإن انتخابات 2026 ينبغي أن تكون بالنسبة إلى النخب السياسية جرس إنذار أكثر منها مجرد رقم في سجل نسب المشاركة. فالـ38% لا تقول لنا فقط كم شخصاً ذهب إلى صناديق الاقتراع؛ إنها تطرح سؤالاً أكبر: كيف نستعيد ثقة المواطن في أن صوته، ومشاركته، ووجوده داخل المجال السياسي، يمكن أن يكون لها أثر حقيقي في مستقبل بلده؟
3. الدكتور يونس مشاوي إطار صحي فاعل جمعوي وخطيب جمعة – إيطاليا.
السؤال: باعتبارك إطاراً صحياً وخطيب جمعة يلامس نبض الجالية المغربية والمسلمة عن قرب كيف تنظر إلى مخرجات الانتخابات التشريعية وهل ترى أن الخريطة الحزبية الجديدة قادرة على الاستجابة لانتظارات الإصلاح العميق في قطاعات حيوية كالقطاع الصحي ؟
أعتقد أن مخرجات الانتخابات التشريعية المغربية تمثّل، في مجملها، محطة جديدة في مسار البناء الديمقراطي والمؤسساتي للمملكة، بما أفرزته من إعادة ترتيب للخريطة الحزبية وتجديد للثقة في المؤسسات المنتخبة، مع الإقرار بوجود بعض الاختلالات والملاحظات التي ينبغي التعامل معها بموضوعية ومسؤولية. ومن موقعي كإطار في القطاع الصحي وخطيب جمعة وفاعل قريب من قضايا الجالية، أرى أن الرهان الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات. فالمواطن ينتظر نتائج ملموسة في حياته اليومية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية. وبالنسبة إلى القطاع الصحي تحديدا، فإن التحدي لا يرتبط فقط بالإمكانات، بل أيضا بالحكامة، وتثمين الموارد البشرية، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين جودة الخدمات. أنا متفائل بأن الخريطة السياسية الجديدة يمكن أن تفتح المجال أمام مرحلة أكثر نجاعة في تدبير هذه الملفات، شريطة أن تتحول البرامج الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للقياس، وأن يكون معيار النجاح هو خدمة المواطن وتعزيز الثقة في المؤسسات. وفي النهاية، تبقى الانتخابات محطة، بينما الإصلاح الحقيقي مسار مستمر تتقاسم مسؤوليته الحكومة والبرلمان والأحزاب والمجتمع المدني وجميع القوى الحية في البلاد.
4. الدكتور إبراهيم بية باحث وناشط حقوقي ومؤسس نور – إيطاليا.
السؤال: عبّرتَ عن موقف مؤيد لمقاطعة الانتخابات المغربية. لكن هناك من يقول إن المقاطعة تترك المجال للأحزاب المرتبطة بالسلطة، وإن الأجدى هو التصويت للأحزاب التي تطالب بالإصلاح ومحاولة التغيير من داخل المؤسسات. وأنت تعيش في إيطاليا وتشارك في الحياة الديمقراطية هناك: لماذا تصوّت في إيطاليا بينما كنت ستقاطع الانتخابات لو كنت في المغرب؟ وما الجدوى السياسية، في نظرك، من هذه المقاطعة؟
أنا لا أقاطع لأنني ضد الانتخابات أو ضد الديمقراطية. بالعكس، موقفي نابع من إيماني بأن الانتخابات يجب أن تكون وسيلة حقيقية لاختيار من يحكم ومحاسبته. وهنا يكمن بالنسبة إليّ الفرق الأساسي بين تجربتي في إيطاليا وما يحدث في المغرب. في إيطاليا أصوّت، رغم كل ما يمكن أن نوجّهه للنظام السياسي الإيطالي من انتقادات، لأنني أعرف أن صوتي يساهم في تحديد الأغلبية السياسية التي تحكم، وأن الحكومة يمكن أن تتغير عبر صناديق الاقتراع، وأن من يمارس السلطة السياسية يخضع، في النهاية، للمحاسبة الانتخابية. أما في المغرب، فالمشكلة أعمق من معرفة أي حزب سيفوز أو من سيكون رئيس الحكومة. السؤال هو: كم من السلطة الحقيقية يستطيع المواطن أن يحددها بصوته؟ الدستور نفسه يجعل الملك رئيساً للمجلس الوزاري الذي يتداول، من بين أمور أخرى، في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، كما يمنحه صلاحيات دستورية واسعة أخرى. والتطبيع مع إسرائيل مثال واضح بالنسبة إليّ. لقد اتُّخذ هذا الخيار الاستراتيجي ولم يكن نتيجة اختيار انتخابي للمغاربة. وهذه بالنسبة إليّ هي المشكلة: يمكن أن ننتخب حكومة، لكن ذلك لا يعني أننا ننتخب من يملك سلطة اتخاذ القرارات الأساسية للدولة. لذلك لا أعتبر أن مجرد وجود أحزاب وصناديق اقتراع يكفي لكي تصبح الانتخابات ديمقراطية بالمعنى الكامل. وأنا أحترم من يختار المشاركة والتصويت لحزب إصلاحي، سواء كان إسلامياً أو يسارياً أو من أي توجه آخر. لكنني أرى أن الاستمرار في المشاركة داخل نفس البنية، من دون تغيير قواعد توزيع السلطة، يمكن أن يمنح هذه البنية شرعية واستمرارية أكثر مما يمنح المواطن قدرة حقيقية على تغييرها. المشكلة عندي ليست في تغيير الوجوه، بل في تغيير بنية السلطة نفسها، وفي منظومة المخزن التي لا تخضع في مجملها للاختيار الشعبي والمحاسبة الانتخابية. وهنا أيضاً أرى مفارقة لدى بعض المغاربة المقيمين في أوروبا. أجد أحياناً من يدافع في إيطاليا عن الديمقراطية، وعن برلمان قوي، وعن فصل السلطات، وعن حق المواطنين في تغيير حكومتهم ومحاسبتها، لكنه عندما يتعلق الأمر بالمغرب يقبل بمعايير أقل بكثير. بالنسبة إليّ، الديمقراطية لا ينبغي أن تتغير مع عبور البحر المتوسط. إذا كنت أطالب في إيطاليا بأن يكون الشعب مصدر الشرعية السياسية، فمن الطبيعي أن أطالب بالمبدأ نفسه لبلدي الأصلي. ما أعتبره حقاً للإيطاليين أعتبره حقاً للمغاربة أيضاً. لذلك فالمقاطعة ليست عندي مشروعاً سياسياً كاملاً، ولا أدّعي أنها وحدها ستغيّر المغرب. إنها موقف احتجاجي يقول إن المغرب يحتاج إلى أكثر من تغيير الأحزاب والحكومات: يحتاج إلى إصلاح دستوري عميق، وفصل حقيقي للسلطات، ومؤسسات منتخبة ذات صلاحيات فعلية، وربط السلطة بالمحاسبة، ومحاربة الفساد دون حماية لأحد. باختصار، أنا لا أريد انتخابات أقل، بل انتخابات أكثر معنى.






