هل تستطيع ليبيا إنتاج مليوني برميل نفط يوميا؟

إيطاليا تلغراف متابعة

طرابلس- تستهدف المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا رفع إنتاج الخام إلى مليوني برميل يوميا بحلول مطلع عام 2031، ضمن خطة تقدر كلفتها بنحو 36 مليار دولار، في حين تستهدف إنتاج 1.5 مليون برميل يوميا حتى منتصف عام 2027.

ويضع الهدف قطاع النفط الليبي أمام اختبار مزدوج:

  • القدرة على توفير التمويل والاستثمارات اللازمة لرفع الإنتاج.
  • القدرة على تحديث بنية تحتية عانت سنوات من الإهمال، وسط اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط في تمويل الإنفاق العام.

وقال رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، لوكالة بلومبيرغ، إن الوصول إلى مليوني برميل يوميا يحتاج إلى نحو 36 مليار دولار، منها 20 مليار دولار تعتزم المؤسسة استثمارها، بينما تستهدف توفير 16 مليارا من الشركاء الأجانب.

وأوضح سليمان أن المؤسسة تحتاج إلى نحو 300 مليون دولار شهريا لتغطية نفقات التشغيل، مشيرا إلى أن اعتماد الإنفاق التنموي الموحد خصص للمؤسسة ميزانية تشغيلية تتجاوز 13 مليار دينار ليبي (ما يعادل ملياري دولار).

وأضاف أن المؤسسة لم تحصل على مخصصات خلال عام 2025، وأن تأخر التمويل تسبب في مشكلات وقلق للمؤسسة وشركائها، قبل أن يعتبر أن هذه المرحلة أصبحت خلفها بعد انتظام التمويل، الذي مكّن المؤسسة من الحفاظ على الإنتاج عند نحو 1.4 مليون برميل يوميا في الوقت الحالي.

كما تم، بحسب سليمان، جدولة الديون السابقة، وتقدر قيمة سدادها عن عامي 2024 و2025 بنحو 25 مليار دينار ليبي (نحو 4 مليارات دولار).

اختبار أول

وبالتوازي مع الهدف النهائي، أبرمت المؤسسة اتفاقا للحصول على قرض بقيمة مليار دولار من المصرف الليبي الخارجي لتمويل مشروعات تستهدف رفع الإنتاج إلى أكثر من 1.5 مليون برميل يوميا بحلول منتصف عام 2027، مع التزام إضافي بتوفير مليار دولار بعد تحقيق هذا المستوى.

ويرى خبير الطاقة أحمد المسلاتي أن تجاوز 1.5 مليون برميل يوميا يمثل هدفا قابلا للتحقق، مستندا إلى بلوغ إنتاج الخام نحو 1.439 مليون برميل يوميا في يونيو/حزيران 2026، واقتراب إجمالي الخام والمكثفات من 1.488 مليون برميل يوميا.

ويقول المسلاتي للجزيرة نت إن زيادة الإنتاج في المرحلة الأولى يمكن تحقيقها عبر رفع كفاءة الحقول القائمة، وصيانة الآبار وإعادة المتوقف منها، وتنفيذ برامج الحفر التطويري وربط الآبار الجديدة، من دون الاعتماد الكامل على اكتشافات جديدة.

لكن الوصول إلى مليوني برميل يوميا، بحسب المسلاتي، يتطلب انتقال القطاع من استعادة الإنتاج ورفع كفاءة الأصول القائمة إلى توسع استثماري واسع يشمل الحقول والبنية التحتية.

التمويل ليس وحده المشكلة

ويعتبر المحلل الاقتصادي عبد الكريم الجديدي -في حديث للجزيرة نت- أن الوصول إلى 1.5 مليون برميل يوميا خلال 18 إلى 24 شهرا “طموح قابل للتحقيق”، شريطة توفير تمويل عاجل لا يقل عن 3 مليارات دولار لصيانة الحقول والبنية التحتية وضمان الاستقرار الأمني.

أما هدف مليوني برميل، فيراه الجديدي هدفا إستراتيجيا متوسط المدى، يحتاج إلى 3 إلى 5 سنوات، وإلى عودة كبرى الشركات العالمية باستثمارات مباشرة وعقود واضحة.

ويقول إن المشكلة الرئيسية لا تكمن في الموارد النفطية، بل في السيولة الدولارية المتأخرة وتآكل البنية التحتية نتيجة سنوات من الإهمال.

ويختلف ترتيب الأولويات، وفق الجديدي، عن النظرة الفنية البحتة؛ إذ يعتبر أن “إدارة العائدات والحوكمة” تمثل المشكلة الأولى، بسبب أزمة الثقة وغياب ميزانية شفافة وخطة إنفاق معلنة يمكن أن تشجع المستثمرين الأجانب والمؤسسات المالية الدولية.

ويضع البنية التحتية المتهالكة في المرتبة الثانية، مشيرا إلى تقادم الأنابيب والموانئ ومحطات الطاقة، وما يسببه ذلك من تسربات وأعطال تؤثر في الإنتاج.

هل تكفي 36 مليار دولار؟

يرى المسلاتي أن مبلغ 36 مليار دولار يمكن أن يشكل قاعدة مالية مناسبة للوصول إلى مليوني برميل يوميا إذا جرى توفيره بصورة منتظمة وتوجيهه إلى المشروعات ذات الأولوية، مع التزام الشركاء الأجانب ببرامجهم الاستثمارية.

ويشير إلى أن المرحلة المقبلة ستعتمد على تطوير الحقول المنتجة وإعادة تأهيل الآبار المتوقفة، ومن بينها مشروعات شركة الواحة وحقول جالو والظهرة، وتطوير حقل المبروك، إضافة إلى برامج رفع الكفاءة والصيانة والحفر في حقول الشرارة والفيل والسرير ومسلة والنافورة وأبو الطفل.

كما يرى أن عودة الشركات الدولية إلى الاستثمار في ليبيا بعد جولة الاستكشاف الأخيرة يمكن أن تدعم زيادة الاحتياطيات والطاقة الإنتاجية على المدى المتوسط والبعيد.

لكن زيادة الإنتاج، بحسب المسلاتي، تتطلب أيضا تحديث خطوط نقل الخام ومحطات الضخ والمعالجة ومرافق التخزين، ورفع قدرة الموانئ على استيعاب الكميات الإضافية المخصصة للتصدير.

ويضيف أن تقادم بعض المنشآت، وانتظام التمويل، وسرعة التعاقدات ووصول المعدات، إلى جانب الاستقرار الأمني حول الحقول وخطوط النقل والموانئ، ستكون عوامل حاسمة في تنفيذ الخطة.

الآثار على المواطن؟

ولا تعني زيادة الإنتاج تلقائيا زيادة الإيرادات العامة بالمقدار نفسه، إذ يتوقف أثرها على أسعار النفط وحجم الصادرات وتكاليف التشغيل والاستثمار، فضلاً عن طريقة إدارة العائدات.

ويحذر الجديدي من أن الإيرادات الإضافية لن تذهب بالكامل إلى الخزانة العامة، إذ قد يوجه جزء منها لسداد التزامات المؤسسة تجاه المقاولين والشركات الخدمية، كما أن زيادة الإنتاج سترافقها زيادة في فاتورة التشغيل، في حين يظل القطاع رهينا لتقلبات أسعار النفط العالمية.

ويقدر أن إضافة 500 ألف برميل يوميا، بسعر 80 دولارا للبرميل، يمكن أن تعني نحو 14.6 مليار دولار من الإيرادات السنوية الإضافية، لكنه يشدد على أن انعكاسها على المواطن يتطلب ربط الإيرادات الجديدة قانونيا ببنود محددة في الميزانية، وضبط التضخم، وتنفيذ مشروعات سريعة الأثر، إلى جانب نشر العقود والإيرادات والتحويلات بصورة شفافة.

ويقول إن الأثر المالي الإيجابي لزيادة الإنتاج قد يبدأ في الظهور بعد 6 إلى 9 أشهر من استقرار الإنتاج، لكنه سيكون ملموسا فقط إذا تم ضبط الإنفاق العام وعدم توجيه الإيرادات الإضافية بالكامل إلى الاستهلاك.

الاختبار الحقيقي

ويعتبر الجديدي أن الفرصة متاحة في ظل الطلب العالمي على النفط الليبي وعودة الشركات الأجنبية، لكنها تحتاج إلى خطة واضحة وممولة تفصل إدارة القطاع عن التجاذبات السياسية.

وبذلك لا يقتصر اختبار المؤسسة الوطنية للنفط على قدرتها الفنية على رفع الإنتاج إلى 1.5 مليون برميل يوميا، بل يمتد إلى قدرتها على تحويل الـ36 مليار دولار المعلنة إلى مشروعات حقيقية، وتجديد البنية التحتية، وضمان استقرار الإنتاج والتصدير، والأهم إدارة العائدات بطريقة تجعل زيادة الإنتاج تنعكس على المالية العامة والخدمات، وصولاً إلى هدف مليوني برميل يوميا بحلول 2031.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...