ربما حان وقت تغيير اسم “البرلمان” إلى “مجلس الشعب” بالمغرب

 

 

 

 

 


*الدكتور محمد حصحاص
أكاديمي باحث مغربي مقيم في إيطاليا
روما.

 

-تأملات مواطن –
On the Symbols of Democracy: From Parliament to the House of the People
بمناسبة الإنتخابات التشريعية المغربية التي تَمَّت يوم 23 شتنبر 2026، ومقاطعة المغاربة للعملية بعدم التصويت إلا بنسبة 38٪، نقترح تغيير إسم مبنى ومؤسسة “البرلمان” التشريعية إلى “مجلس الشعب لعلّ ذلك يساعد في تقوية الثقافة السياسية وأهميتها القصوى لدى المواطن.
عدد المغاربة في سن والتصويت يقرب من 26 مليون مواطن راشد، وعدد المسجلين في اللوائح الإنتخابية هو حوالي 16 مليون مواطن فقط، أي 10 ملايين لم يكترثوا للتسجيل أصلا في اللوائح الإنتخابية. أما عدد المواطنين الذي خرجوا يوم الإنتخابات للتصويت فلا يتعدى 6 ملايين شخص، أي 38% كانت هي نسبة المشاركة فقط!! وهذه نسبة ضعيفة جدا تضعف العملية الإنتخابية ولا تعطيها مصداقية كبيرة للرأي العام الوطني والدولي. فالمواطن المغربي الذي يقاطع الإنتخابات بهذه الطريقة يعاقب نفسه ومستقبل اولاده وأحفاده. فليس بالعزوف تتم معاقبة المفسدين السياسيين، خاصة إذا كانت سبل التغيير الأخرى غير متاحة أو قليلة التأثير. كيف لشعبٍ يعاني غلاء الأسعار وتدهور الخدمات في أغلب القطاعات -أسعار أوروبية بأجور محلية/إفريقية، كما يسميها البعض- لا يستطيع الخروج لساعة من الزمن ليدلي بصوته ويعاقب السياسيين يوم الإقتراع!! هذا العزوف لا ينم عن عقاب جماعي وعدم الثقة بالسياسة بمجملها، لأن المغاربة يتحدثون في السياسة كل وقت وحين، ولكن المسألة تنم عن إستسهال قوة الإقتراع في جلب مزيد من الإصلاحات في مناخ سياسي يسمح بأن يكون للإنتخابات نسبة مهمة للتغيير الإيجابي، عكس بعض الدول في المنطقة التي فيها إنتخابات ولكنها أقل شفافية مما في المغرب.
المواطنة تبدأ عندما يحس المواطن أن له حقوقا وواجبات. العزوف عن الإنتخاب التشريعي-البرلماني مرة كل خمس سنوات يعني أن الثقافة السياسية ما تزال ضعيفة، وأن المواطن يحس بالعجز التام، وأن لا شيء يتغير رغم التصويت. لا، الأمور تتغير بالعقاب السياسي بوجهين: إن لم يُعاقِب المواطن المنتخبين والسياسيين، فإن السياسيين يعاقبون المواطنين جميعا بالبقاء في السلطة والبرلمان. المواطن هو المعاقَب إذا لم يبادر هو بالعقاب، أي الإختيار عبر التصويت.
هذه التدوينة ليست للإحاطة بالموضوع، لكن فقط لطرح فكرة ربما لم تطرح من قبل في السياق السياسي اللغوي والمفاهيمي بالمغرب. وهذه الفكرة لها رمزية كبيرة، والرموز هي “كل شيء” تقريبا في العملية الإنتخابية والسياسية. الفكرة تبدأ بكلمة. والكلمة قاصمة، ذات أهمية كبرى في تاريخ الإنسان عموما. والإسم كذلك. فإسم “محمد” له مدلولات غير إسم “جاك’ أو ” جون”، مثلا. وكلمة “العدالة” تفي بغرضها لشعب يتكلم لغته – العربية – أكثر بكثير من قول la justice.
ونفس الأمر ينطبق على إسم “البرلمان” في هذه الحالة. سيقول قائل، لكن “الديمقراطية’ أيضا مصطلح أجنبي، إلخ. لا، ليس الأمر سواء. هناك كلمات أصبحت عالمية، وكلمة-تعريب ” برلمان” ليست عالمية بنفس قوة ومفهوم “الديمقراطية”، والتي تعني ” سلطة الشعب”. بل إن الديمقراطية كمفهوم سيصبح أكثرَ مقبوليةً وقرباً للمواطن البسيط إذا تم ربطه بالشعب، وبإسم “مجلس الشعب” بدل إسم “البرلمان.”
كيف يحس المغربي المتعلم وغير المتعلم عندما يمر بمقر مؤسسة “البرلمان” التشريعية مثلا كل يوم بالرباط؟ أو عندما يشاهده عبر التلفاز؟ غالبا سيتذكر البرلمانيين الوطنيين الكبار، وفي نفس الوقت سيتذكر برلمانيي المال والفساد الإنتخابي، وسيغيب عليه تذكر ان هذا الفضاء يستلزم تذكر ‘الشعب” أيضا. أما حالة غير المتعلمين او ذوي التعليم المحدود، فإن كلمة “البرلمان” غالبا لن تسعفه إطلاقا في ربطها بالشعب، وسلطة الشعب التشريعية، وعن فضاء للكلام بالنيابة عن الشعب.
أظن أن تبسيط الإسم من “البرلمان” إلى “مجلس الشعب” سيقوي إحساس الشعب بحضوره في الحياة السياسية وقدرته على التشريع و المراقبة والعقاب عبر التصويت.
أصول الكلمة الفرنسية parole, parler, parlement، ترجع للاتينية واليونانية القديمة parabolē، أي الكلام، او المقارنة، او الحجاج او التناظر، بإيجاز شديد. ومدلولاتها مع الزمن الحديث اصبحت تعني سلطة الكلام، وسلطة التشريع، وسلطة تمثيل الشعب، والإرادة العامة.
“مجلس الشعب”، أو “المجلس النيابي” كما هو مترجم في بعض الدول، يوصل الفكرة بشكل مباشر، وله تأثير ذهني ونفسي على من يسمع الكلمة أو يراها عبر التلفاز أكثر من مصطلح البرلمان. (في وقت من الاوقات كانت نسبة من البرلمانيين معينة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في غرفتيه او إحداهما -البرلمان ومجلس المستشارين بالمصطلحات بالمغرب – وآنذاك كان يمكن تسمية البرلمان أيضا ب “مجلس الأعيان” لأنهم معينين، وليسوا منتخبين من الشعب. وربما يعزف المغاربة لحد الآن عن التصويت لأنهم ينظرون إليه ك”مجلس الأعيان” رغم أنه مجلس “منتخب” .
طبعا، لا يعني أن تسمية “مجلس الشعب” ستنجب الديمقراطية من الغد، لكن كل كلمة لها قوتها. وهناك مشاكل بنيوية تساهم في العزوف على التصويت، ومنها النظام الإنتخابي، وشراء الذِّمم، والدعم غير المباشر لتوجهات سياسية معينة على حساب أخرى. ومع ذلك، فلو كانت نسبة المشاركة في الأنتخابات تصل ل 80-90%، لكان عقاب المفسدين سهلا! وحتى لو تكرر العقاب كل خمس سنوات، ففي الأخير، سيتعلم كل من المواطن الناخِب والمنتخَب أن فرص العقاب موجودة، ويمكن إستعمالها كل خمس سنوات، وهذه هي الديمقراطية – القدرة على تغيير الممثلين ومحاسبتهم – حتى لو كان النظام الإنتخابي وبعض المؤسسات تدعم بشكل مباشر أو غير مباشر تياراً على حساب آخر. عندِ إمكانية تغير الإدارات إنتخابيا كل خمس سنوات، فهذا ينبه المفسدين لفسادهم، ومع الزمن سيغيرون سلوكهم لأن سِياطَ العقاب واقعة عليهم من قبل المواطنين بإستمرار. يرتاح المفسد في إفساده ويستمرّث فيه عند غياب المواطن المُشارك والمصَوّت.
لذلك نرى أن الإسم المُرَكب ‘مجلس الشعب” أكثر قوة في مدلولاته في سياقنا من كلمة ‘البرلمان.” الإسم القديم الذي كان له، “مجلس النواب”، لم يعد مناسبا أيضا، لأن المجلس في أصله للشعب.
كلما كان مجلس الشعب مستمدا من الشعب الذي يصوت له بكثافة، وليس بالعزوف عن التصويت، كان ذلك سندا كبيرا للمؤسسة الرسمية -الملكية- لتأخذ إختيارات زجرية أكبر ضد اللوبيات الكبرى بالبلد والتي تشتغل على إفساد وإفقار الشعب، وتجهيله عبر هدم المدرسة والجامعة العمومية، والصحة، وتهجير شبابه وفلذات كبده للخارج.

*من صفحة الدكتور محمد حصحاص على الفيسبوك


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics