من “ميركاتو” أخنوش إلى “المعقول والعمل” عند لقجع.. صراع إعادة ترتيب موازين القوة داخل الأغلبية قبل انتخابات شتنبر
لم يكن ظهور فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية والملتحق حديثا بحزب الأصالة والمعاصرة، في النشاط الحزبي الذي احتضنته مدينة أكادير أمس الأحد، مجرد مشاركة عادية في تجمع انتخابي لحزب يستعد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، إذ حملت كلمته رسائل سياسية بدت أقرب إلى جواب مؤجل على النقاش الذي أعقب انتقاله إلى صفوف “البام”، وعلى رأسه توصيف رئيس الحكومة عزيز أخنوش لهذه الخطوة باعتبارها جزءا من “الميركاتو” السياسي خلال تجمع للأحرار أواخر شهر بوليوز الماضي.
وفي مدينة تعد معقلا انتخابيا وسياسيا بارزا لأخنوش وحزبه، اختار لقجع أن يتحدث بلغة مختلفة عن تلك التي طبعت السجال خلال الأسابيع الماضية، مركزا على عبارة “المعقول والعمل”، ومؤكدا أن المغاربة، بحسب تعبيره، يتطلعون إلى من يشتغل ويحقق النتائج، وليس إلى صراعات المواقع أو الحسابات المرتبطة بالمناصب، مشددا على أن التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة لم يكن بحثا عن منصب سياسي، مذكرا بأنه راكم مناصب ومسؤوليات وتعيينات وحظي بثقة ملكية.
وتكتسب هذه العبارات أهميتها من السياق الذي جاءت فيه، ذلك أن انتقال لقجع إلى “البام” لم يُقرأ منذ إعلانه في يوليوز باعتباره مجرد تغيير في الانتماء الحزبي، وإنما باعتباره أحد أبرز المؤشرات على بداية إعادة ترتيب الأوراق داخل الأغلبية الحكومية، في وقت دخلت فيه الأحزاب عمليا مرحلة الإعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وكان عزيز أخنوش قد اختار، في 25 يوليوز الماضي، الرد من مدينة الداخلة، بعد ساعات فقط من إعلان التحاق لقجع بـ”البام”، حين انتقد ما وصفه باستقطاب الأسماء في اللحظات الأخيرة، وقال بعبارة أصبحت منذ ذلك الحين محورا في النقاش الحزبي : “حنا ماشي في ميركاتو”، كما دافع عن نموذج حزبه القائم، وفق خطابه، على الاشتغال التنظيمي والتكوين والاستعداد المبكر، معتبرا أن الأحزاب لا يمكن اختزالها في أسماء يتم استقدامها قبيل موعد الاقتراع.
ومنذ ذلك التصريح، بدا أن عبارة “الميركاتو” تجاوزت معناها العابر لتتحول إلى عنوان سياسي للنقاش حول انتقال الشخصيات والأطر بين الأحزاب قبيل الانتخابات، فبينما رأى “الأحرار” في الاستقطاب المتأخر دليلا على غياب العمل التنظيمي المستمر، قدم “البام” التحاق لقجع باعتباره إضافة نوعية إلى صفوفه، في وقت لم يعد فيه انتقال الشخصيات بين التنظيمات مجرد شأن حزبي داخلي، وإنما أصبح جزءا من حسابات المنافسة على صدارة المشهد السياسي.
ومن هذه الزاوية، تبدو كلمة لقجع في أكادير أقرب إلى إعادة تعريف سياسية للخطوة التي أقدم عليها، فبدل الدخول في سجال مباشر حول “الميركاتو”، نقل الوزير المنتدب المكلف بالميزانية النقاش إلى معيار آخر هو “المعقول والعمل”، في إشارة يمكن فهمها باعتبارها محاولة لوضع تجربته داخل الحكومة وفي تدبير الملفات المالية والاقتصادية في مواجهة الانتقادات التي ربطت انتقاله إلى “البام” بحسابات انتخابية أو بطموح شخصي نحو موقع سياسي أكبر.
ويزداد هذا المعنى وضوحا عندما يؤكد لقجع أنه لم يلتحق بالحزب بحثا عن منصب، فهذه النقطة بالذات تمس جوهر التأويلات التي رافقت انتقاله، والتي ذهبت إلى ربط استقطابه من طرف “البام” بحسابات تتجاوز مجرد تعزيز المكتب السياسي للحزب، وصولا إلى الحديث عن احتمال أن يكون الرجل جزءا من ترتيبات سياسية أوسع لما بعد الانتخابات.
وإذا كان أخنوش قد اختار في الداخلة الحديث عن “الميركاتو” والعمل التنظيمي، فإن لقجع اختار في أكادير التي يرأس عزيز اخنوش مجلسها البلدي ويعتبرها معقلا له، الحديث عن “المعقول” والعمل والنتائج، حيث تبدو المسافة الجغرافية بين المدينتين، أقل أهمية من المسافة السياسية التي بدأت تتسع داخل أغلبية ما تزال قائمة حكوميا لكنها دخلت عمليا مرحلة التنافس على ما بعد الانتخابات.
فالتحالف الحكومي الذي جمع “الأحرار” و”الأصالة والمعاصرة” وحزب الاستقلال لم يعد يتحرك فقط بمنطق تدبير الولاية الحكومية الحالية، بل باتت مكوناته تنظر أيضا إلى اليوم التالي للاقتراع، وكلما اقترب موعد الانتخابات، يصبح من الطبيعي أن تتحول الحسابات من كيفية المحافظة على الانسجام داخل الحكومة إلى كيفية ضمان موقع أقوى داخل البرلمان، ثم إلى السؤال الأكبر المتعلق بمن يمتلك الحظوظ الأكبر لتشكيل الحكومة المقبلة.
المصدر: الصحيفة





