بين قلق مليلية وتدريب أكادير.. المغرب يُحرك ورقة الطائرات المُسيرة وينتقل من تشغيلها إلى توطين خبرتها
خلال أيام قليلة، كانت الطائرات المسيرة المغربية في صلب الحدث، ففي مليلية، طلبت السلطات الإسبانية من المغرب ضبط ارتفاع تحليقها بعد تأخر هبوط طائرة تجارية، رغم تأكيد شركة المطارات الإسبانية أن الحادث لم يؤد إلى إلغاء الرحلات أو إغلاق المجال الجوي، وأن الجهاز كان يحلق داخل المجال الجوي المغربي، وفي أكادير، كانت القوات المسلحة الملكية وقيادة “أفريكوم” والحرس الوطني لولاية يوتا قد نفذت برنامجا معلنا لتكوين مشغلين ومدربين على الأنظمة غير المأهولة.
ولا تثبت المعطيات أي صلة بين الواقعتين، لكنها تكشف اختلافا في قراءة التقنية نفسها: قلق ملاحي وقراءة أمنية في بعض التغطيات الإسبانية، مقابل شراكة عسكرية مؤسساتية تنقل المغرب من تشغيل المعدات إلى بناء خبرة قادرة على تكوين مستخدميها ونقل معارفها داخل المؤسسة العسكرية.
وتولى جانب من التأطير مدربون من مركز تدريب الأسلحة المشتركة، التابع لقيادة التدريب السابعة للجيش الأمريكي في فيلسيك بألمانيا، ضمن مسار بدأ بتطوير مهارات التشغيل، قبل الانتقال إلى إعداد عدد من المشاركين للاضطلاع بمهمة التدريب داخل وحداتهم.
ولم تقتصر الدورة على التحكم التقني في الطائرات، بل شملت قيادة المُسيرات، والتخطيط للمهمات، والأرصاد الجوية، والسلامة، وأساليب التدريب، إلى جانب العقيدة والاعتبارات العملية المرتبطة بإدماج الأنظمة غير المأهولة في العمليات العسكرية.
وتكمن القيمة الأساسية لهذا النموذج في أنه لا يكتفي بتخريج مشغلين، بل يؤسس لنقل المعرفة داخل القوات المسلحة الملكية بواسطة مدربين مؤهلين، بما يوسع قاعدة الكفاءات داخل وحدات القوات المسلحة الملكية.
ويمنح هذا المسار الطائرات غير المأهولة وظيفة تتجاوز التحليق والاستطلاع المنفصل، لتصبح جزءًا من عمليات أوسع تساهم في تحسين الوعي الميداني ودعم القرار وتطوير الاستخدام التكتيكي، وبذلك ينتقل المغرب من امتلاك الوسيلة وتشغيلها إلى تكوين موارد بشرية ووضع قواعد مؤسساتية تحدد كيفية توظيفها داخل العمليات العسكرية.
ولا يقدم المصدر العسكري الأمريكي الدورة باعتبارها عملية لنقل الخبرة في اتجاه واحد، إذ أوضح مسؤولون في الحرس الوطني لولاية يوتا، الذي لا يزال يطور برنامجه الشامل للمُسيرات، أنهم استفادوا بدورهم من طرق العسكريين المغاربة في التدريب وإدماج هذه الأنظمة.
واعتبر أحد المسؤولين الأمريكيين أن ما اكتسبه الوفد من معرفة بشأن المقاربات المغربية، سواء في الاستخدام الهواياتي والمهني للمسيرات والجمع بينهما، كان كافيا في حد ذاته لتبرير الرحلة، ويضع هذا التقييم المغرب في موقع الشريك الذي يساهم في تطوير المعرفة داخل مجال عسكري ناشئ، لا في صورة متلق للتكوين والتجهيز فقط.
وسبقت دورة شتنبر، خلال مناورات الأسد الإفريقي في ماي، أول دورة متعددة الجنسيات للمسيّرات، خرّجت أكثر من عشرين عسكريا من أربع دول، ويستند هذا التعاون إلى شراكة تجمع المغرب بالحرس الوطني لولاية يوتا منذ 23 عاما.
واتخذ هذا المسار بعدا مؤسساتيا أوسع في يوليوز، بتوقيع مذكرة ترمي إلى إحداث المركز الإفريقي للتدريب والتجريب متعدد المجالات في طانطان بحلول سنة 2030، على أن يضم منطقة للتدريب متعدد المجالات، وأكاديمية للمسيرات، ومركزا للابتكار والتجريب.
ويضع هذا التسلسل تدريب أكادير ضمن مشروع متدرج يتجاوز تنظيم دورات منفصلة، ويتجه إلى بناء منظومة دائمة للتكوين والتجريب، ضمن مسار يُراد له أن يجعل المغرب مركزا إقليميا للتكوين والتجريب في هذا المجال.
ولا ينفي ضبط المعطيات وجود إشكال ملاحي يستوجب التنسيق بين البلدين، فقد كان طلب السلطات الإسبانية تعديل ارتفاع التحليق طلبًا احترازيا مفهوما لتفادي أي تداخل مع مسار الطائرات التجارية، غير أن حدود الواقعة تختلف عن الدلالات العسكرية التي منحتها لها بعض التغطيات الإسبانية.
فالمعطيات الرسمية تفيد بأن المُسيرة كانت داخل المجال الجوي المغربي، وأن الحادث لم يؤد إلى إغلاق مطار مليلية أو إلغاء أي رحلة، كما لا توجد معلومات تثبت صلتها بالقوات المسلحة الملكية أو بالتدريب المنظم في أكادير، وبذلك يظل التنسيق بشأن سلامة الملاحة ضروريا، لكن الانتقال من واقعة محدودة إلى الإيحاء بوجود تهديد عسكري مغربي يتجاوز ما تسمح به الوقائع المنشورة، ويقيم علاقة بين حدثين متزامنين زمنيا من دون دليل يربط بينهما.
المصدر: الصحيفة





