تونس: أزمات بالجملة في الذكرى الخامسة لانقلاب قيس سعيّد

 

 

 

محمد كريشان
 كاتب وإعلامي تونسي

 

«أنتم الآن تفتحون الحنفية فتحصلون على الماء، وتضغطون على زر فتحصلون على الكهرباء».. حين قالها راشد الغنوشي، فكّ الله أسره، في مقابلة تلفزيونية قبل سنوات سخر منه الكثير من التونسيين لأنه برأيهم أشار إلى مكسب مضمون بالضرورة ولا معنى أبدا للإشارة إليه.
اليوم يجد التونسيون أنفسهم، وفي درجات حرارة تتجاوز الأربعين، أمام انقطاعات متكرّرة وطويلة للماء والكهرباء أخرجت الناس ليلا في بعض المناطق في مظاهرات غاضبة أطلقوا فيها شعارات ضد سلطة عاجزة حتى على المحافظة على مستوى ما كان يظنونه بديهيا.
هذه الانقطاعات لم تكن محدودة ولا قليلة فقد نغّصت حياة الجميع وعطّلت الكثير من المصانع، وكبّدت المحلاّت خسائر فادحة بعد أن تعفّنت سلعها من لحوم وحليب ومواد غذائية مختلفة، وأربكت سير الكثير من المرافق، بل وهذا هو الأخطر أدّت إلى وفيات بسبب انقطاع الكهرباء على مستشفيات وعلى مرضى يحتاجون إلى أجهزة تنفس اصطناعي أو آلات غسل الكلى وغير ذلك.
المستفز في كل ذلك أن السلطات لم تر من داع لمصارحة الجمهور بالأسباب الحقيقية لهذه الانقطاعات وإلى متى يمكن أن تتواصل، مع أن البعض لم يعد يطالب سوى بإعلام الناس مسبقا بمواعيد القطع والإعادة مما دفع أحدهم إلى التعليق على ذلك بالقول إن الشعب المغلوب على أمره مثلما تعوّد على ارتفاع أسعار اللحوم، وتعود على تكدّس الزبالة في الشوارع لأسابيع دون رفعها، وعلى فقدان الأدوية في البلاد، وعلى بحر غير نظيف، وعلى رؤية التجاوزات والسكوت عنها خوفا، فسيتعوّد على قطع الماء والكهرباء لساعات، وسيتعوّد على قطعه العام المقبل لأيام، وسيتأقلم لأن هناك تطبيعا تدريجيا مع الانحدار العام في كل شيء.

وكأي شيء آخر في تونس اليوم، لا نرى سلطة تصارح الشعب وتعترف بأن ما يجري ليس ظرفيا ولا يعود إلى «خونة ومتآمرين»، كما جرت عادة الاتهامات السخيفة المملة، وإنما بكل بساطة إلى ما وصفه بعضهم بـ»أزمة نموذج» شارحا ذلك بالقول إنه «لا يمكن لدولة تعتمد 97% على الغاز المستورد، بشبكة قديمة، وتمنع البيروقراطية فيها الاستثمار الخاص في الطاقة الشمسية، أن توفر كهرباء مستقرة عام 2026». وما يقال عن هذا القطاع يقال عن غيره مع وجود بنية قديمة مهترئة في كل المجالات، وغياب التمويل الضروري للصيانة والتطوير، وإلا ما معنى انقطاع الماء بعد موسم أمطار غزيرة للغاية في بلد يعتمد تخزين المياه في سدود؟!
المستفز أكثر في كل هذا المشهد المحتقن والبائس أن الأنظار حوّلت في الأيام الماضية إلى أمر آخر مختلف تماما: إنه ذلك الحديث المتكرّر عن صحّة رئيس الدولة بسبب عدم ظهوره الطويل، بعد كل ما تم تداوله عن مرضه وإقامته في المستشفى وإجرائه عملية جراحية، بل وحتى عن وفاته. وكالعادة، لا كلمة واحدة ولا توضيحا يخرج من السلطات حول هذا الشأن، رغم تزايد الشائعات وتضاربها، إلى أن يخرج الرئيس على الناس فجأة في «خبطة سينمائية» رهيبة في فيلم هندي تخرس الأصوات. عندها، يتضح أن أكبر مكسب تنعم به البلاد والعباد هو أن الرئيس حي يرزق!!
المستفز أكثر وأكثر.. أن خرجة قيس سعيّد الأخيرة ذهبت به في موكب ضخم كالعادة إلى شركتي المياه والكهرباء فقط ليقول إن ما يجري غير طبيعي!! أكثر من ذلك، لم يجد رئيس الدولة ما يتوجّه به إلى شعبه بعد أن استقبل قبل يومين رئيسة حكومته ووزيره للاقتصاد والتخطيط ومحافظ البنك المركزي سوى القول إن «حياة الدّول والأوطان لحظات تكون فيها الشّعوب في موعد مع التّاريخ لتصنع التّاريخ كما تريد، ولا مجال في هذه اللّحظة للأيادي المرتعشة والفرائص المرتعدة ولا للفكر المستلب»!.
عبث وسخف وهذيان في إدارة شؤون الدولة وتقرير مصير شعب، يقود البلاد تدريجيا وبخطى سريعة، إلى الانضمام إلى قائمة الدول الهشة أو حتى الفاشلة مع تزايد حدّة المؤشرات التي تعرّف مثل هذا المآل المظلم، ولتونس نصيب كبير منها. أبرز هذه المؤشرات سياسية من تآكل لشرعية النظام وضعف الثقة في المؤسسات الحكومية والقضاء والعملية الانتخابية وتدهور حقوق الإنسان وقمع المعارضين وانتشار الفساد الإداري والمالي والإفلات من المحاسبة، وكذلك اقتصادية من انخفاض حاد في الدخل القومي وتفشي البطالة وارتفاع معدلات التضخم وتدهور الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ونقل وكهرباء ومياه وزيادة معدّلات الفقر وتفاقم المديونية ونمو الاقتصاد الموازي مع تجارة المخدّرات والتهريب، وأيضا اجتماعية من هجرة للعقول ونزيف في الكفاءات والكوادر العلمية والمهنية بسبب انعدام الأمان.
إذا كان لسلطة الأمر الواقع في تونس بقيادة قيس سعيّد، وكل الأجهزة الصلبة المعروفة التي تدعمه من جيش وأمن، من «إنجازات» يفتخرون بها في الذكرى الخامسة للانقلاب على الدستور والانتقال الديمقراطي فهو مراكمتهم الحثيثة لهذه المؤشرات، دون أي إحساس بالمسؤولية أو بروز مبادرة لتغيير واقع مزر بهدف فتح فسحة أمل أمام الناس بعد هذا الاختناق العام القاتل. إلى متى؟!!

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...