قالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن القوات البرية الأمريكية تتخبط فعليا بلا دفة قيادة في أعقاب سلسلة الإقالات والخلافات التي افتعلها وزير الحرب بيت هيغسيث في ذروة الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران.
وذكرت الصحيفة في تقرير مطول أن خطورة الوضع تتمثل في أن القوات البرية تتخبط فعليا بلا دفة قيادة، في وقت تكافح فيه لمواجهة التهديدات التي تفرضها الطائرات المسيرة والصواريخ الرخيصة والفتاكة التي دكت القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط.
وأشارت الصحيفة إلى أن القوات البرية بقيت بلا رئيس أركان -وهو أرفع منصب عسكري بها- منذ أن أقال هيغسيث الجنرال راندي جورج دون إبداء أسباب في شهر أبريل/نيسان الماضي.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين حاليين وسابقين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، قولهم إنه لا توجد أية بوادر تشير إلى قرب تعيين مسؤول في هذا المنصب.
وذكرت نيويورك تايمز أن هيغسيث أجبر 3 ضباط كبار على الأقل، ممن كانوا يُعتبرون خلفاء محتملين للجنرال جورج، على ترك مناصبهم.
رحيل قادة التحديث وتسييس المناصب
وفي سياق متصل، صرح مسؤولون للصحيفة بأنه من المتوقع أيضا أن يغادر وزير الجيش دانيال بي دريسكول، وهو أرفع مسؤول مدني في القوات البرية، الإدارة خلال الأشهر القليلة المقبلة، وقد انتقل بالفعل من منزل العائلة الكبير الذي كان يستأجره في “فورت ماير” بضواحي العاصمة واشنطن.
وتأتي هذه الاضطرابات في الوقت الذي تواجه فيه القوات البرية -أكبر فروع القوات المسلحة الأمريكية- أكثر فتراتها انشغالا منذ حربي العراق وأفغانستان.
وتضطلع قوات الدفاع الجوي التابعة للقوات البرية بالدور الرئيسي في حماية القوات الأمريكية في الشرق الأوسط من الهجمات الصاروخية الإيرانية المتطورة، في حين تقدم قيادة القوات البرية في أوروبا دعما استخباراتيا حيويا، إلى جانب أشكال أخرى من الدعم، لأوكرانيا في قتالها لصد القوات الروسية الأكبر حجما.
وحتى وقت قريب، كان يُنظر إلى دريسكول على نطاق واسع كمرشح محتمل لخلافة هيغسيث إذا قرر الأخير التنحي أو فقد حظوته لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وكان دريسكول والجنرال جورج قد عملا سويا لإعداد القوات البرية لمواجهة ساحات معارك تعج بالطائرات المسيرة. وفي أواخر العام الماضي، طلب البيت الأبيض من دريسكول لعب دور قيادي في مساعيه الرامية إلى تأمين اتفاق سلام ينهي الحرب في أوكرانيا.
بيد أن تلك الجهود السلمية توقفت إلى حد كبير، وتراجعت وتيرة مساعي التحديث السريعة، وأصبح التواصل بين دريسكول وهيغسيث شبه مقطوع، بحسب ما أفاد مسؤولون. وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد أوردت نبأ رحيل دريسكول الوشيك في وقت سابق.
وإلى جانب الجنرال جورج، أوضح مسؤولون أن هيغسيث أقال أو أجبر نحو 6 من كبار الضباط على التنحي -وهم يمثلون جيلا من قادة القوات البرية الأكثر تمرسا في القتال- مما تسبب في إحداث فراغ في الرتب القيادية العليا للجيش للسنوات القليلة القادمة، بحسب التقرير.
ونقلت الصحيفة عن النائب الديمقراطي عن ولاية نيويورك وضابط استخبارات الجيش السابق، بات رايان، قوله “تفريغ الجيش من قادته الأكثر تمرسا وحنكة وفتكا في أوقات الحرب، يعني أن قواتنا ستكون أقل أمانا، وأن فرصنا في النصر ستتضاءل”.
وأضاف رايان: “إننا نُلحق ضررا يمتد لأجيال بالمفهوم الراسخ لكون المؤسسة العسكرية جهة موثوقة وغير مسيسة تُقسم بالولاء للدستور، وليس للرئيس”.
وبحسب الصحيفة، أعرب مسؤولون عسكريون وفي الكونغرس عن قلقهم على المدى الطويل من أن تبعث هذه الإقالات برسالة مفادها أن الضباط الذين يقدمون مشورة عسكرية صريحة، أو يفشلون في اجتياز “اختبارات الولاء الأيديولوجية”، لا مكان لهم في قوة يُفترض أن تكون محايدة ومستقلة حزبيا.
وذكرت نيويورك تايمز أن مكتب هيغسيث أحال الأسئلة المتعلقة بالإقالات والنقص في القيادات العليا إلى قيادة القوات البرية. بدورها، رفضت قيادة الجيش التعليق على وضع دريسكول، مشيرة إلى أنها لا تخوض في تكهنات حول “التغييرات القيادية”.
وقللت القوات البرية من تداعيات هذه الإقالات في بيان صادر عنها، وقالت المتحدثة باسم الجيش، سينثيا أو سميث: “يُجسد قادة الجيش أعلى معايير الواجب ونكران الذات والتميز المهني. إنهم يدفعون بنشاط بمهمة الجيش إلى الأمام، مع ضمان تحقيق أهدافنا الإستراتيجية، وبقاء جهود التحديث على مسارها الصحيح، وعدم المساس بجاهزيتنا العالمية بأي شكل من الأشكال”.
أدنى عدد للجنرالات منذ عقود
ويمكن قياس الفراغ في قمة هرم الجيش من خلال عدد الجنرالات من فئة “أربع نجوم” (فريق أول) الذين يخدمون في صفوفه. ففي يناير/كانون الثاني 2025، عندما تولى هيغسيث منصبه، كان هناك 10 جنرالات بـ4 نجوم في الخدمة الفعلية. أما الآن، فلا يمتلك الجيش سوى 5 فقط، وهو العدد الأقل منذ عقود.
وبعض هذه المناصب عبارة عن قيادات تركز على مناطق معينة من العالم، مثل الشرق الأوسط أو آسيا، ويتم إشغالها حاليا بضباط كبار من فروع عسكرية أخرى، في حين تم إلغاء بعض المناصب الأخرى.
وأشارت الصحيفة إلى أن مناصب مهمة مثل منصب الإشراف على “قيادة التحول والتدريب” في القوات البرية شاغرة منذ عدة أشهر. ففي الصيف الماضي، اختار هيغسيث الجنرال ديفيد إم هودن لقيادة هذه الإدارة، ثم بعد ذلك أقاله بعد 8 أشهر دون تقديم أي تفسير.
وتتولى هذه القيادة مسؤولية تدريب وتجهيز الوحدات البرية التابعة للجيش، بما في ذلك طواقم أنظمة باتريوت المضادة للصواريخ. وتُعتبر منظومات باتريوت خط الدفاع الرئيسي ضد الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تُطلق على القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط.
وأشارت الصحيفة إلى أن شاغرا حيويا آخر برز في شهر يوليو/تموز الماضي، عندما خفض هيغسيث رتبة المنصب القيادي الذي يشغله الجنرال كريستوفر تي دوناهيو، والمشرف على القوات البرية الأمريكية في أوروبا، إلى منصب برتبة 3 نجوم (فريق)، مما أجبر هذا الضابط الرفيع في الجيش على التقاعد، ما لم يحصل على منصب آخر من فئة 4 نجوم.
إلا أن الشغور الأبرز في القوات البرية، بحسب الصحيفة، تمثل في الغياب على مستوى القيادة العليا في أعقاب إقالة الجنرال جورج قبل 4 أشهر. وبصفته رئيس أركان القوات البرية، كان الجنرال جورج مسؤولا عن تدريب وتجهيز الوحدات التابعة للقوات البرية في جميع أنحاء العالم. وشملت مسؤولياته تسريع عمليات شراء الذخائر الحيوية مثل صواريخ باتريوت الاعتراضية، وأنظمة مدفعية “أتاكمز”، وغيرها من الأسلحة التي تُطلَق من الأرض والتي تعاني من نقص في الإمدادات.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في القوات البرية قولهم إن الجنرال جورج واجه صعوبات في إرساء علاقة جيدة مع هيغسيث، الذي قدم إلى البنتاغون حاملا شكوكا عميقة تجاه القيادات العليا للجيش ناجمة عن تجربته الشخصية.
جذور الأزمة.. وُشوم و”انتقام شخصي”
وأشار التقرير إلى أنه بعد انتشاره العسكري في العراق وأفغانستان، أُجبر هيغسيث على ترك الحرس الوطني بسبب وشوم اعتُبرت متطرفة. وفي كتاب أصدره عام 2024، كتب هيغسيث قائلا “لقد لفظني الجيش الذي أحببته، وحاربت من أجله، ووقرته”.
وبدا أن انعدام ثقة هيغسيث بالجنرال جورج وغيره من كبار قادة الجيش كان يزداد مع مرور كل شهر في البنتاغون.
مكالمة الـ15 ثانية وصدام مع “الشيوخ”
وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أطاح هيغسيث بالجنرال جيمس مينغوس، نائب رئيس أركان القوات البرية، قبل عام من الموعد المقرر لمغادرته منصبه. وبدلا منه، رشح هيغسيث والبيت الأبيض الجنرال كريستوفر لانييف، كبير المساعدين العسكريين لهيغسيث، لشغل هذا المنصب ليصبح الرجل الثاني في قيادة القوات البرية، والمشرف على العمليات اليومية لهذا الفرع.
وقد تسبب قراره بتهميش الجنرال مينغوس دون تقديم سبب واضح في إثارة استياء ومعارضة بعض أعضاء مجلس الشيوخ، وأسهم في تدهور إضافي في علاقة هيغسيث المتوترة أصلا مع كل من الجيش والكونغرس، بحسب نيويورك تايمز.
وذكر التقرير أن عددا من المشرعين، الذين أصابهم الإحباط بسبب افتقار هيغسيث للشفافية فيما يخص قراراته المتعلقة بالأفراد ومخزونات الذخائر العسكرية، لجؤوا إلى تعليق ترشيح الجنرال لانييف، وهو ما منعه فعليا من تولي المنصب.
وفي البداية، اتهم هيغسيث الجنرال جورج بالتواطؤ مع المشرعين الذين بادروا بتعليق الترشيح، وفقا لما ذكره مسؤولون في الكونغرس والدفاع للصحيفة.
إلا أن اتهام هيغسيث كان باطلا، بحسب مسؤولي الكونغرس؛ إذ ضغط الجنرال جورج على المشرعين للسماح بالمضي قدما في الترشيح من أجل مصلحة القوات البرية وعلاقته مع هيغسيث، بحسب التقرير.
وأدى الجنرال لانييف اليمين كنائب لرئيس الأركان في فبراير/شباط الماضي. وبعد أقل من شهرين، أقال هيغسيث الجنرال جورج خلال مكالمة هاتفية لم تتجاوز مدتها 15 ثانية، وفقا لمسؤولين في وزارة الدفاع.
وفي الوقت الحالي، لا يحظى الجنرال لانييف -وهو مرشح هيغسيث لقيادة القوات البرية- بدعم جمهوري كاف في مجلس الشيوخ للمصادقة على تعيينه.
وعادة ما يحظى الجنرالات والأدميرالات المرشحون لقيادة الفروع العسكرية بدعم إجماعي أو شبه إجماعي في مجلس الشيوخ. ومن بين أولئك الذين يعرقلون صعود الجنرال لانييف السيناتورة جوني إرنست، وهي سيناتورة جمهورية من ولاية آيوا خدمت لمدة 22 عاما في الحرس الوطني للولاية.
وذكر التقرير أنه في مقابل دعمها لتعيين الجنرال لانييف نائبا لرئيس أركان القوات البرية في الخريف الماضي، اعتقدت إرنست أن هيغسيث قد أكد لها أنه سيسمح للجنرال جورج -وهو من نفس ولايتها آيوا- بإكمال ولايته كرئيس للأركان، والتي كان من المقرر أن تنتهي في منتصف عام 2027.
وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد أشارت في وقت سابق إلى اعتراضات إرنست على الجنرال لانييف.
وبحسب التقرير، عقب إقالة الجنرال جورج، اتصلت إرنست بالرئيس ترمب لتقديم شكوى، وأخبرته أن الجنرال جورج يُعد واحدا من أفضل ضباط الجيش، وفقا لمسؤول في الكونغرس مطلع على المكالمة. وأضافت لترمب أن والدي الجنرال كانا قد صوتا له. وأوضح ترمب أن الإقالة كانت قرارا اتخذه هيغسيث، قائلا لها “أبلغي الجنرال أسفي”.
تحذيرات من التأخر خلف روسيا والصين
وفي الوقت الحالي، يشغل الجنرال لانييف منصبي نائب رئيس الأركان ورئيس الأركان بالإنابة معا، وكلاهما من المناصب الشاقة التي تتطلب رتبة “4 نجوم”.
وحذر منتقدون من أنه بدون قيادة قوية، يواجه الجيش خطر التخلف عن خصوم مثل روسيا والصين، الذين يحققون تقدما سريعا في دمج الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة الجديدة ضمن تشكيلاتهم، على حد وصف التقرير.
وفي أول رسالة رئيسية له موجهة للقوات البرية وجرى نشرها عبر الإنترنت الأسبوع الماضي، تطرق الجنرال لانييف إلى هذه التحديات، محذرا من أنه يجب على الجيش أن يكون مستعدا لـ”التمكن من بيئة عملياتية تبدو مختلفة جذريا عن ساحات القتال القديمة”.
ومع ذلك، وخلال محادثاته مع كبار قادة الجيش، أعرب لانييف عن قلقه من أن مساعي التحديث التي قادها أسلافه لم تركز بالقدر الكافي على المهارات القتالية الأساسية، وفقا لما ذكره مسؤولون للصحيفة. وتحقيقا لهذه الغاية، تحدث عن الحاجة إلى العودة للأساسيات، محذرا بقوله: “إن ثمن أي تقصير في التدريب أو تهاون في الانضباط، سيُدفع دمًا”.
المصدر: الجزيرة






