ملف مُؤجل لكنه لم يُطوَ.. تصريحات وهبي وكلمة التوفيق أمام الملك تذكر بموقف العثماني وبنيَعيش قبل 6 سنوات وتؤكد أن “استرجاع” سبتة ومليلية هو “قرار دولة” بالنسبة للمغرب

إيطاليا تلغراف متابعة

في الوقت الذي أعلن فيه رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، عقد اجتماع لمجلس الأمن القومي بسبب ملف مدينة سبتة، كان وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي، أحمد التوفيق يذكر بأن المدينة، وشقيقتها مليلية، مدينتان محتلتان تابعتان في الأصل للأراضي المغربية، وذلك أمام الملك محمد السادس.

وإذا كان ما صدر عن التوفيق هو آخر تذكير بالمطالب المغربية، فإن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، سبقه قبل ذلك بأيام، حين استغل خرجتين إعلاميتين ليذكر بالوضع غير الطبيعي للثغور المغربية الموجودة حاليا تحت السيادة الإسبانية، مشددا على ضرورة عودتها إلى المغرب، ما يؤكد أن الأمر هو توجه رسمي للدولة وليس مجرد رد فعل لحظي صادر عن مسؤول مغربي.

وحضر اسم سبتة، بشكل لافت، في الكلمة التي ألقاها أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، خلال حفل إحياء ليلة المولد النبوي، أمس الاثنين، بالقصر الملكي بالرباط، وذلك في سياق حديثه عن خصوصية ارتباط المغاربة بالنهج النبوي وبالتراث الديني الذي راكمه علماء البلاد عبر قرون.

وخلال حديثه أمام الملك محمد السادس، الذي ترأس الحفل باعتبارع أميرا للمؤمنين، أبرز التوفيق أن تعلق المغاربة بالجناب النبوي اتخذ، إلى جانب بعده السياسي، بعدا عاطفيا وثقافيا تجلى في عناية علماء المغرب بكتب السيرة والصلاة على النبي، مستحضرا في هذا السياق كتاب “الشفا” للقاضي عياض، وكتاب “الدر المنظم” للعزفي، قبل أن يصل إلى “دلائل الخيرات” للإمام الجزولي.

ولم يكن استحضار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، للقاضي عياض والعزفي عابرا، إذ شدد على أن كليهما ينحدر من مدينة سبتة، في إشارة إلى المكانة التي احتلتها المدينة داخل المجال العلمي والثقافي المغربي عبر التاريخ، قبل أن تنتقل لاحقا إلى واقع سياسي مختلف نتيجة التحولات التي عرفتها المنطقة خلال القرون الماضية.

وقال التوفيق إن المغاربة “تبرزوا من بين جميع المسلمين في كل العصور في ذكر المقامات المصطفوية”، مستشهدا بكتاب “الشفا” للقاضي عياض، ثم “الدر المنظم” للعزفي، وهما عالمان من مدينة سبتة، قبل أن يذكر “دلائل الخيرات” للجزولي، الذي وصفه بأنه كان «شعار المغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث».

وتحمل هذه الإشارة إلى سبتة، التي استدعاها التوفيق خلال مناسبة ذات حمولة دينية ورمزية، دلالة خاصة في الظرف السياسي الراهن، خصوصا مع عودة ملف المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية والجزر المتوسطية إلى واجهة النقاش المرتبط بالعلاقات المغربية الإسبانية، في ظل استمرار الرباط في اعتبار هذه المناطق جزءا من المجال الترابي المغربي، وارتباط وضعها الحالي بإرث تاريخي واستعماري لم تتم تسويته بشكل نهائي.

ودفع الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة من طرف مهاجرين غير نظاميين، نهاية يوليوز الماضي، بملف المناطق التي تعتبرها الرباط ثغورا محتلة، إلى الواجهة مجددا، بعدما رد الجانب المغربي على اتهامات الطبقة السياسية الإسبانية له بـ”التقصير” في حماية الحدود، بتذكير مدريد بأن الأمر يتعلق بملف موروث عن الحقبة الاستعمارية في شمال إفريقيا، والذي لم يطو بعد.

ولا يقتصر حضور سبتة في الذاكرة المغربية على بعدها الترابي والسياسي، بل يمتد إلى تاريخ المدينة نفسها، التي كانت لقرون مركزا علميا وثقافيا بارزا في الضفة الجنوبية للمتوسط، وخرج منها علماء كان لهم تأثير واسع في الفكر الديني المغربي، وهو ما أعاد التوفيق التذكير به من بوابة التراث النبوي.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة مختلفة مقارنة بسنوات سابقة، بعدما انتقل البلدان إلى تعاون سياسي وأمني واقتصادي أكثر انتظاما، من دون أن يعني ذلك التخلي المغربي عن موقفه بشأن سبتة ومليلية والجزر المتوسطية، وهي مناطق تواصل إسبانيا بسط سيادتها عليها.

ويتعامل المغرب مع هذا الملف باعتباره من بقايا الإرث الاستعماري في شمال البلاد، إلى جانب قضايا أخرى ارتبطت بالتوسع الأوروبي في المنطقة خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فيما تعتبر إسبانيا المدينتين جزءا من أراضيها الوطنية، وهو خلاف تاريخي ظل قائما رغم تطور العلاقات الثنائية.

وتكتسب الإشارة التي وردت في خطاب وزير الأوقاف أهميتها أيضا من كونها جاءت في سياق الحديث عن “تحرير المدن المحتلة”، إذ لم يفصل التوفيق بين التراث النبوي المغربي وبين الذاكرة التاريخية المرتبطة بمقاومة الاحتلال، مستحضرا “دلائل الخيرات” بوصفه كتابا ارتبط، في الذاكرة التي عرضها، بتعبئة المغاربة لتحرير مدن احتلها الأوروبيون على الساحل الأطلسي.

وقبل كلمة التوفيق أمام العاهل المغربي، أعاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي إثارة ملف سبتة ومليلية، في 21 غشت الجاري، بعدما أكد، خلال حلوله ضيفا على القناة الثانية في 21 غشت 2026، أن المدينتين يجب أن تعودا إلى المغرب، معتبرا أن القضية ستظل “موضوعا للحوار بيننا وبين إسبانيا”.

وشدد وهبي، في غمرة الأزمة السياسية بين البلدين، التي تلن الاقتحام الجماعي لسبتة، على تمسك المغرب بما وصفه بـ”حقه التاريخي والجغرافي” في الثغور التي تسيطر عليها إسبانيا حاليا، مقترحا إحداث لجنة للحوار مع الجانب الإسباني لبحث وضع المدينتين، ومؤكدا أن الرباط “لا يمكنها التزام الصمت” بشأن هذا الملف.

وتأتي تصريحات وهبي بعد موقف سبق أن عبر عنه في 12 غشت الجاري، أكد فيه استمرار المغرب في التمسك بمطالبته بسبتة ومليلية، في وقت ظل فيه ملف المدينتين من القضايا الحساسة في العلاقات المغربية الإسبانية، رغم التطور الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة.

وفي أول رد رسمي على تصريحات وهبي الأخيرة، أكدت وزارة الخارجية الإسبانية أن سبتة ومليلية “تشكلان جزءا من الوحدة الترابية والسيادة الإسبانية المعترف بهما دوليا”، كما اعتبرت أن المدينتين “جزء من تراب الاتحاد الأوروبي”، وأوضحت الخارجية الإسبانية أن مدريد ترفض بشكل قاطع أي طرح يخالف هذا الموقف بشأن وضع المدينتين.

وأشارت الخارجية الإسبانية إلى أن موقفها من القضية تم إبلاغه إلى المغرب عبر القنوات الدبلوماسية، في تأكيد على تمسك مدريد بالوضع القائم في المدينتين، ويعيد هذا التبادل التصريحات الرسمية حول سبتة ومليلية إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، في ظل استمرار الرباط في التأكيد على مطالبها بشأن المدينتين، مقابل تمسك مدريد بسيادتها عليهما ورفضها أي تغيير في وضعهما.

ففي دجنبر من سنة 2020، وخلال لقاء أجراه مع قناة “الشرق”، سُئل رئيس الحكومة المغربية حينها، سعد الدين العثماني، عن العلاقات المغربية الإسبانية، بما يشمل ملف سبتة ومليلية، في سياق كانت فيه العلاقات الثنائية بين البلدين تبدو جيدة، فكان جابه أن “سبتة ومليلية من النقاط التي من الضروري أن يُفتح فيها النقاش… الجمود هو سيد الموقف حاليا”، وتابع أن هذا الملف مُعلق منذ 5 إلى 6 قرون، مضيفا “ربما سيُفتح في يوم ما، ويجب أولا أن نُنهي قضية الصحراء، فهي الأولوية الآن”، ورغم أنه أكد أن المغرب يعتبر المدينتين أراضٍ مغربية، إلا أنه شدد على أن تدبير المغرب لقضاياه “قرار سيادي”.

هذه التصريحات كانت مُفاجئة للإسبان، ودفعتهم إلى التعجيل باستدعاء السفيرة المغربية في مدريد كريمة بن يعيش عبر وزارة الخارجية، التي أتبعت ذلك ببلاغ قالت فيه إنها “تتوقع من جميع شركائها احترام سيادة وسلامة أراضيها”، إلا أن بن يعيش، وخلال اجتماعها بكاتبة الدولة الإسبانية في الخارجية كريستينا غالاش، أوضحت أن “موقف المغرب بخصوص سبتة ومليلية، لم يتغير ولا جديد فيه”، وأضافت أن الرباط “تعتبر أن المدينتين محتلتان من طرف إسبانيا”، وفق ما نقلته حينها وكالة “أوروبا بريس” الإسبانية.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...