ليلى الشايب
إعلامية تونسية
لو كان شخصاً غيره لكان “النكوص” تهمة مستحقّة ووصفاً ملائماً لفعل بغيض يدلّ على التقلّب والكذب والخداع، ولكنه نتنياهو من فعل هذا، ولم يفعل شيئاً غيره منذ تولّيه منصب رئاسة الحكومة في إسرائيل عام 1996. لذلك لم يكن مفاجئاً إعلانه أخيراً رفضه خطة “مجلس السلام العالمي” بشأن بدء انسحاب جيش الاحتلال التدريجي من غزّة، إلا في توقيته وفي علاقته بتطورات الأحداث أو جمودها على جبهاتٍ أخرى تتفاخر إسرائيل بأنها تخوضها جميعاً باقتدار وتحقّق فيها أهدافها المتوسّطة وبعيدة المدى… غزة وجنوب لبنان أساساً، أما إيران فلا تزال بعيدة المنال عن أطماعها التي تسمّيها “مخاوف محقّة”.
بعد شهرين، يكمل وقف إطلاق النار في غزّة عامه الأول، بعدما أنهى “نظرياً” عامين من حرب وحشية أكلت أكثر من 76 ألفاً من أبناء القطاع بين شهداء ومفقودين، فيما تُسمّى في الإعلام العالمي حرباً بين إسرائيل و”حماس”!. ويفترض أن تبدأ المرحلة الثانية من خريطة الطريق بتنفيذ الجيش انسحاباً تدريجياً من قطاع غزّة الى ما يعرف بـ”الخطّ الأصفر” الذي يفصل 47% من أراضي القطاع التي يقيم عليها الفلسطينيون عن 53% منها تسيطر عليها اسرائيل. بالتزامن مع نزع سلاح حركة حماس التي يبدو أنها أربكت نتنياهو ووزراءه، عندما أعلنت، بأريحيّة غير متوقعة لدى خصومها، كما لدى “الأنصار” والمتعاطفين، قبولها نزع سلاحها وتسليمه لسلطة محلّية حديثة التشكيل، بعدما كانت قد أكّدت سابقاً، في إطار أشمل، “التزامها مقترح السلام في إطار المسؤولية الوطنية”. ورغم يقينه باستحالة نزع سلاح الحركة بعصا سحرية مرّة واحدة وفي زمن قصير، من دون خطوات مقابلة من إسرائيل، ولو في الحدود الدنيا، قرّر نتنياهو في لحظةٍ هي مزيج من عجرفة وخيبة، قلب الطاولة، لا فقط على “حماس” والناجين من الحرب المتطلّعين إلى بارقة أمل بعودة شبه حياة في قطاعهم المنكوب، بل على كل الأطراف التي شاركت في صياغة الاتفاق وأخرجته في ذلك الشكل الاحتفالي الصاخب، وخصوصاً على ترامب، وهو قائد مجلس السلام العالمي الذي أعلن الشهر الماضي (يوليو/ تموز) عن انفراجة وعلّق على إعلان “حماس” بخصوص سلاحها، بالقول إن “موافقتها وهي التي تحكم القطاع منذ نحو عقدين، تجعل إسرائيل سعيدة للغاية”. وكان قد أخبره قبلها، وهو يوقع الاتفاق بأنه أنقذه وأنقذ حكومته من مصيرٍ قاتم لم يكن ليفلت منه بالمحاكمة أو بغيرها.
اليوم، يؤكّد نكوص نتنياهو عما وقّعه أن ما منحه لترامب من بهرج في المسمّى، وفي الاحتفالية العالمية، والوعود بـ”جنّة غزّة الجديدة” التي ستحمل بصمة الرئيس صانع السلام، كانت طعماً ومكافاةً مسبقة مقابل مكاسب كبرى في موقع آخر من جغرافية المنطقة، طلبها من ترامب، وأغراه بالامتيازات العظيمة التي سيجنيانها منها معاً، وحاول خصوصاً مراراً إقناعه بأنها في المتناول، ولا تحتاج أكثر من قرار “شجاع، نهائي وحاسم”: حرب شاملة على إيران… تسقط النظام وتضع في اليوم التالي ثروات البلاد الشاسعة تحت إمرته وتصرّفه وتمنحه سلطة مطلقة على واحد من أهم الممرّات المائية في العالم. وتختم الولايات المتحدة بختم القوة والنفوذ المطلقين على المنطقة، ليشاهد العالم بأسره هذا العرض، ويعلن الرضوخ النهائي، إلا أن العرض المغري للرئيس، ورجل الأعمال الأكثر شراهة في التاريخ الأميركي، لم يكن مغرياً بما يكفي ليقدم على الخطوة الأخيرة في مسارٍ كامل هيّأ له نتنياهو شخصياً منذ أكثر من ثلاثة عقود. واعتقد أن شخصاً يشبه ترامب تماماً هو الوحيد المناسب لإنجاز المهمّة التاريخية. وللمرّة الأولى، يتبيّن، بل يصبح ممكناً الاعتقاد بأن الحرب في هذه المنطقة بالذات لم تعد قراراً يتخذه شخص فقط مهما امتلك من نفوذ أو تعرّض لضغوط.
لقد بدا القول في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لحظة إعلان اتفاق وقف الحرب في غزّة، بأنه “اتفاق مقابل شيء كبير قادم مطلوب إنجازه” ضرباً من البارانويا أو الإحباط والسلبية العقيمة. لكن شخصية نتنياهو وسيرته تعزّزان الشكوك دائماً، وتؤكدان سلامة الحدس والتوقّع، فقد كان ما حدث أقرب ما يكون إلى صيغة “اتفاق غزّة ومكاسبه مقابل حرب على إيران”…
عندما تدخل إسرائيل أرضاً لا تدخل كي تخرج، تحت أي ضغط أو بمقتضى اتفاق والتزام
والرئيس الأميركي لا يزال في بدايات ولايته يمتلك الطاقة والحماسة، ويتمتّع بحزام سياسي يدعمه ويدافع عن قراراته، إلا أن غزّة التي ذهبت بخصمه بايدن لا تزال تمتلك من التأثير ما يجعل أي إنجاز آخر لترامب في المنطقة وذي صلة بنتنياهو وإسرائيل يتآكل أو يستحيل. مع هذا، يستميت نتنياهو في المحاولة، ويصعب عليه إخفاء الضغوط التي يحاول ممارستها على ترامب باتجاه ايران، والتي لا يبدو أنها تؤتي أكلها بقرار من ترامب نفسه الذي يلاعبه أيضاً، فيمهّد له طريقاً في لبنان لسلام دونه عقبات جمّة، ولكنه فتح، فحيث لا يتحقّق لرئيس حكومة إسرائيل كلّ ما يريده في هذه المرحلة الحرجة من حياته السياسية، ويثقل ميزان التهم الموجّهة إليه داخليا ودولياً، يعوّضه عنه ترامب بما تبدو مكاسب ملموسة في الجوار القريب… حوالى 255 كيلومتراً مربعاً سيأخذها من غزّة، ويضمّها إلى قوام إسرائيل، ومساحة أخرى في جنوب لبنان تقدّر بأكثر من ستمائة كيلومتر مربع، رغم عبارات جوفاء تتكرّر عن ضرورة انسحاب إسرائيل منها في توقيتٍ غير معلوم، وما يربو على 250 كيلومتر مربعاً من أراضي القنيطرة وريف دمشق ودرعا السورية… ما يعني تمدّد مساحة إسرائيل إلى أكثر من ألف كيلومتر مربع من أراضي الجوار العربي. وتستمرّ في الاستيلاء في مواقع أخرى، حيث العملية أصعب في التبرير لها والدفاع عنها، فتبتكر لها تخريجات ومنفّذين يظهرون أمام العالم كأنهم يتحرّكون بشكل فردي، فيما الحقيقة لا تخطئها العين. وما يعرف اليوم بـ”الاستيطان الرعوي” هو آخر صيحة في عالم اللصوصية وسرقة الأرض. ويفاخر نتنياهو بالتوسّع المتزايد في أكثر من مناسبة، مؤكداً مقولته عن “إسرائيل الكبرى” تدريجياً، رغم محاولات متحدّثين إسرائيليين لتمييع الفكرة حماية له وللفكرة نفسها، ولكنها الحقيقة الماثلة اليوم من دون رتوش.
عندما تدخل إسرائيل أرضاً لا تدخل كي تخرج، تحت أي ضغط أو بمقتضى اتفاق والتزام. قد تخرج فقط بالقتال وفي حرب مفتوحة مع أصحاب الأرض، لذلك ظهر نتنياهو وفيّاً لنفسه في نكوصه أخيراً عمّا نصّت عليه خطة طريق مجلس السلام في غزّة، ولعلّه كان ينتظر من حركة حماس موقفاً مختلفاً يبرّر به مماطلته وتشكيكه واستدارته على الاتفاق الذي اهتزّ له ترامب طرباً وزهواً. إلّا أن “حماس” ناورته وسحبت منه الذرائع، أو هكذا ظنّت، وما من ذرّة شك في أنه كان سيمضي في خطته كما رسمها في كلّ الاحول. وأيّاً كان موقف حماس، مع إضافة بعض من بهاراته المعهودة من نسف لأسس الاتفاق نفسه وإجراءات تبدو مستحيلة التنفيذ، كقوله في اجتماع لمجلس وزرائه: “طالما أنا رئيس للحكومة، لن تقوم دولة فلسطينية في غزّة، ولا في الضفة الغربية… لا فتحستان ولا حماستان… وعندما أقول إن حماس يجب أن تنزع سلاحها، فإنني أعني بذلك الأسلحة الثقيلة والخفيفة وكل الأسلحة”. ويؤكّد شروطه الممثل الأعلى لشؤون غزّة لدى مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، وقد تراجع عن موقفه السابق، أن عملية نزع السلاح ستشمل كل ما لدى “حماس”، وصولاً إلى بنادق الكلاشينكوف، وسيجري إتلافها كلها، لا تسليمها فقط. وحتى لا يستثير كل غضب حليفه الذي لا يستجيب له دائماً، منح الضوء الأخضر لمشروع يلفه الغموض في منطقة سُمّيت “رفح الخضراء”، الواقعة ضمن الخط الأصفر المتقلص باستمرار، لا يعرف عنه الكثير، غير ما أعلن عن كونه مشروعاً تجريبياً لإعادة التأهيل والبنية التحتية في المنطقة الواقعة تحت سيطرة جيش الاحتلال بشكل كامل، وأن العمّال والمقاولين المشاركين في أعماله هم من سكان غزّة، ويخضعون حالياً لإجراءات وفحوص أمنية مكثفة من جهاز الأمن العام الإسرائيلي.
ظهر نتنياهو وفيّاً لنفسه في نكوصه أخيراً عمّا نصّت عليه خطة طريق مجلس السلام في غزّة، ولعلّه كان ينتظر من “حماس” موقفاً مختلفاً يبرّر به مماطلته وتشكيكه
الطبيعة تكره الفراغ، ونتنياهو يكره الفراغ الناجم عن العطالة عن القتل أو التدمير أو التآمر والابتزاز والمناورة لمعركة أخرى مقبلة، ومعركته القادمة انتخابات في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وفي فلكها تدور كل مواقفه وتصريحاته الأحدث، أهمها وأخطرها إعلانه رفض خطة السلام في غزّة التي تمثل، في جوهرها، تمرّداً على الرئيس ترامب نفسه وتحدّياً مزدوجاً لحلفائه وخصومه الداخليين الذين يطالبونه بالرفض العلني للخطة، وقد كان “شجاعاً” وفعلها! ومن اللافت أن ترامب لم يعلّق على رفض “منجزه” بما كان متوقعاً من الحدّة والغضب، وهو ما يُفسّر بتفهّمه طبيعة السياق الانتخابي في إسرائيل، حيث ترتفع سقوف المواقف والتصريحات… وينطبق الحال عليه أيضاً، ويبرّر فرملة خطواته في المواجهة مع إيران مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، وهو يقود سفينة الجمهوريين المترنّحة. هذا التفهّم المتبادل لطبيعة المرحلة في كلٍّ من أميركا وإسرائيل بين شخصيتين مثيرتيْن للجدل، يصعب أن يمرّ من دون طرح تساؤلات: هل يتمنّى كلاهما فوز كليهما في هذه الانتخابات الحاسمة، أم أن يستمرّ أحدهما دون الآخر والتخفّف بعد ذلك من حدّة الاحتكاكات بينهما، رغم التناغم الظاهر، التي ترتدّ على بقية الدول ومنطقة الشرق الاوسط بالذات؟ وهل بلغ ما يسمّى المجتمع الدولى من العجز والسلبية ما يجعله يتفرّج على انتكاسة اتفاق شارك في إخراجه والاحتفاء به أملاً في التخلّص من عقدة ذنب غزة، من دون تحرّك بحجم الانتكاسة التي قرّرها شخص؟ وهل بقي لصيغة الاتفاق من مصداقية أو قوّة ملزمة بالتنفيذ؟
ليس نكوص نتنياهو جديداً، لكن خمول الإرادة الدولية إلى هذا الحدّ هو الجديد المفزع، إلى درجة توحي بتواطؤ رسمي وعدم رغبة في استعداء دولةٍ أصبحت تهدّد علناً بالانتقام ممن ينتقد أفعالها، حتى من الحلفاء الناصحين. صمت ثقيل، سيكسر بمجرّد انتهاء انتخاباتٍ مفصليةٍ يتطلّع إليها العالم بأسره.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





