هل قرّر المغرب استعادة سبتة ومليلية؟

 

 

 

 

علي أنوزلا
صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع “لكم. كوم”.

 

منذ اندلاع أحداث سبتة المحتلة في أقصى الشمال المغربي، نهاية الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، عادت إلى الخطاب السياسي والإعلامي في المغرب قضية استعادة المدينة، ومعها مليلية التي يحتلها الإسبان كذلك في أقصى شمال البلاد منذ نحو 500 سنة، إضافة إلى جزر صغيرة وصخور ناتئة تقع على مرمى حجر من الشواطئ المغربية. وهذه الجزر والصخور، غير المأهولة في معظمها وغير الصالحة للسكن، تتخذ منها السلطات الإسبانية قواعد عسكرية أو أبراج مراقبة غير بعيد عن الشواطئ المغربية.

ورغم قدم احتلال إسبانيا المدينتَين وأرخبيل الجزر الصغيرة القريبة من الشاطئ المغربي منذ مئات السنين، فإن المغرب لا يعترف بسيادة إسبانيا عليهما، ورغم أنه لم يطالب رسمياً باستعادتهما منذ 1956، تاريخ استقلال المغرب، فإنّ المغاربة يعتبرون المدينتَين والجزر التابعة لهما أراضيَ محتلة، ويكاد لا يوجد مغربي يسلم بالسيادة الإسبانية عليهما.

وعلى الطرف الآخر، تعتبر إسبانيا المدينتَين والجزر الأخرى القريبة منهما أراضيَ إسبانية، وأقنعت الاتحاد الأوروبي بضمها إلى الفضاء الأوروبي، حتى باتت تشكل الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي داخل القارّة الأفريقية. ويعيش اليوم في المدينتَين المأهولتَين، سبتة ومليلية المحتلتَين، نحو 170 ألف نسمة، أغلبهم من أصول مغربية ومن أبناء المدينتَين المحتلتَين، لكنهم يحملون الجنسية الإسبانية.

يعيش اليوم في المدينتَين المأهولتَين، سبتة ومليلية المحتلتَين، نحو 170 ألف نسمة، أغلبهم من أصول مغربية ومن أبناء المدينتَين المحتلتَين

وطوال العقود الماضية، تعايش المغاربة والإسبان مع هذا الوضع، وتعاملت الدولتان معه على نحوٍ طبيعي، مع تنسيق بينهما في ما يخص المعابر والجدران الطويلة التي تفصل المدينتَين عن التراب المغربي، والتي تشبه، في بعض جوانبها، تلك التي أقامها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. وقد أقامت إسبانيا هذه الجدران منذ سنوات بدعم من الاتحاد الأوروبي وبتنسيق مع الدولة المغربية، لمنع تسلّل الهجرة غير النظامية إلى المدينتَين اللتيْن تحسبهما بروكسل جزءاً من فضاء شنغن. ومع هذا، لم يختف خطاب استعادة أو تحرير المدينتَين من الخطاب الإعلامي أو الشعبي عموماً في المغرب. وعلى الجانب الرسمي، كان المسؤولون المغاربة يتجنّبون إثارة الموضوع رسمياً أو حتى علانية، لحساسية تأثيره على العلاقات المغربية الإسبانية، بينما ظل الإسبان ودولتهم حاسمين في أن هذه الأراضي إسبانية، ولا مجال لمناقشة أو حتى التشكيك في سيادتهم عليها.

لكن منذ اندلاع الأحداث التي عُرفت إعلامياً بـ”الهروب الكبير” لأكثر من 70 ألف مغربي نحو سبتة المحتلة، ومحاولة آلاف آخرين اقتحام مليلية غير البعيدة عنها، عاد إلى النقاش موضوع الاحتلال الإسباني، وهذه المرّة ليس على المستويَين، الإعلامي والشعبي فحسب، وإنما أيضاً على المستوى الرسمي، من خلال تصريحات لوزير العدل المغربي، المسؤول الحكومي المغربي الوحيد الذي سمح له، حتى كتابة هذه السطور، بالحديث عن أحداث سبتة المحتلة وتداعياتها، المستمرّة على العلاقات المغربية الإسبانية. وفي أكثر من تصريح لوسائل إعلام عربية ومغربية، أثار المسؤول المغربي قضية احتلال المدينتَين المغربيتَين، وتحدث عن ضرورة مناقشة وضعهما مع الدولة الإسبانية، ما أثار ردّات فعل كبيرة، سواء على المستوى الشعبي أو الإعلامي، بل وحتّى الرسمي. ورغم أن الحكومة الاشتراكية الإسبانية رفضت التعبير علناً عن ردّ فعلها، فإنها رفضت رسمياً، من خلال مصدر منسوب إلى وزارة خارجيتها، تصريحات المسؤول المغربي، وأعادت تأكيد السيادة الإسبانية على جميع الجيوب التي تحتلها شمال المغرب. وأمام ضغط المعارضة اليمينية، التي دعت إلى تظاهرات كبيرة يوم 2 سبتمبر/ أيلول في أكثر من 30 مدينة إسبانية تضامناً مع سبتة، اضطر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الدعوة إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن القومي الإسباني، وهو أعلى هيئة إسبانية في مجال الأمن القومي، ويضم مسؤولين حكوميين وأمنيين واستخباريين وعسكريين كباراً، ما يعطي انعقاده رمزية كبيرة في ظل الأوضاع الحالية المتوترة في المدينة المحتلة، وتأثير هذا على العلاقات المغربية الإسبانية.

وعلى المستوى الرسمي المغربي، فباستثناء تصريحات وزير العدل المغربي، لم يصدر أي تصريح أو بيان عن وزارة الخارجية المغربية، المسؤولة عن شؤون الدبلوماسية والعلاقات الخارجية المغربية، مع العلم أن هذه المجالات تعتبر في المغرب، من حيث العرف، مجالات محفوظة للملك، ونادراً ما يسمح لأي مسؤول حكومي مغربي بأن يتحدّث عنها علانية من دون إذن من القصر أو بتفهم منه، كما حدث مع تصريحات المسؤول المغربي أخيراً عن احتلال المدينتَين ودعا إسبانيا إلى مناقشة وضعهما، وأشار إلى مطالب المغرب باستعادتهما. ولم يصدُر أي رد فعل، سواءً من الخارجية المغربية أو من القصر الملكي، يعلق على هذه التصريحات.

لا توجد أي مؤشّرات لدى الدولة المغربية الرسمية توحي بأن الوقت قد حان لطرح موضوع الاحتلال الإسباني، الذي يعني لإسبانيا إعلان حرب عليها

وفي أول ظهور رسمي للملك محمد السادس منذ اندلاع هذه الأزمة، بمناسبة احتفالية عيد المولد النبوي بالقصر الملكي. واستغرب مراقبون كثيرون استحضار وزير الأوقاف المغربي، في كلمة أمام الملك، ثلاثة أسماء من أقطاب الصوفية التاريخيين في المغرب، من بينهم اثنان يتحدران من مدينة سبتة المحتلة، قبل أن يعرض سيرة القطب الثالث وكتاب “دلائل الخيرات”، الذي اعتبره الوزير المغربي أنّه كان “شعار المغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث”. ولذلك؛ فإنّ هذه الإحالة التاريخية، واستحضار تجربة التعبئة المغربية ضد المحتل قديماً، وفي هذا التوقيت، وفي مجلس رسمي يترأسه الملك، جعلها قابلة لقراءة سياسية أوسع. ففي المغرب، حيث تحظى كلمات المسؤولين أمام الملك بعناية خاصة، وحيث تمارس السياسة بكثير من الرموز، يصعب التعامل مع كل إحالة تاريخية أنها مجرّد تفصيل عابر، خصوصاً عندما تتصل بموضوع حساس مثل “المدن المحتلة”، وتأتي بعد أسابيع من أزمة أعادت الثغور المغربية المحتلة إلى قلب النقاش المغربي الإسباني.

موضوع الثغور المغربية المحتلة من إسبانيا يحظى بإجماع وطني في المغرب، ولا يوجد من سيعارض المطالبة بعودتها

فاستدعاء التاريخ في مثل هذه الحالة قد لا يكون رسالة تعبئة بالمعنى المباشر، لكنّه، في أقل تقدير، يعيد إلى الواجهة ذاكرة مغربية قديمة عن العلاقة بين التصوف والمقاومة وتحرير الثغور الساحلية. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً ما إذا كانت هذه الذاكرة ستظل في حدود الاستدعاءين، الرمزي والتاريخي، أم ستتحوّل، مع استمرار تداعيات أزمة سبتة، إلى جزء من خطاب سياسي مغربي أكثر وضوحاً بشأن مستقبل المدينتَين. أم أن الأمر كله مجرد خطاب للاستهلاك الداخلي، بهدف خلق أجواء التعبئة وإذكاء الروح الوطنية لدى المغاربة، بعد صور الهروب الجماعي التي أساءت إلى صورة المغرب الخارجية، وتسعى السلطات اليوم إلى ترميم تلك الصورة بالبحث عن موضوع يحظى بالإجماع الوطني، لمحو آثار “الهروب الكبير” الذي ضرب في العمق ثقة المغاربة في بلدهم.

ويبقى، في تقدير كثيرين، أن موضوع الثغور المغربية المحتلة من إسبانيا يحظى بإجماع وطني في المغرب، ولا يوجد في المغرب من سيعارض المطالبة بعودتها. لكن لا توجد أي مؤشّرات لدى الدولة المغربية الرسمية توحي بأن الوقت قد حان لإثارة هذا الموضوع، الذي يعني لإسبانيا إعلان حرب عليها. وهذا ما لا أعتقد أن البلدين مستعدّان للدخول فيه، لاعتبارات سياسية وجيوسياسية معقدة وكثيرة. لكن، وكما يقال، فكل حرب تبدأ بكلمة؛ ثم تتحول الكلمة إلى تهديد، والتهديد إلى قرار، والقرار إلى رصاصة… ولا أحد يتمنّى أن تصل العلاقات بين المغرب وإسبانيا إلى هذا المستوى.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...