تعاون عسكري إثيوبي أمريكي.. رسالة لمصر و5 نسخ لأطراف أخرى

إيطاليا تلغراف متابعة

في الوسط، ظهر اللواء تيشومي جيميتشو ببزة ميدانية مموهة تزينها شارة عسكرية ذهبية بنجمة وسيفين متقاطعين، وإلى جانبه ضباط من الوفد الإثيوبي وآخرون من البنتاغون.

وكانت الصورة حافلة بالرمزية؛ إذ التُقطت أمام مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة الدفاع الوطني في البنتاغون، والواقع بقاعدة “فورت مكناير” في الجنوب الشرقي من العاصمة واشنطن.

وقد وصل الوفد العسكري الإثيوبي إلى واشنطن قبل أسبوع، وتوجت زيارته بالإعلان عن اتفاقية عسكرية بين واشنطن وأديس أبابا في 21 أغسطس/آب الجاري.

وفق ما تم تسريبه للصحافة، “اتفقت إثيوبيا والولايات المتحدة على تعزيز تعاونهما في مجالي الدفاع والأمن من خلال إطار استراتيجي جديد”.

وجاء في إعلان تبناه الطرفان أنه تم عقد اجتماعات رفيعة المستوى في مقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بين عسكريين إثيوبيين وأمريكيين خلال شهر أغسطس 2026.

ويأتي هذا التطور بعد يومين فقط من إعلان قوات الجيش الإثيوبي أن فريقًا عسكريًا أمريكيًا بدأ قبل أيام فقط تقديم تدريبات داخل مركز حفظ السلام الإثيوبي.

السلاح والتاريخ والجغرافيا

وطبقا لما نقلته صحيفة Addis standard عن وزارة الدفاع الإثيوبية، فإن التفاهم الجديد مع الجانب الأمريكي “يتضمن تعزيز الثقة المتبادلة والعمل المشترك من أجل ترسيخ السلام والأمن والاستقرار في القرن الإفريقي والمنطقة الأوسع”.

يتميز الجيش الإثيوبي بخبرته الواسعة في حرب المدن والتضاريس الجبلية ومواجهة التمرد، ويمتلك مقاتلات هجومية وكماً هائلاً من الدبابات والمدرعات والراجمات وناقلات الجند.

وهذا الجيش، الذي تبلغ ميزانيته السنوية 800 مليون دولار، يبلغ تعداده زهاء 150 ألف جندي في الخدمة، تساندهم قوات احتياط وفصائل وميليشيات إقليمية.

ومن حيث المبدأ، يحق لكل دولة مستقلة، إبرام اتفاقات مدنية وعسكرية مع الجهة التي تراها مفيدة في السراء والضراء، دون أن يشكل هذا التحرك إنذارا لطرف ثالث.

لكن حكومة إثيوبيا التي تكافح لإدخال تعديلات على التاريخ والجغرافيا، ترمي على الأرجح لتوجيه رسائل خاصة للداخل والجيران وللقوى الوازنة في الإقليم.

قصة الرحلة الأبدية

ينبع النيل أساساً من بحيرة تانا الواقعة في الهضبة الإثيوبية، لكن التاريخ يربطه بمصر حيث يمتد داخلها لأزيد من 1500 كلم فيروي ظمأ الناس ويكسو الأرض خضرة وبهاء.

ومنذ آلاف السنين، يبدأ النيل رحلته في مصر من مدينة أسوان جنوبا ويواصل التبختر بين المدن والمزارع والتجمعات إلى أن يصل لغايته القصوى ويلتحم بالبحر الأبيض المتوسط عبر فرعي دمياط شرقا ورشيد غربا.

وفي العصر الحديث، جاءت الاتفاقيات الدولية لتؤكد هذه الرابطة الأبدية، فمنحت مصر سنويا 55.5 مليار متر مكعب، و18.5 مليارا للسودان من مياه النيل، وفق اتفاقية وقعتها القاهرة والخرطوم عام 1959.

أما اتفاقية عام 1929، التي وقعتها بريطانيا نيابة عن دول الحوض، فتمنح مصر 48 مليار متر مكعب وتخولها حق الفيتو على أي مشاريع تقام عند منابع أو على ضفاف نهر النيل.

وعندما أقامت إثيوبيا سد النهضة الكبير في إقليم بني شنقول بتكلفة تجاوزت 4 مليارات دولار، أثارت غضب مصر ودخل البلدان في أزمة خطيرة، بلغت ذروتها عندما بدأ التشغيل الفعلي للسد في عام 2022، وزادت حدتها بعد تدشينه رسميا في 2025.

الخط الأحمر والخيارات المفتوحة

وسبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذر حكومة أبي أحمد بلهجة حاسمة: “أقول للإخوة في إثيوبيا: دعونا لا نصل لمرحلة أنكم تمسون نقطة مياه من مصر، لأن الخيارات كلها مفتوحة، ومساس مياه مصر خط أحمر، والمساس بالأمن المائي المصري سيتسبب في رد فعل يهدد استقرار المنطقة بالكامل.”

وكذلك فعل وزير خارجيته بدر عبد العاطي: “الأمن المائي المصري مسألة وجودية وقضية أمن قومي لا تقبل المساومة أو المراهنة. مصر لديها القدرة والإرادة الكاملة للدفاع عن مياه النيل بكل الوسائل”

وهذه اللغة الحاسمة لم تأت من فراغ، فالجيش المصري هو الأقوى أفريقيا وعربيا والـ15 عالميا، حيث يتكون من 900 ألف عنصر من “خير أجناد الأرض”، نصفهم في الاحتياط، ويمتلك 4900 دبابة و1000 طائرة حربية و11 ألف مدرعة وناقلة جند ومنظومات جوية شديدة التحصين والتعقيد، إلى جانب أسطول بحري ضخم يضم غواصات متطورة وحاملتي طائرات.

وإلى جانب اللغة الرسمية الحاسمة، كثيرا ما يتناول الإعلام المصري تقارير عن قدرة الجيش على تنفيذ ضربة خاطفة تنسف سد النهضة بالكامل وتعيد الحلم الإثيوبي إلى نقطة الصفر.

وكما تسعى إثيوبيا لتغيير “مقررات التاريخ”، تريد أيضا إدخال تعديلات على الجغرافيا تمنحها منفذا على البحر، عبر اتفاق ثنائي مع إقليم أرض الصومال الخارج عن سلطة الحكومة المركزية في مقديشو.

لكن مصر لا ترضى أيضا عن هذا الاتفاق، إذ تتمسك بأن تبقى إثيوبيا حيث وضعتها الجغرافيا: دولة هضاب وجبال وسهول وأنهار، ولا يمكنها الاتصال بأي من البحار.

وقد أكدت مصر أكثر من مرة “رفضها التام لأي إجراءات أحادية أو اتفاقيات تسهم في تقويض سيادة الصومال أو تزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي والأمن في البحر الأحمر”.

أبي أحمد وخلط الأوراق

وفي ظل إصرار القاهرة على بقاء إثيوبيا ضمن حجمها الطبيعي تتحرك حكومة أبي أحمد إقليميا ودوليا لإحداث تغيير في موازين النفوذ في القرن الأفريقي وعلى البحر الأحمر.

تقول الرسالة الأساسية الموجهة لمصر، إن أديس أبابا تستعيد زخم علاقاتها مع أقوى دولة في العالم، وينبغي أخذ مطالبها على محمل الجد فيما يتعلق بالنيل وبالبحر الأحمر.

وسبق لرئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد أن رد على التحذيرات المصرية بتأكيد قدرة بلاده على حشد الملايين لحماية السد، “ودحر أي عدوان خارجي كما فعلت على مر التاريخ”

ونقلت صحيفة Addis standard عن الجيش الإثيوبي أن التدريب الأخير نفَّذ في إطار اتفاقية التعاون العسكري القائمة بين إثيوبيا والولايات المتحدة، ويركز على حقوق الإنسان والقانون العسكري الدولي أثناء تنفيذ المهام العسكرية.

وقال المقدم بالجيش الإثيوبي منسّه هايلو إن ما سماه تنامي النفوذ الإقليمي لبلاده شجّع العديد من الدول على تعميق تعاونها معها، مؤكداً أن معالجة حالة عدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي تتطلب مشاركة إثيوبيا.

من جانبه، قال المقدم زاكاري ماك آرثر، منسق الوفد التدريبي الأمريكي، إن واشنطن تعمل بشكل وثيق مع إثيوبيا، مشيداً بدور البلاد في تعزيز السلام والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وخاصة في الصومال.

ولم يتوقف عند هذا الحد، بل قال إن هذا التدريب سيساعد البلدين على تحسين قدراتهما في التخطيط للعمليات العسكرية وتنفيذها بفعالية أكبر.

ترقية سياسية وخطوة عسكرية

ووفق الجيش الإثيوبي “يمثل الاتفاق الأخير دفعة جديدة نحو تعميق التعاون الدفاعي بين إثيوبيا والولايات المتحدة، في ظل التحديات الأمنية المستمرة في منطقة القرن الأفريقي والجهود الأوسع لتعزيز قدرات حفظ السلام الإقليمية”

وكانت أديس أبابا استضافت مؤخرا ندوة إقليمية للدفاع نظمتها وزارة الدفاع بالتعاون مع الولايات المتحدة، بمشاركة وفود عسكرية من أكثر من 40 دولة أفريقية، إلى جانب ممثلين عن أكثر من 25 شركة أمريكية متخصصة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا،

وفي افتتاح الندوة، وصف السفير الأمريكي لدى إثيوبيا، إرفين ج. ماسينغا، هذا التجمع بأنه جزء من الجهود الرامية إلى تعزيز التعاون الأمني العملي بين الدول الأفريقية وشركائها الدوليين.

وحسب تقارير إثيوبية عديدة، تهدف هذه الشراكة إلى تحسين التعاون العسكري والأمني والثنائي، مع تعزيز التنسيق المؤسسي بين الجانبين.

“كما ستعطي البلدان الأولوية لمصالحهما الوطنية، ويسعيان إلى تحقيق منافع متبادلة من خلال هذه العلاقة الدفاعية الموسعة”،

وترى صحيفة The Rio Times أن ما جرى الإعلان عنه يمثل ترقية سياسية للعلاقات الدفاعية أكثر منه اتفاقاً عملياً ملموساً. “وتكمن أهميته الحقيقية فيما قد يتبعه لاحقاً من مجموعات عمل مشتركة، وبرامج تدريب ومناورات، وربما مفاوضات تتعلق بالمشتريات العسكرية”

لكن الصحيفة تذكّر بخطوة عملية لافتة، وهي أن واشنطن رفعت الحظر على صادرات الأسلحة إلى إثيوبيا في 11 مايو 2026، ما سمح مجدداً بدراسة طلبات التراخيص العسكرية.

أطراف أخرى يهمها الأمر

وإذا كانت مصر معنية أكثر بمحاولة إثيوبيا “إجراء صيانة” لعلاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة، فإن هذه الرسالة تهم أيضا أطرافا أخرى:

1- نسخة “الجار اللدود”

فإريتريا، المطلة على البحر الأحمر استقلت عن إثيوبيا عام 1993 بعد حرب سقط فيها نحو 350 ألف قتيل من الجانبين، ثم احتكما للسلاح عام 1998، وأرسلا أزيد من 60 ألف جثمان للمقابر، وفق تقارير مجموعة الأزمات الدولية.

ومن شأن تعاظم نفوذ إثيوبيا أن يثير قلقا عميقا في إريتريا التي تمتلك عدة موانئ على البحر الأحمر أهمها “مصوع” الواقع على بعد 115 كلم إلى الشمال الشرقي من العاصمة أسمرة، و”عصب” الواقع في أقصى الجنوب بالقرب من باب المندب.

2- إلى مقديشو

الصومال أيضا ممن يهمهم الأمر، فقد دخلت مقديشو في تحالفات عسكرية وسياسية جديدة، لتمنع أديس أبابا من تحقيق طموحها في الوصول للبحر الأحمر عبر إقليم أرض الصومال.

وفي هذا الإطار، وقعت مقديشو مذكرة تعاون دفاعي مع باكستان في أغسطس 2026، كما تستضيف أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج الأراضي التركية.

وقد لعب شوق إثيوبيا للاتصال بالبحر دوراً أساسياً في جعل منطقة القرن مسرحا جديدا للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.

3- لعناية السلطان

تركيا أيضا بإمكانها استلام نسخة من الرسالة، حيث أعاد الرئيس أردوغان تقييم علاقته مع أبي أحمد بعد أن منحه في أواخر عام 2021 طائرات مسيرة من نوع بيرقدار تي بي 2 (Bayraktar TB2)، ولعبت دورا حاسما في منع متمردي التيغراي من الوصول لوسط أديس أبابا.

حاليا، يقول أبي أحمد إنه بمباركة العم سام باستطاعته أن يصمد في وجه أي تمرد داخلي، ولو تخلى عنه “السلطان” الذي يركن إلى الدين وأشياء أخرى في انحيازه للصومال.

4- وخزة للمتمردين

وهذه النسخة موجهة أيضا للداخل، حيث يعني التفاهم الجديد مبدئيا أن واشنطن رضيت عن حكومة أبي أحمد ولم تعد وفية لعلاقاتها التاريخية مع جبهة تحرير إقليم تيغراي.

5– إلى الأرشيف الصيني

وإذا كان أبي أحمد انضم في 2024 إلى تكتل “بريكس” الاقتصادي بما يعنيه ذلك من القرب من الصين وروسيا والبرازيل، فإن كل هذه الدول وصلتها اليوم إشارات بأن أديس أبابا ما تزال متمسكة بحبها الأول للغرب.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...