سبتة من أزمة حدودية إلى صراع على السلطة في مدريد.. اليمين المتطرف يستثمر الهجرة وتضارب روايات الاستخبارات يفتح الباب أمام الملك

إيطاليا تلغراف متابعة

لم تعد الأزمة التي انفجرت في سبتة نهاية يوليوز الماضي مجرد ملف للهجرة أو اختبار جديد للعلاقات المغربية الإسبانية، بل تحولت، بعد شهر من اندلاعها، إلى واحدة من أكثر القضايا تفجيرا للتناقضات داخل النظام السياسي الإسباني نفسه، بعدما انتقلت المواجهة من الحدود إلى الحكومة والبرلمان والأحزاب وأجهزة الاستخبارات، وصولا إلى النقاش بشأن الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسة الملكية في لحظة تبدو فيها مدريد عاجزة عن إنتاج رواية سياسية وأمنية موحدة لما حدث.

وجاء قرار الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، مقاطعة التجمعات التي دعت إليها الفيدرالية الإسبانية للبلديات والمقاطعات يوم 2 شتنبر المقبل، ليكشف المستوى الذي بلغته عملية تسييس سبتة. ففي المذكرة التي وجهتها قيادة الحزب إلى مسؤوليها المحليين، رفع الاشتراكيون شعار “سبتة نعم.. استغلالها حزبيا لا”، واتهموا الحزب الشعبي باستخدام أزمة إنسانية لتحويل المجالس البلدية إلى فضاءات للتعبئة ضد حكومة بيدرو سانشيز.

الحزب الشعبي رد برفع مستوى المواجهة، وأعلن القيادي إلياس بيندودو أن حزبه سينظم بنفسه التجمعات في البلديات التي يرفض مسؤولو الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني المشاركة فيها، معتبرا أن أزمة سبتة “عرّت” عجز الحكومة، وأن إسبانيا كانت تواجه أزمة تمس سيادتها بينما كان سانشيز في عطلة، وهكذا أصبحت حتى مظاهرة يفترض أنها للتضامن مع المدينة موضوع انقسام بين أكبر حزبين في البلاد.

والأكثر دلالة أن الانقسام لم يعد يجري فقط بين الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني والحزب الشعبي، بل امتد إلى داخل المعسكرات السياسية نفسها، فقد خالف مسؤولون اشتراكيون محليون خط قيادة الحزب، كما سبق لنائبين اشتراكيين في جمعية سبتة أن وجها انتقادات مباشرة إلى تدبير حكومة بيدرو سانشيز، مطالبين باستجابة أكثر حزما وسرعة.

وفي المقابل، ابتعد شريك الحزب الاشتراكي في الحكومة، تحالف سومار، أكثر فأكثر عن الرواية الرسمية، إذ اتهم نوابه المغرب بالتصرف “بسوء نية”، بينما ذهب أحد نوابه إلى القول إن سانشيز يتعامل مع الملك محمد السادس بـ”متلازمة ستوكهولم”.

سانتياغو أباسكال وصف ما وقع بأنه “غزو”، وطالب بـ”العسكرة الدائمة” للحدود مع المغرب، وإغلاق المعبر وتعليق اتفاق الشراكة الأوروبية مع الرباط، كما ربط الحزب باستمرار وجود المهاجرين داخل المدينة بالجريمة وتدهور الأمن والضغط على الخدمات العامة، وطالب بعدم نقل القاصرين إلى أقاليم إسبانية أخرى.

هذه اللغة لا تتحرك في فراغ سياسي، فقد خلص تحليل نشرته “إلباييس”، بالاستناد إلى عدد من الدراسات وخبراء الرأي العام، إلى أن التركيز الإعلامي والسياسي المكثف على الهجرة، عندما تقترن في الخطاب العام بمفاهيم مثل “الفوضى” و”انعدام الأمن” و”الغزو”، يخلق عادة البيئة الأكثر ملاءمة للأحزاب اليمينية المتطرفة، كما أشارت الصحيفة إلى أن استطلاعات الرأي لا تظهر تراجعا لـ Vox مقارنة بانتخابات 2023، بل تجعل منه أحد أكبر المستفيدين من المرحلة.

وفي استطلاع آخر لـSigma Dos، قال 47.6 في المائة من الإسبان إنهم يحملون المغرب المسؤولية الرئيسية عن اندلاع أزمة سبتة، بينما أكد 99 في المائة أنهم سمعوا عنها، ما يعكس الحجم الاستثنائي الذي احتله الملف في النقاش العام الإسباني.

لكن الوجه الآخر لهذا الاستثمار السياسي كان ارتفاع مستوى الخطاب المعادي للمهاجرين، فقد رصدت السلطات الإسبانية طفرة كبيرة في الرسائل العنصرية وكراهية الأجانب المرتبطة بأحداث سبتة، بالتوازي مع احتجاجات واعتداءات ومواجهات شهدتها المدينة، وهو ما جعل الحدود تتحول إلى مادة يومية للصراع الانتخابي الإسباني.

الأخطر بالنسبة لمؤسسات الدولة الإسبانية، وفق الكثير من المراقبين، ليس الخلاف بين الأحزاب، وإنما عجز الحكومة نفسها حتى الآن عن تقديم رواية متطابقة حول ما عرفته الأجهزة قبل اندلاع الأزمة.

وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس قالت أمام البرلمان إن المركز الوطني للاستخبارات CNI أبلغ مندوبية الحكومة في سبتة بوجود خطر لتحرك كبير ومحاولات دخول سباحة، موضحة أن المعلومات الاستخباراتية لا تنتقل دائما في صورة تقارير مكتوبة.

لكن وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا قال في اليوم نفسه إنه “لم يكن هناك أي تقرير”، ثم أصدرت مندوبية الحكومة في سبتة بيانا يؤيد رواية الداخلية ويقول إنها لم تتلق ذلك التحذير.

ولم يتوقف الخلاف عند ذلك، فقد ساند وزراء آخرون رواية مارلاسكا، في حين تمسكت روبليس بالدفاع عن عمل CNI ومركز استخبارات القوات المسلحة CIFAS، وبلغ الأمر بالمعارضة حد المطالبة باستدعاء مديرة CNI إلى لجنة الأسرار الرسمية في البرلمان لمعرفة ماذا كانت الاستخبارات تعرف؟ ومتى عرفته؟ ولمن نقلته؟

وبذلك تحول سؤال أمني كان يفترض أن تكون له إجابة تقنية واضحة إلى مواجهة علنية بين وزارتين سياديتين، كما اشتكت نقابة عسكرية من أن وزيرة الدفاع لم تتناول بما يكفي أوضاع الجنود المنتشرين في سبتة ومشاكلهم الميدانية، بينما ذهبت “إيزكييردا أونيدا” إلى المطالبة بالتحقيق حتى في احتمال أن يكون أفراد داخل الاستخبارات قد احتفظوا بمعلومات ولم يمرروها إلى الداخلية، وهي فرضية سياسية لم يثبت وجود دليل علني عليها حتى الآن.

صورة الارتباك تعززت أكثر مع طريقة إدارة الأزمة نفسها، فرئيس سبتة خوان خيسوس فيفاس طالب منذ 30 يوليوز بإعلان حالة طوارئ وطنية وإنشاء قيادة موحدة، بينما كانت الحكومة تقول إن الوزارات تعمل بتنسيق كامل.

وفي فاتح غشت، أعلن مارلاسكا أن الوضع جرى “عكسه خلال 24 ساعة” وأن الأزمة أصبحت شبه مسيطر عليها، لكن بعد نحو شهر، عادت الحكومة لتنشئ فعليا قيادة موحدة وتعلن لأول مرة “وضعا ذا أهمية للأمن القومي” في سبتة، في اعتراف عملي بأن الأزمة تجاوزت التقديرات الأولية.

التناقض شمل حتى تقييم دور المغرب، فبينما طالبت روبليس بالتحقيق في المسؤولية عمن “سمح” بما حدث، استمر وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس في وصف التعاون المغربي بأنه فعّال، وفي اعتبار الرباط شريكا ضروريا لإعادة الاستقرار، وفي المقابل، أصبح شركاء PSOE داخل الائتلاف الحكومي أكثر تشددا تجاه المغرب.

وهنا تكمن المشكلة السياسية الكبرى، فإسبانيا لا تواجه فقط خلافا حول كيفية حل أزمة سبتة، بل خلافا حول تعريف الأزمة نفسها، هل هي أزمة هجرة؟ أم أمن قومي؟ أم أزمة سيادة؟ ومن المسؤول عنها؟ وهل أخفقت الاستخبارات أم أخفقت السلطة السياسية في التعامل مع معلوماتها؟

هذا الفراغ في القيادة الموحدة أعاد المؤسسة الملكية إلى قلب النقاش.

الملك فيليبي السادس خرج منذ فاتح غشت عن صمته ليعبر عن “قلقه واستيائه الشديدين”، مؤكدا أن الدولة مطالبة بضمان أمن سبتة ومليلية ومنع تكرار ما حدث، كما تحدث مع سانشيز وفييخو ورئيسي المدينتين.

لكن التطور الأكثر إثارة أن حكومة سانشيز نفسها استطلعت موقف الملك من إمكانية إجراء اتصال مباشر مع الملك محمد السادس حول الأزمة، وإن لم تتم المكالمة إلى الآن، كما ظل احتمال قيام فيليبي السادس بزيارة سبتة المحتلة مطروحا.

واللافت أن الدعوة إلى تدخل الملك لم تأت فقط من اليمين، فقد طالب إنريكي سانتياغو، نائب “سومار” والقيادي في إيزكييردا أونيدا، فيليبي السادس بالاتصال بالملك محمد السادس، قائلا إن الملك الإسباني “تأخر” في القيام بذلك.

غير أن الدور الممكن للمؤسسة الملكية يظل محكوما بالدستور الإسباني، فالملك يمكنه ممارسة دور رمزي ودبلوماسي والمساهمة في تخفيف التوتر، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحكومة أو يتولى إدارة الأمن والسياسة الخارجية بصورة مستقلة.

وبعد شهر على الأزمة، تبدو سبتة لذلك أكبر من مجرد نقطة حدودية ملتهبة، لقد تحولت إلى مرآة لأزمة قيادة داخل إسبانيا، حكومة تقدم وزاراتها روايات متعارضة، ائتلاف حاكم منقسم في علاقته بالمغرب، حزب شعبي يحاول تحويل الملف إلى استفتاء على كفاءة سانشيز، ويمين متطرف يجد في الخوف من الهجرة والسيادة أفضل وقود انتخابي له.

وبين كل هذه القوى، تعود المؤسسة الملكية تدريجيا إلى الصورة، ليس لأنها تملك حلا تنفيذيا للأزمة، وإنما لأن تضارب المؤسسات والأحزاب جعل جزءا من الطبقة السياسية يبحث عن مرجعية قادرة على إنتاج صورة الوحدة التي عجزت الحكومة والمعارضة معا، حتى الآن، عن إظهارها في ملف سبتة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...