قراءة في مقال الدكتور عبد العالي حامي الدين حول الترحال السياسي في المغرب: تصدع التعاقد الحزبي وصدمة سوق الانتقالات

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

قرأت ببالغ الاهتمام على منبر صوت المغرب المقال التحليلي الرصين الذي وقعه الأكاديمي والسياسي الدكتور عبد العالي حامي الدين حول ظاهرة الترحال السياسي في المغرب. والحق يقال فقد انتابني شعور عميق بأهمية ما جاء في هذا المقال من طروحات تستوقف كل متابع للأنشطة والمسارات الانتخابية لا سيما من زاويتي كصحفي متابع للشأن السياسي المغربي مقيم في إيطاليا. فالأرقام الدقيقة التي ساقها الدكتور حامي الدين استناداً إلى قرارات المحكمة الدستورية الصادرة قبيل استحقاقات 23 شتنبر 2026 تكشف بالملموس عن اختلالات بنيوية عميقة تضرب في صميم الممارسة الحزبية والديمقراطية.

عندما يتم رصد حركة انتقالات شملت 27 عضواً بمجلس النواب وعضوين بمجلس المستشارين في ظرف وجيز ويقود المشهد تصدر أحزاب كبرى لقائمة المستقيلين والمستقطبين في آن واحد فإننا لا نكون أمام دينامية سياسية طبيعية بل أمام ما يمكن وصفه بسوق الانتقالات الموسمية. هذا السلوك ينسف الجوهر الحقيقي للعمل الحزبي الذي ينبغي أن يقوم على التعاقد الفكري والبرامجي ليتحول الحزب تدريجياً إلى مجرد منصة تزكية آنية تفتقر للعمق والامتداد النضالي.

وما يعزز هذا الطرح الذي يسلط عليه الدكتور عبد العالي حامي الدين الضوء بدقة على منبر صوت المغرب هو التوزيع الجهوي لهذه الحالات حيث تتركز في أقطاب كبرى كالدار البيضاء-سطات وفاس مكناس وطنجة تطوان الحسيمة. هذا الترابط يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الظاهرة لا تنفصل عن شبكات المنافسة المحلية ومنطق البحث المحموم عن مرشحين ذوي حظوظ أوفر للظفر بالمقعد بغض النظر عن انتمائهم الأيديولوجي أو العرض البرامجي الذي يقدمونه للمواطن.

يلفت الانتباه حقاً في تحليل الدكتور حامي الدين إشارته الذكية إلى حالة حزب العدالة والتنمية وغياب أي حالة ترحال في صفوفه خلال هذه المحطة. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع التوجهات السياسية لهذا الحزب إلا أن مجرد الحفاظ على هذا الاستقرار التنظيمي يعيد طرح السؤال الجوهري حول أزمة الالتزام الحزبي في المشهد المغربي برمته. حين يتحول الحزب إلى إطار تعاقدي فكري وليس مجرد وعاء انتخابي ظرفي تتسنى له مقاومة هزات الريح السياسية السائدة التي تدفع بالعديد من الفاعلين نحو تغيير جلودهم الحزبية مع اقتراب كل استحقاق انتخابي.

إن أخطر ما تفرزه ظاهرة الترحال السياسي بحسب ما يبرزه الدكتور عبد العالي حامي الدين في مقاله هو ما يمكن تسميته بكلفة الثقة في النظام السياسي ككل. عندما يرى المواطن والمغربي المقيم في الخارج الذي يترقب بشغف مسار التنمية الديمقراطية لوطنه أن الوجوه السياسية تتنقل بين الأحزاب بسلاسة مفرطة ومن دون أي مبرر سوى حسابات الربح الانتخابي يتكرس لديه شعور بأن العملية برمتها محكومة بالمنطق القبلي والمصالح الضيقة. هذا الإحباط هو التفسير الحقيقي وراء اتساع رقعة العزوف الانتخابي وتراجع منسوب الثقة في المؤسسات المنتخبة.

إن معالجة هذه المعضلة التي فكك معالمها الدكتور حامي الدين تتجاوز بكثير حدود الإدانة الأخلاقية السطحية فهي تستوجب مقاربة مؤسسية وقانونية جريئة. تبدأ هذه الإصلاحات بتعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب وربط الدعم والتمويل العمومي بالاستقرار التنظيمي وصولاً إلى صياغة تشريعات صارمة تمنع هذا الاستنزاف والقفز بين الأحزاب قبيل المواعيد الانتخابية.

تظل المعركة الحقيقية في محطاتنا الانتخابية رهينة بقدرة المنظومة الحزبية على إقناع المواطن بأن صوته هو أداة فعلية لصناعة القرار وبأن السياسة هي في طياتها خدمة عامة والتزام أخلاقي وليست مجرد مهنة للوصول العابر إلى المواقع وهو الخلاص المتبصر الذي ختم به الدكتور عبد العالي حامي الدين قراءته التحليلية القيمة.

ختاما اقول انه تتكرر المشاهد ذاتها مع إقتراب كل محطة انتخابية حيث تخرج النخب الحزبية من عزلتها المركزية نحو القرى والبوادي والمناطق الجبلية النائية على متن سيارات فارهة لتطلق وعوداً عرقوبية وتسأل الساكنة البسيطة عن احتياجاتها كأنها تكتشف تلك المناطق لأول مرة. إن هذا السلوك الموسمي الذي يستغل براءة المواطنين وظروفهم المعيشية يعكس استخفافاً صارخاً بكرامة الإنسان المغربي ويطرح السؤال المشروع: أين اختفى هؤلاء طيلة خمس سنوات من الولاية التشريعية متى كان بابهم مفتوحاً لمن منحهم صوته في السابق؟ إنها سياسة استبلاد واضحة تفرغ العمل الحزبي من محتواه الأخلاقي وتجعل من أصوات الناس سلعة موسمية تُشترى بالوعود الزائفة. ومع ذلك تبقى المسؤولية اليوم ملقاة على عاتق المواطن حتى لا يلدغ من الجحر ذاته مرتين وكي يدرك أن صوته أمانة لا تباع وأن العقاب الانتخابي لصنادق الوعود الكاذبة هو السبيل الوحيد لفرز الغث من السمين. ونحن إذ ننتقد هذا العبث ندرك تمام الإدراك أن المشهد السياسي يضم أيضاً شرفاء ونزهاء نظيفي الأيدي ممن يؤمنون بأن السياسة خدمة عامة ونضال مستمر وليست مجرد موسم للاستغلال.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...