من الجالية إلى صناديق الاقتراع.. حزب العدالة والتنمية يعبئ مغاربة العالم لربح رهانات الاستحقاقات المقبلة
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
في سياق سياسي محفوف بالرهانات والتحديات التنظيمية اختار حزب العدالة والتنمية أن يخرج عن المألوف في تعاطيه مع امتداداته الخارجية مستحضراً ورقة مغاربة العالم كفاعل استراتيجي وازن لا يقتصر دوره على الدعم المالي والاقتصادي بل يمتد ليشمل صلب المعادلة السياسية وصناعة القرار. وتجسد هذا التوجه بوضوح عبر التنسيق الذي تقوده هياكل الحزب الموازية بالخارج وفي مقدمتها الجهة 13 من خلال لقاء رقمي استثنائي نظم عبر منصة زوم وشكل محطة مفصلية لقرع ناقوس الاستعداد المبكر للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
اللقاء الذي تقاطعت فيه هواجس التنظيم الحزبي مع نبض الشارع السياسي قاده الأمين العام للحزب عبد الإله بن كيران إلى جانب القيادي مصطفى الخلفي وشهد مشاركة واسعة لأعضاء الحزب ومناضليه المقيمين بالخارج. وقد تجاوز هذا الحدث الأطر التقليدية ليتحول إلى منصة متكاملة لتشخيص العطب السياسي الراهن وإعادة ترتيب الأوراق استعداداً لمعركة استعادة الثقة التي يرفعها الحزب شعاراً مركزياً لمرحلته القادمة.
الخلاصة الجوهرية التي كرّسها اللقاء تتمثل في ضرورة القطع مع المقاولاتية السياسية التي تختزل الجالية المغربية في مجرد رافد مالي يضخ العملة الصعبة في شرايين الاقتصاد الوطني. فالمتداخلون أجمَعوا على أن الرصيد البشري والمعرفي لمغاربة العالم واحتكاكهم اليومي بممارسات الديمقراطية والمواطنة في دول الاستقبال يمنحهم مشروعية وأهلية كاملتين للإسهام الفاعل في النقاش العمومي وصيانة الثوابت الوطنية والهوياتية.
ولم يخفِ قادة الحزب قلقهم مما وصفوه بـالتراجع المؤسساتي في التعاطي مع شؤون الجالية المغربية مستشهدين بتعليق البعثات القنصلية المتنقلة في مناطق حيوية مثل كالابريا وبوليا الإيطاليتين فضلاً عن تعثر الخدمات الإدارية ومعاناة الفئات الهشة.وهو واقع استوجب بحسب الطرح الحزبي قرع جرس الإنذار لإعادة بناء جسور الثقة المترنحة بين المؤسسات الرسمية ومواطني المهجر.
ركز الخطاب السياسي الموجه لأعضاء الحزب والمتعاطفين والمغاربة بالخارج على محاور أساسية لتدبير المرحلة:
صيانة الهوية والأسرة وقد شدد عبد الإله بن كيران في مداخلته على محورية البعد التربوي والديني محذراً من ذوبان الهوية الجيلية للأبناء في خضم إكراهات المجتمع الحديث وداعياً إلى جعل الارتباط بالقرآن والقيم المغربية حصناً منيعاً في وجه التحديات الثقافية.
مواجهة التحكم وتراجع الثقة اذ لم تخلُ مداخلات القيادة من نقد للسياسات الحكومية الحالية حيث وُجّهت انتقادات لاذعة لمنظومة تدبير الشأن العام محذرين من اتساع الفوارق الاجتماعية ومحاولات إضعاف الثقة المجتمعية في الجدوى من الفعل السياسي.
الاستنفار الانتخابي والتعبئة الرقمية هنا طُرحت آليات ميدانية وتواصلية واضحة لحث الجالية المغربية على الانخراط الإيجابي في الاستحقاقات المقبلة سواء عبر توظيف وسائل التواصل الاجتماعي للتعريف ببرامج الحزب أو استثمار آليات التصويت بالوكالة لتقليص مسافات الغياب الجغرافي.
لقد حظيت بشرف المشاركة ومتابعة أطوار هذا اللقاء المتميز مباشرة بصفتي إعلامياً و كاتبا صحفيا مقيماً في إيطاليا حيث لمست فيه روحاً قيادية تنبض بالمصداقية ومقاربة عميقة لقضايا الجالية المغربية بعيداً عن التنميط. لقد تجلى بوضوح أن المتدخلين يتقاسمون هاجساً مشتركاً يرتكز على خدمة الصالح العام والدفاع عن مصالح الوطن والمواطنين والتصدي لكل مظاهر الفساد في حين تميزت مداخلات الضيوف بنبرة نقدية عالية جابهت أداء الحكومة الحالية ومن وصفتهم بالفراقشية وأصحاب المصالح الضيقة معتبرة أن هذه السياسات أنتجت تفقير المواطن المغربي وأدت إلى تركز الثروة في أيدي فئة معينة.

وفي هذا السياق أتوجه بتحية خاصة إلى الإخوة المنظمين وأعضاء اللجنة المشرفة على هذا اللقاء السنوي الصيفي لأعضاء حزب العدالة والتنمية بالخارج على هذه المبادرة التي تتيح لمناضلي الحزب وعموم المهتمين التواصل وتبادل الآراء حول قضايا الوطن والمواطن داخل المغرب وخارجه. كما لا يسعني إلا أن أنوه بالمجهودات الكبيرة التي يبذلها الحزب بقيادة أمينه العام الأستاذ عبد الإله ابن كيران في مواكبة القضايا الوطنية والدفاع عن حضور المواطن في النقاش العمومي كل من موقعه ومسؤوليته.
إن مثل هذه اللقاءات تكتسي أهمية بالغة بالنسبة إلى مغاربة العالم لكونها تؤكد أن انشغالات الجالية المغربية ينبغي أن تظل حاضرة باستمرار في صلب النقاش السياسي والمؤسساتي بعيداً عن المنطق الموسمي المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية وحدها. وإلى جانب ذلك أود التنويه بصفة خاصة بجهود مكتب حزب العدالة والتنمية بإيطاليا وحرصه على إبقاء جسور التواصل مفتوحة ومواكبة انشغالات مغاربة إيطاليا.
إن الاهتمام بمغاربة العالم لا ينبغي أن يقتصر على الاستماع إلى مشاكلهم بل يجب أن يتطور إلى حوار منتظم ومتابعة مستمرة وتقديم المعلومة وفتح المجال أمام أبناء الجالية للمشاركة والتعبير والمساهمة في النقاش حول مستقبل بلدهم. ومن هذا المنبر أتمنى أن تكون هذه المبادرة بداية لمسار تواصلي أكثر انتظاماً وأن نرى مستقبلاً لقاءات شهرية أو دورية ينظمها الحزب لفائدة أعضاء الجالية يتم خلالها تقديم المستجدات المتعلقة بالقضايا الوطنية والتطورات السياسية وفتح نقاش صريح وهادئ مع أبناء الجالية حول انتظاراتهم ومقترحاتهم.
يؤكد هذا الحراك الرقمي أن حزب المصباح يسعى جاداً إلى نفخ الروح في قواعده المترامية الأطراف خارج الحدود محاولاً تحويل غضب الجالية وقلقها إلى طاقة انتخابية وازنة. وبينما تراهن الأغلبية على إنجازاتها يضع حزب العدالة والتنمية نصب عينيه معركة الكرامة واستعادة الثقة عازماً على إثبات أن صوت مغاربة العالم لا يزال قادراً على ترجيح كفة الميزان السياسي متى توفرت الإرادة والتأطير المؤسساتي السليم ليبقى مغاربة العالم طرفاً مهماً وفاعلاً أساسياً في رسم معالم المشهد المغربي المقبل لا مجرد متابعين.





