الدوخة بعد النهوض.. متى تحتاج إلى قياس الضغط؟

إيطاليا تلغراف متابعة

قد يشعر بعض الأشخاص بدوار أو تشوش مؤقت في الرؤية عند النهوض من السرير أو الكرسي، قبل أن يستعيدوا توازنهم سريعا. وقد يكون ذلك نتيجة أسباب بسيطة، مثل النهوض المفاجئ أو نقص السوائل، إلا أن تكرار هذه الأعراض قد يرتبط بخلل في قدرة الجسم على تنظيم ضغط الدم عند الوقوف.

ولا تعني الدوخة عند النهوض بالضرورة وجود مشكلة في ضغط الدم، إذ تتعدد أسبابها، ويظل توقيت ظهورها وتكرارها والأعراض المصاحبة لها عوامل مهمة لتحديد ما إذا كانت حالة عابرة أم تستدعي تقييما طبيا.

لماذا تحدث الدوخة عند الوقوف؟

عند الوقوف بعد الجلوس أو الاستلقاء، يتجمع جزء من الدم في الساقين والبطن بفعل الجاذبية، فيعمل القلب والأوعية الدموية على تعويض ذلك للحفاظ على تدفق الدم إلى الدماغ. وإذا لم تكن الاستجابة كافية، قد ينخفض ضغط الدم وتظهر أعراض مثل الدوخة وتشوش الرؤية والضعف ويشعر الشخص بخفة الرأس، وقد تصل إلى الإغماء.

وتقول الدكتورة علياء أبو سليمان، أخصائية طب الأسرة وزميلة الكلية الملكية البريطانية، إن الدوخة لها أسباب متعددة ولا ينبغي اعتبارها دليلا تلقائيا على انخفاض ضغط الدم، فقد تظهر مع فقر الدم وسوء التغذية ونقص بعض الفيتامينات، كما يختلف الدوار المرتبط بالحركة أو السفر عن الدوخة التي تظهر عقب تغيير وضعية الجسم.

وأضافت أن الأعراض المصاحبة تساعد في توجيه التشخيص، فالدوار المصحوب بطنين أو أعراض في الأذن قد يرتبط بجهاز الاتزان، في حين أن الدوخة المصحوبة بضعف أو تنمل في أحد جانبي الجسم تحتاج إلى تقييم عصبي.

متى يكون انخفاض الضغط انتصابيا؟

تعرف جمعية القلب الأمريكية (American Heart Association) انخفاض ضغط الدم الانتصابي بأنه هبوط مستمر في الضغط الانقباضي بمقدار 20 ملمترا زئبقيا على الأقل، أو في الضغط الانبساطي بمقدار 10 ملمترات زئبقية على الأقل، في الدقائق الثلاث الأولى من الوقوف.

ووفق بيان علمي للجمعية نُشر في دورية “Hypertension” عام 2024، يزداد احتمال الإصابة بهذه الحالة مع التقدم في العمر، وقد تظهر أيضا لدى الأشخاص المصابين بارتفاع ضغط الدم.

ويمثل الضغط الانقباضي الرقم الأعلى في قراءة ضغط الدم، وهو الضغط داخل الشرايين عندما ينقبض القلب ويدفع الدم إلى الجسم، بينما يمثل الضغط الانبساطي الرقم الأدنى، وهو الضغط داخل الشرايين عندما يرتخي القلب بين الضربات.

ولا تعني الدوخة القصيرة التي تحدث مرة واحدة بعد النهوض السريع بالضرورة وجود انخفاض ضغط انتصابي. لكن تكرارها بعد الوقوف، وخصوصا إذا صاحبتها رؤية ضبابية أو ضعف أو شعور بقرب الإغماء، يجعل قياس الضغط أثناء تغيير وضعية الجسم أكثر أهمية.

الجفاف والأدوية

وتشير الدكتورة علياء إلى أن الجفاف وقلة شرب الماء من العوامل التي قد تؤدي إلى انخفاض الضغط وظهور الدوخة، وتزداد احتمالات ذلك في الأجواء الحارة ومع التعرق، إذ يفقد الجسم السوائل وقد يقل حجم الدم المتداول.

وأوضحت أن كبار السن قد يكونون أكثر عرضة للجفاف، كما يمكن لبعض الأدوية، ومنها مدرات البول وبعض علاجات ارتفاع ضغط الدم، أن تسهم في هبوط الضغط لدى بعض المرضى. وإذا تكررت الدوخة لدى من يستخدم هذه الأدوية، فينبغي مراجعة الطبيب لتقييم القراءات والعلاج ومستوى الترطيب، وعدم خفض الجرعات أو إيقافها من دون استشارة.

وقد يرتبط انخفاض الضغط الانتصابي أيضا ببعض الأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب، والسكري الذي قد يؤثر في الأعصاب المسؤولة عن تنظيم ضغط الدم، ومرض باركنسون وغيره من اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي التي قد تضعف قدرة الجسم على ضبط الضغط عند الوقوف.

خطر السقوط لدى كبار السن

تزداد أهمية الدوخة عند الوقوف لدى كبار السن، إذ قد يؤدي فقدان التوازن ولو لثوان إلى السقوط والإصابات والكسور.

وأظهرت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا في دورية “ذا جورنالز أوف جيرونتولوجي: سيريز إيه”  (The Journals of Gerontology: Series A) عام 2024، وشملا 184 دراسة، أن انخفاض ضغط الدم الانتصابي ارتبط بزيادة خطر السقوط بنحو 39% في 12 شهرا، مما يؤكد أهمية تقييم اضطرابات القلب والأوعية الدموية لدى كبار السن الذين يتعرضون للسقوط.

ولهذا فإن الدوخة المتكررة أو السقوط غير المفسر لدى المسن يستحقان تقييما طبيا، بدلا من افتراض أنهما نتيجة طبيعية للتقدم في العمر.

متى يحتاج المريض إلى تقييم طبي؟

يُشخَّص انخفاض الضغط الانتصابي أساسا بقياس ضغط الدم بعد الاستلقاء ثم بعد الوقوف. وأشارت مراجعة وموقف خبراء نشرا في دورية “Revue Neurologique” عام 2024 إلى أن القياس قد يحتاج إلى التكرار في أوقات مختلفة إذا كانت الأعراض متكررة رغم أن النتيجة الأولى طبيعية، وقد يستخدم اختبار الطاولة المائلة عندما يبقى الاشتباه قائما رغم عدم ظهور الانخفاض في القياس المعتاد.

ويبدأ التقييم كذلك بمراجعة الأدوية والتاريخ المرضي، وقد يطلب الطبيب فحوصا بحسب الأعراض والسبب المحتمل، مثل صورة الدم للكشف عن فقر الدم، وفحوص سكر الدم والأملاح ووظائف الكلى، أو تخطيط القلب إذا استدعت الحالة.

أما الدوخة التي تحدث نادرا بعد النهوض السريع وتختفي في ثوان ولا تتكرر ولا يصاحبها إغماء أو أعراض أخرى، فيمكن مراقبتها مع النهوض بصورة تدريجية والانتباه إلى شرب السوائل.

ويحتاج المريض إلى مراجعة الطبيب إذا تكررت النوبات أو أدت إلى سقوط أو إغماء، بينما تستدعي الدوخة المصحوبة بضعف أو تنمل في جانب واحد أو اضطراب في الكلام تقييما عاجلا.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...