بين انسداد الأفق وغياب البدائل… مغاربة العالم في مواجهة استحقاقات 2026 وعقم بعض النخب السياسية المغربية.
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
ليست الانتخابات التشريعية لـيوم 23 شتنبر 2026 مجرد موعد تقني لتجديد مقاعد البرلمان بل هي مرآة كاشفة لعقم بنيوي وأزمة أفق تعتري المشهد السياسي والحزبي برمته. وحين يمعن المرء النظر في تفاصيل السجال الانتخابي الحالي وما تروجه أحزاب الاستمرارية الساعية لقطف ثمار تدبير حكومي أفرز تفاوتاً مجابهاً للعدالة الاجتماعية أو ما تحاوله قوى التصحيح عبر محاولات رتق الهوة بين الخطاب التنفيذي والتقارير الرقابية الرسمية التي تؤكد سير المغرب بسرعتين متباعدتين يبرز تساؤل أعمق وأقسى لصالح من تُدار هذه المعارك الوهمية؟ وكيف تستمر الأحزاب في تكرار ذات الإسطوانة المشروخة بينما الوطن ينوء تحت ثقل معضلات هيكلية حقيقية قوامها زواج السلطة بالثروة وتضارب المصالح وتغول الرأسمال الريعي وتهميش الطبقات الشعبية والوسطى؟
لكن الأشد وقعاً في هذا المشهد ليس فقط هذا العقم الحزبي الداخلي بل هو الإقصاء المنهجي والمستمر لمغاربة العالم من مشاركتهم السياسية الفعلية والمباشرة في تقرير مصير بلادهم. فمن موقعنا كصحفيين مهنيين ومثقفين نعيش خارج الحدود لا نتابع المشهد كمتفرج أجنبي بل كجزء لا يتجزأ من نبض هذا الوطن الذي يسكننا وتسكنه. ونحن نتابع هذه الكواليس عبر اللقاءات الرقمية وشاشات التلفزة والنقاشات المهنية الحادة نجد أنفسنا مضطرين لدق ناقوس الخطر فأن يتم تغييب ملايين المغاربة المقيمين بالخارج عن دوائر القرار وصناديق الاقتراع رغم ما تحمله الخطابات الملكية السامية من تأكيد دائم على أن الجالية هي ركيزة أساسية من ركائز التنمية والعمق الاستراتيجي للبلاد هو خطيئة سياسية كبرى تكشف بالملموس عن خوف النخب التقليدية من صوت حر لا يمكن تطويعه بأوراق الأعيان وترحالهم الحزبي المفضوح.
إن قراءة تحليلية في الموقف الانتخابي الحالي تبين بالمكشوف أن الأحزاب السياسية المغربية بيمينها ويسارها تعيش أزمة مرجعية حادة فأحزاب الأغلبية الحالية تدير حملاتها بمنطق التباهي بأرقام ماكرو اقتصادية لا تترجم أبداً في قفة المواطن المغربي البسيط الذي يكابده الغلاء وتآكل القدرة الشرائية وسحق الطبقة المتوسطة. وفي المقابل ورغم محدودية حضوره العددي داخل قبة البرلمان نجح حزب العدالة والتنمية في فرض حضوره النوعي متصدياً بجرأة لبعض القرارات والتشريعات التي تمس مباشرة بالقدرة الشرائية للمواطن والطبقات الهشة غير أن هذا الدور الرقابي البارز يظل محكوماً بتحدي تجديد أدوات خطابه السياسي بما يتلاءم مع التحولات الراهنة بعيداً عن الاكتفاء باستعادة أدبيات مرحلة 2011 أو الاقتصار على رهان استثمار الاحتقان الاجتماعي لبعث رسائل سياسية وذلك لصالح تقديم بدائل اقتصادية دقيقة ومؤسساتية وكأن المشهد السياسي المغربي يظل محكوماً بتجاذبات تقليدية بين نخب مصالح وسط حاجة ملحة لمشروع مجتمعي متكامل يضع المواطن أينما كان ترابه في صلب الاهتمام.
أما المعضلة الكبرى التي تتغافل عنها كل هذه الدوائر الحزبية فهي كيف يمكن بناء اقتصاد منتج وشغل حقيقي في ظل سيطرة قلة تحتكر سلاسل الإنتاج والغذاء والخدمات وتسلب أبناء الشعب حقهم في تعليم جامعي عمومي رصين بعد أن تم تسليعه بوحشية؟ وكيف يمكن للبرلمان أن يكون ممثلاً للأمة وهو يتحول تدريجياً إما إلى نادي للأثرياء الذين راكموا الثروة من الريع أو محطة لمرتزقة العمل السياسي؟
إن رسالتنا اليوم من ضفة مغاربة العالم واضحة وقوية نحن نتابع ونراقب ولا ننسى. إن الوطن ليس احتكاراً لنخب الداخل الضيقة وتهميش الكفاءات المهاجرة ومنعها من حقها الدستوري في التشريع والمشاركة لا يخدم سوى إبقاء البلاد رهينة لديناميكية بطيئة ومقيدة. إن أي إصلاح حقيقي يبدأ حتماً برد الاعتبار للسياسة كفعل أخلاقي نبيل وكسر جدار العزلة المفروض على الامتداد العالمي للوطن ليكون مغاربة العالم جزءاً فاعلاً في معركة البناء والتغيير لا مجرد رقم موسم في حسابات التحويلات المالية فمتى تدرك نخبنا واحزابنا السياسية أن قوة المغرب تبدأ حين يستوعب الجميع أن لا استقرار حقيقي ولا تنمية شاملة دون ديمقراطية حقة تشمل أبناء الوطن في الداخل والخارج على حد سواء؟
وإن ناظرنا بين محطات التدبير الحكومي ومآلاتها الواقعية تتكشف بوضوح مسافات الهوة بين الشعارات المنبرية ووجع المعيش اليومي. فحين نعرّج على المرحلة السابقة تحت قيادة حزب العدالة والتنمية برئاسة عبد الإله بنكيران ثم سعد الدين العثماني نلفيها محفوفة بنسب من ضبط الإيقاع المعيشي واستقرار القدرة الشرائية برغم لجج الصراعات السياسية المعهودة وخطابات التماسيح والعفاريت لنصطدم بالمقابل في الراهن تحت رئاسة عزيز أخنوش بتغول واجهاته الاستثمارية وسطوة تضارب المصالح والانفلات الجنوني لأسعار الأقوات واللحوم وانهيار مقومات الفلاحة المعيشية. ولعل الفضيحة الأبرز التي عرت عمق الأزمة تمثلت في أموال الدعم الهائلة المخصصة لتوفير الاضاحي والتي صبت في قنوات شبكات الفراقشية والمحظوظين لتترك المواطن المغربي المقهور وحيداً أمام الكلفة الباهظة لأضاحي العيد وووعود فضفاضة مسكونة بالاستهتار. وأمام مرارة هذه الحصيلة القاتمة تعود نفس الوجوه الحزبية اليوم لترويج بضائعها السياسية المستهلكة وإعادة تدوير وعودها البائسة غافلة عن أن وعي الداخل وذاكرة الجالية المغربية بالخارج باتت أشد مناعة وأصلب عوداً ولن تخدعها بعد اليوم شعارات موسمية فارغة محكومة بالعقم والاجترار وملفات الفساد المستشري.
الله يدير تاويل لهذ البلاد .





