بعد أزمة الهجرة الجماعية واستمرار مطالب المغرب باسترجاعهما.. مدريد تبحث عن “طمأنة أوروبية” لسبتة ومليلية وسانشيز يسعى لتصنيفهما ضمن “مناطق أقصى الهامش” 

إيطاليا تلغراف متابعة

لم تأت الخطوة التي أعلنت عنها إسبانيا بشأن الدفع نحو منح سبتة ومليلية وضع “مناطق أقصى الهامش” داخل الاتحاد الأوروبي في سياق منفصل عن التطورات التي تعرفها المدينتان، إذ برز هذا المقترح في خضم توتر متصاعد حول سبتة، ولا سيما بعد موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها المدينة في نهاية يوليوز وما أعقبها من تصريحات لمسؤولين مغاربة وإسبان، بما أعاد إلى الواجهة الأسئلة المرتبطة بوضع الثغرين وموقعهما داخل المنظومة الأوروبية، وحدود قدرة مدريد على تأمين وضعهما الحالي على المدى الطويل.

رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، أعلن في وقت سابق عزمه التحرك لدى بروكسيل من أجل الاعتراف بسبتة ومليلية باعتبارهما “مناطق أقصى الهامش” داخل الاتحاد الأوروبي، في خطوة تتجاوز، في دلالاتها، البحث عن امتيازات اقتصادية أو ضريبية، لتطرح مسألة أوسع تتعلق برغبة مدريد في توفير إطار قانوني أوروبي يشرعن سيطرتها على المدينتين الواقعتين في أقصر شمال القارة الافريقية.

وتعكس طبيعة المسار الذي اختارته إسبانيا حجم الرهان على هذه الخطوة، إذ إن منح هذا الوضع لا يتم بقرار إسباني منفرد، وإنما يتطلب مسارا.تشريعيا معقد.يبدأ بتقديم مقترح إلى المفوضية الأوروبية، مرورا باستشارة البرلمان الأوروبي، وصولا إلى اعتماد التعديل بالإجماع من جانب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، باعتبار أن الأمر يرتبط بتعديل أحكام معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي.

ويترجم التحرك التحرك الإسباني، حالة من القلق تجاه استمرار وضع المدينتين بالشكل القائم، ومحاولة لإيجاد مستوى إضافي من الاطمئنان عبر ربط وضعهما بشكل أوثق بالإطار القانوني والمؤسساتي للاتحاد الأوروبي، إذ كلما انتقلت وضعية سبتة ومليلية من ترتيبات خاصة مرتبطة بإسبانيا إلى إطار أوروبي أكثر رسوخا، ازدادت قدرة مدريد على تقديم وضع المدينتين باعتباره جزءا من بنية أوروبية .

وهنا تبرز خلفية سياسية لا يمكن فصلها عن هذا المسعى، ذلك أن المغرب يواصل التأكيد على أن سبتة ومليلية ثغران مغربيان واقعان تحت الاحتلال الإسباني، وهو موقف أعيد التأكيد عليه في مناسبات مختلفة من طرف مسؤولين مغاربة، آخرها ماجاء على لسان وزير العدل عبد اللطيف وهبي كون المدينتين مغربيتان، كما عبّر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق أمام الملك عن ضرورة تحرير الثغور في إشارة لسبتة ومليلية، في حين أكد نزار بركة، وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، بدوره مغربية سبتة ومليلية.

ويكتسب مفهوم “مناطق أقصى الهامش” أهمية خاصة لفهم طبيعة المقترح الإسباني، فالمقصود بالمناطق “أقصى هامش الاتحاد”، أقاليم تابعة لدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، لكنها توجد على مسافات بعيدة عن القارة الأوروبية أو تواجه ظروفا جغرافية واقتصادية استثنائية تبرر منحها معاملة خاصة داخل المنظومة الأوروبية، حيث تضم هذه القائمة حاليا جزر الكناري الإسبانية، وجزر الأزور وماديرا التابعتين للبرتغال، إضافة إلى غوادلوب وغويانا الفرنسية ومارتينيك وريونيون ومايوت وسان مارتان التابعة لفرنسا.

وتحدد معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي مجموعة من الظروف الهيكلية والدائمة التي ترتبط بهذا الوضع، من بينها العزلة الجغرافية الشديدة، والطابع الجزيري، ومحدودية المساحة، وصعوبة التضاريس والمناخ، إلى جانب التبعية الاقتصادية، إذ بموجب المادة 349 من المعاهدة، يمكن للاتحاد الأوروبي اعتماد تدابير خاصة لفائدة هذه الأقاليم، بما يسمح لها بالاستفادة من ترتيبات لا تنطبق بالضرورة على باقي المناطق الأوروبية.

وتشمل هذه المعاملة إمكانية الاستفادة من مستويات أعلى من التمويل المشترك عبر الصناديق الأوروبية، إلى جانب اعتمادات وبرامج مالية خاصة بالمناطق “أقصى الهامش”، إلى جانب آليات مخصصة لقطاعات مثل الزراعة والصيد البحري، وإمكانية الإبقاء على أنظمة ضريبية وجمركية خاصة تتلاءم مع خصوصية كل إقليم.

وتظهر هذه الامتيازات بشكل واضح في حالة جزر الكناري، التي تتمتع بنظام ضريبي خاص يختلف عن النظام المطبق في إسبانيا، إلى جانب ترتيبات جمركية واقتصادية تستند إلى وضعها كمنطقة أقصى الهامش، وهو ما يجعل حصول سبتة ومليلية على التصنيف نفسه، في حال تحقق، تحولا في طريقة إدماجهما ضمن السياسات الأوروبية، وإن كان تحقيق ذلك يواجه عقبة أساسية تتمثل في اختلاف وضعيتهما الجغرافية عن المناطق التي تتمتع حاليا بهذا التصنيف، حيث أن المدينتان لا تقعان على آلاف الكيلومترات من القارة الأوروبية، ولا تتمتعان بالطابع الجزيري الذي يميز غالبية المناطق المذكورة في القائمة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...